المعايير المزدوجة لحقوق الإنسان في النظام الدولي
الاحتجاجات في إيران تعكس عمق القمع الداخلي وتداخل المصالح الدولية، بينما يُترك الشعب بين عنف النظام واستغلال الخارج، والتغيير الحقيقي لا يتحقق إلا بإرادة الشعب نفسه، بعيداً عن التدخلات الأجنبية التي غالباً ما تؤدي إلى نتائج مدمّرة.
بهاران لهیب
أفغانستان ـ الاحتجاجات الأخيرة في إيران كشفت مجدداً عمق الهوة بين المجتمع وبنية السلطة؛ إذ تحولت الشوارع إلى فضاء يعبّر فيه الناس عن تراكم سنوات من القمع والتمييز وغياب الحريات الأساسية، هذه الاحتجاجات لم تكن مجرد رد فعل عابر على حدث محدد، بل امتداد لمسار طويل من السخط التاريخي الذي انفجر اليوم بثمن باهظ يدفعه المواطنون، ولا سيما النساء والشباب.
التقارير الواردة من الداخل وثّقت مشاهد دامية من قتل المتظاهرين واعتقالات تعسفية وتعذيب وقمع منظم، فقد لجأت الأجهزة الأمنية إلى استخدام السلاح والعنف الممنهج ونشر الرعب لإخماد الأصوات، غير أن هذه السياسات لم تُضعف الغضب الشعبي، بل عززت صورة النظام كمنتهك منهجي لحقوق الإنسان.
وفي موازاة ذلك، برزت مجدداً قضية التدخلات الخارجية ومواقف القوى الدولية، فقد أصدرت دول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بيانات وأعلنت عقوبات وقدمت دعماً انتقائياً، محاولةً الظهور بمظهر المدافع عن حقوق الإنسان، لكن التجارب التاريخية أثبتت أن مثل هذه المواقف غالباً ما تُحدَّد وفق مصالح تلك الدول السياسية والأمنية والاقتصادية، أكثر مما تُوجَّه لخدمة الشعب الإيراني.
وتشكل أفغانستان مثالاً صارخاً على النتائج المعقدة، وأحياناً الكارثية، للتدخلات الأميركية، فقد استمر الوجود العسكري والسياسي الأميركي هناك لأكثر من عقدين تحت شعارات "مكافحة الإرهاب، بناء الديمقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان"، لكنه في الواقع خلّف حرباً طويلة، خسائر فادحة بين المدنيين، دماراً للبنية التحتية، وعدم استقرار مزمن. كثير من الوعود بقيت حبراً على ورق، فيما جرى التضحية بحقوق الإنسان مراراً لصالح الحسابات السياسية.
الغارات الجوية، العمليات الليلية، ودعم البُنى الفاسدة أسفرت عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، النساء والأطفال كانوا مراراً ضحايا للأخطاء العسكرية، والعدالة للضحايا نادراً ما تحققت، هذه التجربة المريرة جعلت قطاعات واسعة من شعوب المنطقة تنظر بعين الريبة إلى الوعود الإنسانية للقوى الخارجية، وتخشى تكرار مثل هذه السيناريوهات في دول أخرى، ومنها إيران.
فالتدخلات الخارجية، وإن رفعت شعارات حقوق الإنسان، غالباً ما تؤدي إلى تعقيد الأزمات، وفي كثير من الحالات، تمنح الضغوط الدولية الأنظمة القمعية ذريعة لاتهام الاحتجاجات الداخلية بأنها "صنيعة الأيادي الأجنبية"، مما يبرر لها تصعيد القمع، وهكذا يجد المتظاهرون أنفسهم بين قوتين مدمرتين هما القمع الداخلي ولعبة المصالح الخارجية.
وتجري احتجاجات إيران في مثل هذا المناخ؛ حيث يطالب الناس بالكرامة والحرية والعدالة، لكنهم في الوقت نفسه يخشون من استغلال القوى الخارجية لمعاناتهم سياسياً، وقد أثبتت تجربة أفغانستان أن التغيير الحقيقي والمستدام لا يمكن أن يتحقق إلا بالاعتماد على الإرادة المستقلة للشعب، وبمواجهة صادقة لانتهاكات حقوق الإنسان، وأن أي تدخل خارجي لا ينسجم مع إرادة الناس قد يقود إلى نتائج مدمّرة.
وقتل المتظاهرين في إيران وما يقابله من صمت أو ردود فعل متناقضة من المجتمع الدولي، يكشف مجدداً عن المعايير المزدوجة في التعامل مع حقوق الإنسان، فالدول التي ترفع اليوم شعارات الدفاع عن الشعب الإيراني، هي نفسها التي شاركت بشكل مباشر أو غير مباشر في انتهاك هذه الحقوق في أفغانستان والعراق، وحالياً في سوريا وأوكرانيا وليبيا وفلسطين وغيرها، هذا التناقض أضعف ثقة شعوب المنطقة بالنظام الدولي وأظهر حدود خطابه الأخلاقي.
والاحتجاجات الأخيرة في إيران لا يمكن اختزالها في أزمة داخلية، بل هي جزء من معادلة إقليمية ودولية معقدة، حيث يتشابك القمع الداخلي مع التدخلات الخارجية ومصالح القوى الكبرى، وسط هذا التشابك، يبقى صوت المتظاهرين هو صوت الكرامة الإنسانية الذي لا ينبغي أن يضيع في ضجيج السياسات العالمية.
وفي هذا السياق، أعلنت الناشطة الأفغانية في مجال حقوق المرأة وعلم النفس يلدا أحمد، تضامنها مع الشعب الإيراني، مؤكدةً أن الإيرانيين خرجوا مجدداً إلى الشوارع رفضاً لاستبداد الجمهورية الإسلامية، لكنهم يواجهون القتل والاعتقال والتعذيب كما في السابق "في أفغانستان نتشارك الألم مع الشعب الإيراني، فقد عانينا معاً من استبداد الجماعات الإسلامية، سواء بصيغتها الملالية أو الطالبية، وأتمنى الحرية والخلاص للشعب الإيراني".
وأوضحت "تجربتنا المريرة خلال 25 عاماً من التدخل الأميركي وحلفائه في أفغانستان أثبتت أن هذه القوى لم تقضِ على الإرهاب، بل ساهمت في تضخيم الأحزاب الجهادية المتطرفة مثل طالبان وداعش وغيرها".
وعبرّت عن إيمانها بأن أي قوة خارجية لا تتحرك إلا وفق مصالحها الخاصة "الشعب الإيراني وحده، عبر التضامن والمقاومة والنضال، قادر على إنهاء نظام الجمهورية الإسلامية الملطخ بالعار وقطع يد القوى المتدخلة، على أمل أن نعيش جميعاً في عالم خالٍ من العنف".