'ما يحدث في سوريا يهدد بتكرار الإبادة بحق جميع المكونات'
تتصاعد وتيرة الانتهاكات بحق المكونات الدينية والمذهبية الأصيلة، وسط صمت دولي مريب، وعجز واضح عن توفير أي شكل من أشكال الحماية أو المساءلة.
أسماء محمد
قامشلو ـ ترتكب الجرائم في سوريا على مرأى العالم، وتستهدف المدنيين ودور العبادة والرموز الدينية، وتعيد إلى الذاكرة صفحات دامية من تاريخ الإبادة والعنف المنهجي الذي رافق سنوات الأزمة الـ 15.
حملت إدارية مجلس المرأة في البيت الإيزيدي سعاد حسو الحكومة السورية المؤقتة المسؤولية الكاملة عن تصاعد الانتهاكات بحق العلويين والدروز والمسيحيين، باعتبار أن تجاهل الجرائم يفتح الباب أمام مجازر جديدة تمس جوهر التعايش والسلم الأهلي.
وأدانت الانتهاكات المتصاعدة التي تطال المكونات العلوية والدرزية والمسيحية في الداخل السوري، معتبرةً أن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن سياقٍ ممنهج من العنف القائم على التمييز الديني والمذهبي، يمارس في ظل غياب المساءلة وتفشي حالة الإفلات من العقاب.
ارتكاب الإبادة قاب قوسين أو أدنى
واستمرار هذا النهج كما تؤكد سعاد حسو يشكل تهديداً وجودياً للتعدد الثقافي والديني في سوريا، ويقوض أي أمل ببناء سوريا قائمة على العدالة والمواطنة المتساوية، محذرةً من أن تجاهل هذه الجرائم يعيد إنتاج شروط حدوث الإبادة التي عانت منها مكونات بأكملها في محطات سابقة، وفي مقدمتها الإيزيديون، وما رافقها من استهداف ممنهج للنساء ومحاولات اقتلاع الهوية والوجود.
واستذكرت واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخ المنطقة المعاصر، متمثلةً في المجازر التي ارتكبها داعش بحق الإيزيديين عام 2014، ولا سيما الجرائم التي استهدفت النساء بشكل مباشر "تلك المجازر لم تكن مجرد أفعال عنف عشوائي، بل شكلت مشروع إبادة متكامل الأركان هدفه اقتلاع المكون الإيزيدي من جذوره التاريخية، وتدمير هويته الثقافية والدينية، وطمس حضوره الأصيل في جغرافيا المنطقة".
ولفتت إلى أن آلاف النساء الإيزيديات تعرضن للسبي والاختطاف والتعذيب والقتل، فقط بسبب انتمائهن الديني، في جريمة ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية "أكثر من سبعة آلاف امرأة وقعن ضحايا لهذه الانتهاكات، في ظل صمت دولي مخزٍ وعجز واضح للمجتمع الدولي عن إنصاف الضحايا أو محاسبة الجناة، ما ترك جراحاً عميقة لا تزال مفتوحة حتى اليوم".
المناطق المحتلة تعاني
المشهد الحالي في سوريا، ولا سيما في المناطق المحتلة من قبل الدولة التركية، يحمل مؤشرات خطيرة على إعادة إنتاج سيناريوهات الإبادة ذاتها، كما تقول، مشيرةً إلى أن الانتهاكات القائمة تجاوزت كل ما نصت عليه القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية، سواء من حيث استهداف المدنيين أو فرض سياسات الإقصاء والترويع على أساس الهوية والانتماء.
والنساء والأطفال يدفعون الثمن الأكبر لهذه الانتهاكات، حيث يتعرضون لأشكال متعددة من العنف الجسدي والنفسي والاجتماعي، نتيجة "ذهنية متطرفة قائمة على إنكار التعدد ورفض الآخر، وهي الذهنية ذاتها التي مهدت سابقاً لوقوع مجازر شنكال وعفرين، وتعود اليوم لتفرض نفسها بأدوات وأساليب مختلفة".
