'الاحتجاجات في إيران مؤشر لانهيار الثقة وتحوّل تاريخي في المشهد الإيراني'

أكدت بيسي شماري عضوة المجلس التنسيقي للمنصة الديمقراطية العابرة للحدود للنساء، أن الاحتجاجات تمثل نقطة تحول تاريخية تعكس تراجع الثقة الشعبية، وتصاعد عن الأزمات الاقتصادية والقمع، وتكشف عن ضعف السيطرة السياسية للحكومة في ظل اتساع رقعة الغضب الشعبي.

شهلا محمدي

مركز الأخبار ـ  تعتبر الاحتجاجات جزءاً من المشهد السياسي والاجتماعي في إيران منذ أمد بعيد، ومع كل أزمة اقتصادية أو توتر سياسي أو حادثة اجتماعية، تتجدد مظاهر الغضب الشعبي في الشوارع، معبّرة عن مطالب تتراوح بين تحسين الظروف المعيشية وتوسيع الحريات وصولاً إلى الدعوة لإصلاحات جذرية.

مع تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية والنقابية في إيران مجدداً، وامتداد إضراب السوق، الذي كان بمثابة الشرارة الأولى لموجة جديدة من السخط، إلى مدنٍ عديدة في البلاد، برزت تساؤلاتٌ جدية حول طبيعة هذه الاحتجاجات، وردّ فعل الحكومة ومستقبل المجتمع الإيراني، وفي هذا السياق قيمت عضوة المجلس التنسيقي للمنصة الديمقراطية العابرة للحدود للنساء، بيسي شماري الأبعاد السياسية والاجتماعية والتاريخية لهذه التطورات.

وعن بداية موجة جديدة من الاحتجاجات في إيران قالت بيسي شماري "نشهد اليوم موجة احتجاجات جديدة في إيران، موجة انطلقت من السوق، الذي طالما كان عبر تاريخ إيران بمثابة مقياس للوضع السياسي، فكلما توقف السوق عن الحركة، ارتفعت حدة التوتر في المجتمع، لذلك لا يمكن اعتبار إضراب السوق مشروعاً أمنياً، ولا كما يدّعي بعض المحللين من تدبير الأوليغارشية الحكومية، بل على العكس هناك الكثيرون ممن اعتبروا هذه العملية، منذ بدايتها، جزءاً من مشروع لتغيير النظام من داخل الحكومة.

وأوضحت أنه منذ حرب بين إيران وإسرائيل التي استمرت 12 يوماً على الأقل "شهدنا تراجعاً تدريجياً في الفرص الاقتصادية والأمن لأولئك الذين كانوا يُعتبرون الركائز الأساسية للنظام، وفي الفترة نفسها امتد الخوف الذي كان سائداً في السابق بين الطبقات الدنيا من المجتمع إلى الطبقات المتوسطة ونرى اليوم هذا الخوف من المستقبل جلياً في السوق، لقد أدى التضخم وانهيار القدرة الشرائية وانعدام الأمن الاقتصادي إلى تآكل دعائم الثقة وكان رد فعل السوق استجابة طبيعية لهذا التآكل، وحتى لو نظرنا إلى المسألة من كلا الجانبين فإن إساءة استخدام السوق لتحقيق أهداف سياسية من قبل جزء من الحكومة لم تُؤتِ ثمارها، لأنه حتى الطبقات الثرية التي كانت تتمتع بأمن رأسمالي مضمون سابقاً باتت الآن قلقة بشأن مستقبلها".

 

قمعٌ سافر أم انهيارٌ للسيطرة السياسية؟

وقالت إن الاحتجاجات انتشرت من السوق، كشعلةٍ أشعلتها الرياح، إلى مدنٍ أخرى، متجسدةً في شبكات الحياة اليومية، من سلاسل التوريد والنقل إلى ورش العمل والعمال والمعلمين والممرضين، فعندما يتوقف السوق تتوقف العجلات الأخرى عن الدوران، لهذا السبب يمكن أن تتحول مطالب النقابات إلى حركةٍ اجتماعية لأن السخط كان يتراكم بالفعل.

وأشارت إلى رد الحكومة لم يكن إدارة للأزمة بل قمعاً سافراً، قمعاً بعنف مفرط لا سيما في منطقة زاغروس، بما في ذلك مدينة مالكشاه، وفي غرب كردستان وردت أنباء عن إطلاق نار مباشر على متظاهرين عُزَّل، ومقتل وجرح مواطنين ومحاولات من قوات الأمن لاقتحام المستشفيات واختطاف الجرحى "في رأيي لا تُعدّ هذه الأعمال دليلاً على السلطة، بل دليلاً على انهيار السيطرة السياسية لحكومة تُقرّ فعلياً بمهاجمتها مستشفى، الملاذ الأخير للمجتمع المدني بأنها فقدت أدواتها السياسية ولم تعد تملك سوى القوة".

وأكدت أن "الاحتجاجات الأخيرة تعتبر نقطة تحول تاريخية لذلك علينا أن نولي اهتماماً لمنطق انتقال السلطة، حيث تُظهر التجارب المعاصرة في العالم، بما فيها فنزويلا، أن شرعية القوى البديلة لا تنبع إلا من قاعدة اجتماعية ودعم شعبي حقيقي، فبروز شخصيات أو حركات في وسائل الإعلام العالمية دون دعم محلي، ليس خياراً مستداماً للمستقبل، فالسياسة تُمارس على أرض الواقع لا في استوديوهات رسمت سيناريوهاتها مسبقاً".

