حرب ممنهجة لإجهاض مشروع الأمة الديمقراطية وإسكات نداء السلام
تصعيد عسكري متواصل يستهدف الهوية والمكونات في إقليم شمال وشرق سوريا، في محاولة ممنهجة لإفشال مشروع الأمة الديمقراطية، وضرب أسس العيش المشترك، ونداء السلام الذي أطلقه القائد عبد الله أوجلان.
أسماء محمد
قامشلو ـ تدخل روج آفا اليوم مرحلة مفصلية من تاريخها، في ظل تصاعد الهجمات والانتهاكات التي تستهدف المدنيين والمكونات المجتمعية على أسس قومية ودينية وطائفية، في وقتٍ يتعرض فيه نداء السلام الذي أطلقه القائد عبد الله أوجلان لهجمة منظمة تهدف إلى إفراغه من مضمونه.
مع محاولات زرع الفتنة بين المكونات، وطمس الهوية الكردية، وزعزعة الأمن والاستقرار، يبرز تماسك الأهالي ووقوفهم إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية كخط دفاع أساسي عن مشروع سياسي يرفض الإقصاء، ويؤمن بأن سوريا لا تبنى بلون واحد، بل بتعدد شعوبها وهوياتها وإرادتها الحرة.
بينت رمزية محمد الرئيسة المشتركة لحركة المجتمع الديمقراطي في لقاء خاص مع وكالتنا إن ما تمر به مناطق روج آفا اليوم لا يمكن فصله عن السياق العام للأزمة السورية، ولا عن محاولات إفشال أي مشروع ديمقراطي حقيقي يطرح بديلاً عن منطق السلطة الأحادية والعنف "الهجمات الحالية تحمل أبعاداً سياسية واضحة، وتهدف إلى كسر إرادة الشعوب التي اختارت طريق الحرية والتنظيم الذاتي، بدل الخضوع لسياسات القمع والتهميش".
استهداف المكونات
وأضافت أن "سقوط النظام السابق في دمشق، وتسليم الحكم لمجموعات مسلحة ذات توجهات متشددة، أدخل البلاد في مرحلة شديدة الخطورة، حيث تحولت سوريا إلى ساحة مفتوحة للصراعات الطائفية والدينية، انعكست بشكل مباشر على حياة المدنيين، من خلال القتل على الهوية، والاعتقال التعسفي، والتهجير القسري، وتصفية الحسابات على أسس دينية ومذهبية".
وأشارت إلى أن هذه السياسات طالت بشكل خاص المكون العلوي والمكون الدرزي، اللذين تعرضا لانتهاكات جسيمة بسبب انتمائهما الطائفي، حيث جرى استهداف المدنيين لمجرد اختلافهم الديني، في مشهد يعيد إنتاج أخطر أشكال الإقصاء، ويهدد وحدة المجتمع السوري ونسيجه التاريخي المتنوع.
ولفتت إلى أن إقليم شمال وشرق سوريا يشهد في الوقت نفسه استهدافاً مباشراً للمكوّن الكردي، من خلال التصعيدات العسكرية المستمرة "الكرد يستهدفون اليوم لأنهم كرد، ولأنهم اختاروا الدفاع عن هويتهم، والسعي إلى العيش المشترك، وبناء نموذج سياسي يعترف بالتعددية القومية والدينية".
وأوضحت رمزية محمد أن هذه الهجمات تهدف إلى طمس الهوية الكردية وإنهاء أي مكسب سياسي أو ثقافي تحقق خلال السنوات الماضية "هذه التصعيدات لا تندرج في إطار صراع عسكري تقليدي، بل تشكل جزءاً من سياسة ممنهجة تهدف إلى زعزعة الأمن، وبث الخوف بين الأهالي، ودفعهم نحو النزوح، وإفراغ المنطقة من مضمونها المجتمعي، بما يخدم مشاريع التفتيت والهيمنة".
وأكدت أن هذه التطورات الخطيرة "تتزامن مع دخول أهالي روج آفا مرحلة سياسية حساسة، عقب طرح مشروع الأمة الديمقراطية، الذي يقوم على وحدة المكونات، واحترام الخصوصيات القومية والدينية، وبناء مجتمع تشاركي قائم على العدالة والمساواة، إلا أن هذا المشروع يُواجَه اليوم بالسلاح والعنف، في محاولة لإفشاله ومنع تحوله إلى نموذج قابل للتعميم".
