قاضية: الدفاع عن الذات والكرامة حق مشروع كفلته القوانين الدولية ولا يمكن التنازل عنه
في مشهد يعكس أبشع وجوه الحروب الحديثة، تحولت مناطق إقليم شمال وشرق سوريا إلى مسرح لانتهاكات جسيمة استهدفت الإنسان قبل الحجر، والمرأة قبل أي فئة أخرى، في محاولة واضحة لإخضاع مجتمع بأكمله عبر القتل والترهيب وكسر الإرادة.
أسماء محمد
قامشلو - في ظل تصاعد الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين في مدينة حلب، ولا سيما في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب السورية، تتكشف معالم جرائم ممنهجة استهدفت السكان على أساس قومي، وامتدت لتطال النساء والأطفال والأسرى، في خرق واضح لأحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.
القاضية إينور زيد باشا، في محكمة ديوان حماية الأحداث في إقليم الجزيرة بشمال وشرق سوريا، قدمت قراءة قانونية وحقوقية معمقة لما جرى.
واستذكرت في بداية حديثها الذين قدموا أرواحهم قرابين للكرامة والحرية، وحماية المجتمع من محاولات القمع والعنف. وقالت إن الوقوف إجلالاً لهؤلاء "الشهداء ليس مجرد واجب أخلاقي، بل يمثل التزاماً قانونياً وحقوقياً يذكرنا بأن الدفاع عن حياة المدنيين، وحماية الأطفال والشباب، والحفاظ على النسيج الاجتماعي للمجتمع، هي مسؤولية الجميع أمام القانون الدولي والضمير الإنساني".
كل جريمة ترتكب تحمل رسالة
وأكدت أن الهجمات التي تعرض لها الحيان كانت موجهة بشكل مباشر على المجتمع الكردي، وأن استهداف المدنيين، وإزهاق أرواح الأبرياء، يمثل انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة واتفاقيات حماية الأطفال والنساء في أوقات النزاع "دماء الشهداء تمثل شهادة حية على الصمود، وأن تضحياتهم تؤكد أن إرادة شعبنا لن تنكسر مهما اشتدت محاولات القمع والتطهير القومي، وأن العدالة ستكون السلاح الأهم لمواجهة كل من يحاول المساس بحقوق المجتمع".
وشددت على أن ذكراهم هي دعوة مستمرة للالتزام بحماية الأطفال والمجتمع، وتعزيز الوعي بحقوق الإنسان، وإبقاء مسار العدالة واضحاً أمام كل المتجاوزين، معتبرةً أن كل جريمة ترتكب بحق المدنيين تحمل رسالة واضحة للمجتمع الدولي، مفادها أن الكرامة الإنسانية ليست قابلة للمساومة أو الانتهاك، وأن الدفاع عنها واجب مستمر على كل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني على حد سواء.
وأوضحت أن المقاومة التي أبداها أهالي حيي الشيخ مقصود والأشرفية، نساء ورجالاً أثبتت بوضوح أنهم مستعدون للدفاع عن أرضهم وشرفهم وكرامتهم، وأنهم لن يتنازلوا عن ذرة من أراضي أحيائهم. مبينة إن هذا الهجوم كان ممنهجاً ومدروساً، نفذته "قوات الحكومة السورية المعروفة بالجيش العربي السوري، وما يضم من جماعات غير سورية منضوية تحت قيادته، وكان الهدف الأساسي منه استهداف القومية الكردية بشكل مباشر، واستهداف النساء اللواتي كان لهن دور حاسم في تحرير مناطق من داعش في إقليم شمال وشرق سوريا، مؤكداً أن إرادة هؤلاء النساء لم تنكسر رغم كل التهديدات والهجمات".
وأكدت القاضية إينور زيد باشا إن "الفعل البطولي الذي قامت به الشهيدة دنيز جيا أثار حقد المقاتلين الذين كانوا يقاتلون تحت قيادة أحد العناصر السابقين في جبهة النصرة، وهو مرتزق من الجنسية المصرية، حيث أقدموا على ارتكاب جريمة مروعة بحق هذه المقاتلة الكردية، تمثلت برمي جثمانها من مكان مرتفع، في سلوك ينم عن وحشية واضحة وانعدام تام للوازع الإنساني".
الانتهاكات خرق للاتفاقات الدولية
وترى أن "هذه الجريمة لم تكن فعلاً فردياً أو عشوائياً، بل جاءت في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى بث الرعب في نفوس النساء المناضلات والمقاومات، وكسر إرادتهن، في محاولة للانتقام من الدور الريادي الذي لعبته النساء في مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، حيث أظهرن وعياً عالياً وقوة إرادة، وكان لهن دور أساسي في مقاومة الإرهاب، ولا سيما في مواجهة داعش وتحرير مساحات واسعة من الأراضي".