الصمت تخاذل
وترى سعاد حسو أن استمرار الصمت الدولي إزاء الجرائم المرتكبة بحق المكونات الأصيلة في سوريا، إلى جانب التعامل الانتقائي مع قضايا الانتهاكات الجسيمة، لا يؤدي إلا إلى "ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، ويفتح المجال أمام تصاعد المجازر وأعمال العنف المنظم".
وحملت الحكومة المؤقتة المسؤولية الكاملة عما وصفته بـ "حالة الانفلات الأمني المتعمد"، وعدم اتخاذ أي إجراءات جدية لمحاسبة المتورطين في الجرائم التي استهدفت المدنيين ودور العبادة "الاعتداءات التي طالت الكنائس والجوامع، بما في ذلك التفجيرات التي نفذت خلال الأعياد والمناسبات الدينية، تشكل انتهاكاً صارخاً لحرمة المقدسات، ومحاولة ممنهجة لزعزعة الأمن وبث الخوف بين الأهالي، وضرب النسيج الاجتماعي عبر تأجيج خطاب الكراهية والانقسام".
هذه الممارسات طالت أيضاً حرمة القبور والرموز الدينية والثقافية، في سلوك كما تصفه "يعكس ذهنية إقصائية لا تعترف بحق الآخر في الحياة أو الوجود"، ذهنية "تسعى إلى فرض واقع قائم على العنف والترويع".
"بناء وطن آمن وعادل"
ولكن رغم هذا الواقع أكدت سعاد حسو أن شعوب إقليم شمال وشرق سوريا ستواصل مقاومتها لمواجهة كافة أشكال الانتهاكات والاعتداءات، وستبقى "يداً واحدة في مواجهة محاولات ضرب الاستقرار والتعايش"، مشيرةً إلى أن تجربة ثورة روج آفا، وعلى مدار 14 عاماً، شكلت "نموذجاً متقدماً في التماسك المجتمعي وحماية التعدد الثقافي والديني، حيث نجح أهالي المنطقة في صون تراثهم وهوياتهم المتنوعة، وبناء إدارة قائمة على الشراكة والعدالة والديمقراطية، ما جعل هذه التجربة مثالاً يُحتذى به لكل من يسعى إلى بناء وطن آمن وعادل".
أحمد الشرع "الجولاني" هو المسؤول
الواقع السوري لم يشهد تحسناً ملموساً على صعيد الأمن أو العدالة، فكما تبين سعاد حسو "لا تزال الجرائم ترتكب دون محاسبة، والاتفاقيات الموقّعة دون تنفيذ، في ظل استمرار الفوضى وغياب الضمانات الحقيقية لحماية المدنيين، ولا سيما أبناء المكونات المستهدفة".
ووجهت سعاد حسو رسالة مباشرة إلى أحمد الشرع "الجولاني"، أكدت فيها أن مسؤولية وقف حالة الانفلات الأمني ومحاسبة المجرمين تقع على عاتقه بشكل مباشر، مطالبةً بإنهاء خطاب الكراهية الذي عمق الانقسامات " الحكومة المؤقتة لم تتخذ حتى الآن أي خطوة قانونية بحق حاتم أبو شقرا، المتهم باغتيال الشهيدة هفرين خلف، بل تم تعيينه في موقع قيادي ضمن الحكومة المؤقتة".
بناء سوريا للجميع
ودعت إدارية مجلس المرأة في البيت الإيزيدي سعاد حسو إلى بناء سوريا حاضنة لجميع مكوناتها دون استثناء، وضمان عودة آمنة للمهجرين إلى مناطقهم "آلاف النازحين ما زالوا يعيشون في المخيمات في ظروف إنسانية قاسية، وسط البرد والتعب وغياب أبسط مقومات الحياة. لذلك على منظمات حقوق الإنسان وجميع الهيئات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والتحرك العاجل لوقف الانتهاكات، وضمان محاسبة مرتكبي الجرائم، وتأمين عودة كريمة وآمنة للنازحين، فتحقيق العدالة وحماية التنوّع هما الطريق الوحيد لمنع تكرار سيناريوهات الإبادة التي شهدتها المنطقة، وبناء مستقبل سوري قائم على السلم والكرامة الإنسانية".