قلعة الصمود
ولفتت إلى أن المنطقة شهدت في الأيام القليلة الماضية ذكرى تحرير مدينة كوباني، التي شكلت رمزاً للمقاومة الشعبية في وجه الإرهاب "الشعب الذي واجه تنظيم داعش وانتصر عليه، لا يزال متمسكاً بخيار الدفاع المشروع عن أرضه، ومتكاتفاً إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية والقوى الأمنية".
وأوضحت أن مدينة كوباني ما تزال تعاني من حصار خانق، في استمرار لسياسات الخنق التي فرضت عليها منذ سنوات، رغم تضحيات أبنائها وبناتها في مواجهة تنظيم داعش "المدينة تواجه اليوم محاولات جديدة لكسر إرادة أهلها والنيل من صمودهم. إعلان النفير العام من قبل الأهالي، ووقوفهم إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية، يعكس وعياً جماعياً وإرادة شعبية صلبة في الدفاع عن الأرض والهوية، هذه القوات تمثل خط الدفاع الأول عن المدنيين، وتشكل الضمانة الأساسية لمنع انهيار الأمن".
استهداف المدنيين
وتطرقت رمزية محمد إلى ما شهدته أحياء الشيخ مقصود والأشرفية من تصعيد عسكري عنيف وحصار خانق، أدى إلى وقوع ضحايا مدنيين، ونزوح آلاف العائلات، في ظروف إنسانية قاسية "عانى الأطفال والنساء وكبار السن من البرد والجوع ونقص الخدمات الأساسية. الانتهاكات التي ارتكبت في الشيخ مقصود والأشرفية، من قتل وحصار وتجويع واستهداف مباشر للمدنيين، تشكل جرائم موثقة بحق الإنسانية. الصمت الدولي حيال هذه الجرائم لا يقل خطورة عن الجرائم نفسها، لأنه يفتح الباب أمام تكرارها في مناطق أخرى".
والانتهاكات كما تؤكد رمزية محمد لم تقتصر على مدينة واحدة، بل امتدت إلى مناطق متعددة في إقليم شمال وشرق سوريا، من بينها تل رفعت والطبقة ومنبج، حيث سجلت حالات قتل واعتداء على المدنيين، وانتهاكات لحرمة القبور ومزارات الشهداء، في محاولة لضرب القيم المجتمعية والرمزية التاريخية للشعوب، متسائلةً "هل هذه هي سوريا التي يسعون إلى بنائها. سوريا الإقصاء والعنف واللون الواحد، أم سوريا التعدد والاعتراف بالآخر؟ ما يجري اليوم يناقض تطلعات السوريين إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية".
إثارة الفتنة
وترى رمزية محمد أن الهدف الأساسي من هذه الحروب والتصعيدات هو "زرع الفتنة والكراهية بين المكونات، ولا سيما بين الكرد والعرب، ومنعهم من التوافق ضمن إطار سياسي واجتماعي جامع، بما يؤدي إلى ضرب مشروع الأمة الديمقراطية من جذوره، وإعادة إنتاج الصراعات الداخلية. ثورة إقليم شمال وشرق سوريا، التي انطلقت قبل أربعة عشر عاماً، قامت على إرادة الشعب ووحدته، وعلى شراكة حقيقية مع قوى الحماية، الشعب الذي أسس هذه التجربة قادر اليوم على حمايتها، إذا ما تمسك بوحدته ورسالة السلام".
نداء السلام والحل الديمقراطي
وأكدت رمزية محمد أن نداء السلام الذي أطلقه القائد عبد الله أوجلان دعوة واضحة للحل الديمقراطي، وبناء مجتمع متكافل يحترم حقوق جميع المكونات، إلا أن هذا النداء قوبل بتصعيد عسكري ونزاعات مسلحة تهدف إلى تقويضه، واستبدال لغة الحوار بلغة السلاح.
ووجهت نداء إلى الشعب الكردي في الداخل والمهجر، ولا سيما في الدول الأوروبية، دعته إلى الوقوف صفاً واحداً إلى جانب أهلهم في روج آفا، ودعم قواتهم، وعدم التخلي عن الهوية والأرض "وحدة الصف هي السبيل الوحيد لإفشال مخططات الفتنة".
وفي ختام حديثها حملت المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية مسؤولية أخلاقية وقانونية لوقف الانتهاكات، وحماية المدنيين، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن، الذين يدفعون الثمن الأكبر لهذه الصراعات " كما تحررت كوباني من إرهاب داعش، روج آفا، قادرة على التحرر من جميع القوى المرتزقة التي تسعى إلى هدم مشروع الأمة الديمقراطية وضرب وحدة المكونات, إرادة الشعوب ستبقى أقوى من السلاح والدمار".