وأوضحت القاضية أن "ما جرى بحق الشهيدة دنيز جيا يشكل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، وفق ما نصت عليه الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها، والتي تندرج ضمن إطار القانون الدولي الإنساني، المعروف بقانون النزاعات المسلحة أو قانون الحرب".
وأوضحت أن اتفاقية جنيف الرابعة تركز بشكل أساسي على حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وتحظر بشكل صريح استهدافهم أو الاعتداء على كرامتهم الإنسانية "ما شهدته مناطق حي الشيخ مقصود والأشرفية من استهداف مباشر لمناطق سكنية آهلة بالمدنيين، يؤكد وجود انتهاكات جسيمة وممنهجة للقانون الدولي الإنساني، ويحمل الجهات المنفذة والداعمة لهذه الهجمات مسؤولية قانونية كاملة عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين والنساء، وعن كل ما نتج عنها من خسائر بشرية ومعاناة إنسانية جسيمة".
وأشارت إلى الأوضاع الإنسانية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية التي تدهورت بشكل كبير بسبب الظروف المعيشية الصعبة والحصار الذي فرض على هذه المناطق منذ بداية التصعيد، حيث رافق الحصار نقص حاد في الاحتياجات الأساسية، ما ضاعف من معاناة المدنيين، ولا سيما النساء والأطفال. مضيفةً أن هذا الحصار لم يكن إجراء عارضاً، بل شكل جزءاً من سياسة ضغط ممنهجة استهدفت السكان المدنيين بشكل مباشر، في انتهاك واضح لمبادئ القانون الدولي الإنساني التي تحظر استخدام الحصار كأداة لمعاقبة السكان أو إخضاعهم.
وبينت أن الحصار أعقبه تصعيد عسكري خطير، تمثل بشن هجمات بالطائرات المسيرة والطائرات الانتحارية على مناطق سكنية مأهولة، ما يشكل خرقاً صارخاً للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ الضرورة العسكرية ومبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية "ما شهدته مناطق الشيخ مقصود يُعد انتهاكًا واضحاً لهذه المبادئ، إذ تم استهداف مدنيين أصروا على الدفاع عن مناطقهم وكرامتهم، في حين كان من المفترض قانوناً تجنيبهم وحمايتهم من ويلات الحرب، لا تحويلهم إلى أهداف للهجمات العسكرية".
انتهاكات جسيمة للقواعد الدينية والأخلاقية
وأكدت إينور زيد باشا أن هذه الممارسات هدفت بشكل أساسي إلى ترهيب النساء المقاتلات وكسر إرادتهن، من خلال انتهاك متعمد لحرمة الموتى والتمثيل بالجثامين تحت شعارات دينية. مبينة أن هذه الأفعال لا تمت للدين الإسلامي بصلة، بل تشكل إساءة مباشرة لقيمه وتشويهاً متعمداً لمعانيه الإنسانية "ما جرى في حي الشيخ مقصود والأشرفية يعد انتهاكاً جسيماً للقواعد الدينية والأخلاقية، وخرقاً واضحاً للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني الناظم للنزاعات المسلحة، سواء كانت دولية أو غير دولية، ما يضع هذه الجرائم ضمن إطار الأفعال التي تستوجب المساءلة القانونية".
ودخول الحكومة المؤقتة إلى حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وبالأسلوب الذي تم به، كما توضح بدل الدور المفترض لأي قوة عسكرية من حماية العرض والكرامة إلى مصدر مباشر للخوف والذعر لدى المدنيين، ما أثار مخاوف جدية من تكرار هذه الانتهاكات في مناطق أخرى من سوريا.
والانتهاكات التي رصدت في الساحل السوري، وما رافقها من ممارسات مسيئة بحق النساء والرجال والأطفال، مروراً بمناطق السويداء ذات الغالبية الدرزية، وصولاً إلى أحياء حلب، تؤكد وجود نمط متكرر من السلوك العنيف "هذه الممارسات تنفذ بشكل ممنهج ومدروس، وتهدف إلى إرهاب المدنيين وبث الرعب في المناطق التي كانت خاضعة سابقاً لسلطة الحكومة المؤقتة، وكذلك في المناطق التي لا تزال تحت إدارة الإدارة الذاتية، في محاولة لإخضاع السكان وتقويض حالة الاستقرار المجتمعي، وهو ما يشكّل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان ولمبادئ القانون الدولي الإنساني".
الإعلام مسؤول عن إدارة الحرب إعلامياً
وأشارت إلى الدور الحاسم للإعلام قبل دخول القوات أو قبل أن تصبح المناطق ساحة للعمليات العسكرية، مؤكدةً أن الإعلام مسؤول عن إدارة الحرب إعلامياً وتطمين المدنيين، ونقل الصورة الحقيقية لما يحدث على الأرض "الإعلام المعادي للإدارة الذاتية في مناطق إقليم شمال وشرق سوريا لعب دوراً جوهرياً في دعم الحرب في الشيخ مقصود والأشرفية، وتأثيره كان واضحاً على نفسيات المقاتلين والسكان على حد سواء، وساهم في إحداث انشقاقات بين بعض عناصر القوات التي كانت تابعة لقسد".
