'الفتنة الحالية هي ثمرة ظروف سياسية واجتماعية يمكن معالجتها بالوعي'
ما يحدث من انتهاكات بحق الأحياء والأموات يمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، وقيم الاحترام المتبادل، وللتعايش التاريخي بين المكونات المجتمعية، خصوصاً بين العرب والكرد.
أسماء محمد
قامشلو - تشهد المناطق التي تسيطر عليها جهاديي هيئة تحرير الشام والمرتزقة التابعة للاحتلال التركي موجة من التجاوزات المرفوضة أخلاقياً ودينياً، تشمل التمثيل بالجثث، نبش القبور، تصوير الموتى، والتشهير بهم عبر منصات مختلفة.
هذه الانتهاكات تمس جوهر القيم الإنسانية، وتعد تعدياً صارخاً على المبادئ الدينية، والقوانين المحلية والدولية، بما يهدد استقرار المجتمع ويغذي خطاب الكراهية والفتنة بين المكونات.
وعلى ذلك قالت الإدارية في مكتب العلاقات بمجلس الأديان والمعتقدات دلال خليل أن "حرمة الميت تعد من أسمى القيم الإنسانية، التي اتفقت عليها جميع الشرائع السماوية، ونصت عليها القوانين والأعراف الاجتماعية. كل مساس بهذه القيم أو اعتداء على حرمة الميت، سواء بالتمثيل بالجثث، نبش القبور، وتصويرها أو التشهير بها، يشكل اعتداءً مباشراً على المجتمع ككل وعلى كرامة الإنسان، وخرقاً صارخاً لأخلاقيات الدين والإنسانية".
وأضافت "القيم الدينية والأخلاقية لا تتوقف عند حدود النصوص الشرعية فقط، بل تمتد إلى منظومة السلوك الاجتماعي التي تكفل السلم الأهلي. ومن هذا المنطلق، يعد أي تجاوز لهذه القيم انتهاكاً صارخاً للقانون الجنائي الذي يعاقب الاعتداء على القبور والجثث، ويؤكد على حماية خصوصية المتوفى، لما لهذه الانتهاكات من تأثير مدمر على النفوس والأعراف المجتمعية".
من المهم تعزيز الوعي ونبذ أشكال العنف والتحريض
وأكدت أن حرمة الميت ليست مجرد واجب ديني أو قانوني، بل انعكاس لمدى احترام الإنسان لذاته وللآخرين، ومقياس لرقي المجتمعات وتحضرها "من واجب المؤسسات والمجتمع تعزيز الوعي العام بأهمية صون كرامة الموتى، ونبذ أي شكل من أشكال العنف أو التحريض الذي يستهدف القيم الدينية والأخلاقية، خاصةً في المجتمعات متعددة المكونات التي تشهد تحديات سياسية وأمنية معقدة".
وأشارت دلال خليل إلى أن ما يحدث اليوم من انتهاكات يقوم به بعض الشباب من المكون العربي، الذين انخرطوا في جماعات راديكالية مدعومة من جهات خارجية، بما في ذلك الدولة التركية، والتي تسعى من خلال هذه الأعمال إلى زرع ثقافة العنف والفوضى، ونشر خطاب الكراهية بين المكونات السورية.
وشددت على هذا السلوك يناقض تماماً القيم العريقة للمجتمع العربي، الذي عرف بحفاظه على الأخلاق المجتمعية واحترام المرأة ومكانتها، وقدرتها على الإصلاح الاجتماعي وفض النزاعات "لقد كانت المرأة دائماً وسيطاً للحكمة، وصوتاً يجمع القلوب ويهدئ النفوس، واليوم نجد أن هذه القيم تتعرض للتهديد من قبل عناصر خارجية تحاول تشويه تاريخ المجتمع العربي وإرثه الحضاري".
العلاقات التاريخية زادت من التنوع الثقافي
واستعرضت دلال خليل النموذج التاريخي للتعايش بين العرب والكرد في المنطقة، مؤكدةً أنه استمر قروناً طويلة، وشارك الطرفان في بناء المجتمع، وتبادلوا الأرض والثقافة والتقاليد، وأسهموا في إرساء القيم الإنسانية الإسلامية "على الرغم من التحديات السياسية والاجتماعية، ظل الحفاظ على السلم الأهلي بين المكونين هدفاً وطنياً، وقدرنا الكبير هو أن هذه العلاقات التاريخية لم تنكسر بسبب الاختلافات القومية أو اللغوية، بل زادت من التنوع الثقافي والإثراء المجتمعي".
وحذرت من استغلال هذه الانتهاكات لزرع الفتنة بين المكونات "الدولة التركية وبعض القوى الإقليمية تسعى إلى خلق شرخ اجتماعي، وإشعال النزاعات عبر خطاب متشنج، أو تأويلات خاطئة للتاريخ، أو استغلال معاناة حقيقية لأغراض سياسية ضيقة. من واجب المثقفين والإعلاميين والوجهاء الاجتماعيين التصدي لهذه المحاولات عبر خطاب عقلاني وواعي، يحمي حقوق جميع المكونات ويعزز ثقافة الاحترام المتبادل".
وترى أن الفتنة الحالية ليست ناتجة عن خلافات جوهرية، بل هي ثمرة ظروف سياسية واجتماعية يمكن معالجتها بالوعي والتعليم والسياسات العادلة "الكلمة الواعية والموقف الرصين قادران على إطفاء نار الفتنة، بينما السكوت أو التهاون يساهم في تفاقم الأزمة. تقع المسؤولية على عاتق الجميع، أفراداً ومؤسسات، لضمان صون كرامة الإنسان حياً وميتاً، وحماية المجتمع من الانزلاق نحو العنف وعدم الاستقرار".
واختمت دلال خليل حديثها بالقول إن "احترام حرمة الميت وصون القيم الدينية والأخلاقية والقانونية ليس خياراً، بل واجب إنساني ووطني. إنه الضمانة الأساسية لاستمرار التعايش بين المكونات، وللحفاظ على مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات، بعيداً عن الفتن والتحريض الذي يسعى أعداؤنا لاستغلاله".