وأضافت أن تطبيق هذا المنطق على الواقع الإيراني اليوم يكشف نتيجة واضحة، فالحركات التي تفتقر إلى قاعدة اجتماعية واقتصاد شامل، ومنها الحركات الملكية، لا مكان لها في مستقبل البلاد، معتبرةً أن طرح أسماء هذه الحركات في بعض التجمعات مؤخراً، والتلاعب بصور الاحتجاجات، لا يصنع بديلاً سياسياً حقيقياً، بل يتحول إلى أداة لزيادة انعدام الثقة وإشعال الانقسامات وإضعاف الوحدة بين القوميات والقوى الاجتماعية المختلفة.

 

فشل سياسة القمع وأدوات الملكيين

ولفتت إلى أنه لا يمكن لمجتمع يسعى لتجاوز نظام عفا عليه الزمن أن يعود إلى ماضٍ كان جزءاً من المشكلة نفسها، لقد استُخدمت قضية الملكيين و"الشاه والشيخ" لسنوات كأداة لخلق الانقسامات وإضعاف الوحدة بين الشعب، ويستغل كل من النظام الرأسمالي والنظام الإيراني هذه القضية لمنع بناء الثقة والوحدة بين الشعب  "أظهرت تصريحات خامنئي الأخيرة بعد حرب إيران وإسرائيل، أن الحكومة لا تزال تحاول الحفاظ على شرعيتها من خلال القمع والتهديدات، إن قبول الحق في الاحتجاج إلى جانب القمع يدل على أن الحكومة لا تملك شرعية ولا حلاً جاهزاً".

وأكدت أن التمييز المصطنع بين الاحتجاج والشغب محاولة لإضفاء الشرعية على العنف ضد الشعب، المطالب الحالية هيكلية وتتجاوز القضايا الفئوية، ومع الظروف الإقليمية، بما في ذلك تراجع القواعد الأمنية والحلفاء الاستراتيجيين، ازداد الضغط الداخلي أيضاً "عندما يخلو الجزء الخلفي من الواجهة، يرتفع صوت الشارع السؤال الأساسي هنا هو كيف يمكن للمجتمع منع تكرار دورة انتقال السلطة داخل نظام رأس المال والأمن، حيث تُظهر تجربة الاحتجاجات الأخيرة أن وجود صلة واضحة بين الاقتصاد والسياسة أمرٌ جوهري، فأي إضراب أو احتجاج نقابي يُعرّض للمصادرة إذا لم يكن مرتبطاً بصنع القرار الشعبي".

وشددت على أن التنظيم الأفقي والمحلي، وتعزيز التنسيق بين السوق والعمال والطلاب والعاملين في القطاع الطبي، إضافة إلى اعتماد الشفافية في اتخاذ القرارات، تشكّل ركائز أساسية لمقاومة طويلة الأمد وتحدّ من قدرة الحكومة على استهداف القادة، مؤكدةً على ضرورة أن تبقى الحركة مستقلة عن النخب الريعية والمعارضات غير الجذرية، وأن تعبّر بوضوح عن صوت الشعب الحقيقي.

وترى بيسي شماري أن تحريف الأخبار والتسجيلات الصوتية الركيكة يشوّه إرادة الناس ويعمّق الانقسامات، مشيرةً إلى أن التضامن بين المناطق والقوميات أمر حيوي، فالقمع في زاغروس وكردستان وخوزستان وبلوشستان ليس حدثاً محلياً معزولاً، بل جزء من سلسلة وطنية تتطلب استجابة جماعية.

وقالت إن شعار "Jin, Jiyan, Azadi" في الانتفاضة التي شهدتها إيران عام 2022 كانت امتداد لمسيرة الآباء والأمهات الذين غرسوا شغفهم الثوري في نفوس أبنائهم، مشيرةً إلى أن وضوح أهداف الحركة، وتركيزها على التغيير الهيكلي بدلاً من تغيير المظاهر وارتباطها بالشعارات، هي بوصلة الحركة المستقبلية، وتلعب وسائل الإعلام الشعبية دوراً حيوياً في ذلك، فهي الذاكرة الجماعية للمجتمع وتسجل الواقع وتُحيد التشوهات، وتربط المدن ببعضها.

ولفتت إلى أن الاحتجاجات الحالية في إيران ليست اقتصادية فحسب، بل هي مرحلة جديدة في حركة عميقة تحدّت شرعية النظام، فالقمع ليس دليلاً على القوة بل على استنفاد السيادة، إذا لم يتحرك المجتمع المنظم ولم يخلق بديلاً جماعياً، فستنتقل السلطة ببساطة من أقلية إلى أخرى، إن يقظة الشعب وانتباهه أمران حاسمان فالاحتجاجات الأفقية المتماسكة، المستقلة عن رأس المال والسيادة، قادرة على تحدي ليس فقط الجمهورية الإسلامية بل منطق إعادة إنتاج السلطة برمته من أعلى، وأن تُشكّل نقطة تحوّل في التاريخ.