ومع ذلك، أكدت القاضية إينور زيد باشا أن إرادة السكان ورغبتهم في الحياة والاستمرار، ورفضهم الخضوع لأي فكر تكفيري أو احتلالي، كانت أقوى من محاولات الإعلام المعادي، ما مكنهم من الصمود والمقاومة والبقاء في مناطقهم، مشيرةً إلى أن الإعلام الكردي، رغم جهوده في تغطية نضال قوات قسد والمقاتلين في الشيخ مقصود والأشرفية، لم يكن بمستوى الطموح المطلوب لمواجهة الادعاءات الكاذبة ونقل الصورة الحقيقية بشكل كامل.
ودعت إلى تعزيز دور الإعلام الكردي، ليكون أداة قوية لنشر الحقيقة وكشف الانتهاكات التي ترتكبها القوات السورية والفصائل المنضوية تحت قيادتها في المناطق التي تستولي عليها، وضرورة أن يعكس الإعلام الواقع على الأرض بدقة وموضوعية، وأن يسهم في حماية المدنيين وكشف كل ما يمس حقوقهم وكرامتهم في المراحل المقبلة.
وأكدت أن النزاعات المسلحة غالباً ما تشهد ارتكاب انتهاكات جسيمة من قبل القوات المتصارعة، إلا أن ما جرى في حي الشيخ مقصود والأشرفية تجاوز كل المعايير القانونية والإنسانية، حيث تم توثيق حالات سلب ونهب للمنازل والمحلات، وقتل للأسرى، إضافة إلى تصفية الجرحى بعد أسرهم، دون أي مراعاة لقواعد القانون الدولي الإنساني أو لاتفاقيات جنيف التي تفرض حماية خاصة للأسرى والجرحى "هذه الأفعال تندرج ضمن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وترقى في بعض جوانبها إلى جرائم إبادة جماعية، لكونها استهدفت المكوّن الكردي بشكل مباشر وممنهج".
وأضافت أن الانتهاكات شملت ممارسات خطيرة، من بينها الفصل القسري بين المدنيين على أساس قومي أثناء خروجهم من الحيين، حيث تم فصل الأطفال الذكور الكرد عن ذويهم، واقتيادهم إلى أماكن مجهولة، ما يشكل جريمة إخفاء قسري مكتملة الأركان. مؤكدةً أن هذه الجرائم تدخل ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية، وفقاً للمادتين السابعة والثامنة من نظام روما الأساسي.
وأشارت إلى أن المنظمات الحقوقية، إلى جانب الإدارة الذاتية بوصفها جهة رسمية في مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، تمتلك الصفة القانونية لتقديم الدعاوى أمام المحاكم الدولية المختصة، والمطالبة بمحاسبة مرتكبي هذه الجرائم.
"العدالة ليست خياراً مؤجلاً بل حقاً ثابتاً"
وأكدت القاضية إينور زيد باشا أن ما جرى في مناطق الساحل السوري ومناطق السويداء من مجازر وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين، ولا سيما النساء، لن يسمح بتكراره في مناطق إقليم شمال وشرق سوريا "شعوب هذه المناطق، بمختلف مكوناتها، لن تقبل بسياسات الإبادة أو التهجير القسري، وستحافظ على كرامتها ووجودها المشروع على أرضها بكل السبل المشروعة. أي محاولة لفرض واقع بالقوة من قبل جماعات تكفيرية تدعي تمثيل الجيش السوري، في الوقت الذي يفترض فيه بهذه القوات حماية الشعب ومنع الانتهاكات، ستُقابل برفض ومقاومة مشروعة دفاعاً عن النفس والكرامة".
وشددت على ضرورة أن يكون الأهالي في حالة وعي وجاهزية لما قد تشهده المرحلة المقبلة، مؤكدةً أن الدفاع عن الذات والكرامة والوجود هو حق مشروع كفلته القوانين الدولية، ولا يمكن التنازل عنه تحت أي ظرف، خاصة في ظل التهديدات المستمرة التي تستهدف أمن المجتمع وسلامته في مناطق إقليم شمال وشرق سوريا.
وفي ختام حديثها أكدت القاضية إينور زيد باشا أن ما تشهده مناطق إقليم شمال وشرق سوريا يفرض مسؤولية قانونية وأخلاقية على المجتمع الدولي، وعلى المنظمات الحقوقية، التحرك العاجل من أجل وقف الانتهاكات، وحماية المدنيين، ومحاسبة جميع المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق السكان "العدالة ليست خياراً مؤجلاً، بل حقاً ثابتاً لا يسقط بالتقادم، وصمود الشعوب وتمسكها بحقوقها وكرامتها سيبقى الركيزة الأساسية في مواجهة العنف والإرهاب، وبناء مستقبل قائم على العدالة والسلام واحترام كرامة الإنسان".