المرأة في مواجهة الأيديولوجيا... حضور يتجدد في ساحات المقاومة ـ 1

هل يشكل التجييش مساراً جديداً للنضال أم أنه يرسخ البنية الأبوية في ثوب جديد ويضعها في موقع الاستغلال؟ فبين الخطابات الرسمية التي تحتفي بها كرمز، والخطابات الشعبية التي تصنع منها ذاكرة نضالية، تبقى الأسئلة مفتوحة حول إعادة صياغة العلاقة بين المرأة والنضال.

مالفا محمد

مركز الأخبار ـ في منعطفات التاريخ حين اشتدت الأزمات، وانكشفت هشاشة الأنظمة والمفاهيم، خرجت المرأة من خلف الستار، لا لتُروج للمقاومة، بل لتُجسّدها، حُمّلت راية الوطن، وحملت السلاح، وهتفت في الشوارع، وكتبت بيانات الغضب والرفض، تجييش النساء لم يكن يوماً حيادياً، بل كان فعلاً محملاً بالرمزية، والأسئلة، والتناقضات.

في سياقات تتداخل فيها النضالات السياسية مع البنى الاجتماعية والثقافية، يبرز مفهوم "تجييش المرأة" كعدسة تحليلية تكشف التوتر المستمر بين الرمزية والفاعلية، وبين الاستدعاء الظرفي والمشاركة التحويلية.

هذا الملف بأجزائه الأربعة المتعددة، ليس مجرد سرد لتجارب متفرقة، بل محاولة لرسم خريطة نقدية تظهر كيف يتداخل التجييش مع التحرر، وكيف تتحول المرأة من رمز يستدعى في الخطاب إلى فاعلة تعيد صياغة التاريخ. بين الأيديولوجيا والممارسة، بين الذاكرة والواقع، وبين الاستغلال والتمكين، يظل حضور النساء على خط النار علامة فارقة على أن البطولة ليست صورة جامدة، بل فعل حي يمنح العالم معنى جديداً. 

 

تفكيك الجندر والتحول المعرفي

مفهوم "تجييش المرأة" يُشير إلى توظيف النساء في سياقات نضالية أو سياسية أو اجتماعية، غالباً ضمن حركات مقاومة أو مشاريع تحررية، بحيث تُصبح المرأة فاعلاً مركزياً في مواجهة الظلم أو الاحتلال أو البنى الأبوية. هذا المفهوم لا يقتصر على المشاركة العسكرية، بل يشمل أيضاً التعبئة الفكرية والثقافية والتنظيمية، حيث تُستنهض المرأة كرمز للكرامة والصمود، وكقوة تغيير في المجتمع.

لكن تجييش المرأة ليس خالياً من الإشكاليات، فبعض القراءات النقدية ترى أنه قد يُستخدم أحياناً كأداة رمزية دون تغيير فعلي في البنى الذكورية، أو يُختزل في أدوار نضالية دون الاعتراف الكامل بقدرات النساء في القيادة وصنع القرار.

تحول تجييش المرأة إلى تحرر يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الجسد والمعرفة، وبين الرمزية والممارسة. المبادرات النسوية التي تركز على الاستقلال المالي، التمكين السياسي، والتعليم المحلي تمثل نماذج للتحول الفعلي بعيداً عن التجييش الظرفي.

 

في قلب التحول... الأيديولوجيا النسوية كقوة دافعة

لم يكن تجييش النساء في ساحات القتال أو الخطاب السياسي مجرد استجابة ظرفية لاحتياجات نضالية، بل كان انعكاساً لعقود من النضال النسوي الذي أعاد تعريف الذات، والهوية، ودور المرأة في العالم، من خلال تيارات فكرية متعددة، رسمت النسويات خرائط مختلفة لما تعنيه المشاركة، وما يعنيه التحرر، وما يعنيه أن تكافح المرأة لا لتثبت وجودها، بل لتُغير موقعها.

ينبثق من النسوية الراديكالية، الإدراك بأن الاضطهاد الجندري ليس عرضاً هامشياً، بل هو البنية الأولى للسيطرة، من هنا، جاءت دعوات نسوية تؤمن بأن مشاركة النساء في المقاومة المسلحة ليست مجرد خيار استراتيجي، بل فعل رمزي لكسر سلطة النظام الأبوي، في كردستان مثلاً، تحولت أجساد النساء إلى مواقع اشتباك مع الهيمنة، لا كضحايا بل كفاعلات.

وفي الجانب الأخر من الأيديولوجيا، قدّمت النسوية التقاطعية منظوراً شاملاً يربط الجندر بالعرق، بالطبقة، وبالسياق التاريخي، هذا الطرح الذي صاغته مفكرات مثل كيمبرلي كرينشو، كشف أن المرأة لا تُجند بمعزل عن عوامل القهر الأخرى، بل تعاني من طيف مركب من التهميش، في الكونغو مثلاً، فإن النساء المجندات لا يواجهن الحرب فقط، بل يواجهن إرثاً استعمارياً، وفروقات طبقية، ونظاماً أبوياً متجذر.

في مقاربة أكثر مؤسسية، سعت النسوية الليبرالية إلى انتزاع المساواة داخل بنى الدولة، عبر إدماج النساء في الجيوش، في البرلمانات، وفي مراكز القرار، لكن تجييش النساء هنا، وإن بدا مشابهاً في الشكل، يحمل مضموناً مختلفاً؛ فهو لا يهدف إلى قلب النظام بل إلى إصلاحه من الداخل، في بعض دول شمال أفريقيا، فتحت هذه النسوية الباب لتجنيد النساء في الأجهزة الأمنية، لكن دون تفكيك جذور الهيمنة الذكورية.

فيما ربطت النسوية الماركسية اضطهاد النساء بالبنية الاقتصادية الرأسمالية، فالمرأة، وفق هذا الطرح، تُستغل كقوة عمل مهمشة في النظام الإنتاجي، وبالتالي فإن تجييشها لا يكتمل ما لم يُربط بالتحرر الطبقي، في السودان، وفي بعض الحركات اليسارية، شاركت النساء في المقاومة ضد الأنظمة الاستبدادية والنيوليبرالية، ليكن صوتاً داخل النضال الأوسع ضد الاستغلال الاقتصادي.

ثم جاءت أطروحات جوديث بتلر، لتُعلن أن الجندر نفسه ليس سوى بناء اجتماعي قابل للتفكيك، عندها لم يعد السؤال هو ما هو دور المرأة؟ بل أصبح ما معنى "امرأة"؟ هذه الأيديولوجيا دفعت إلى تجاوز التجييش التقليدي، نحو مقاومة معرفية وفكرية تعيد تعريف المشاركة، والهوية، والجسد، وحتى اللغة التي تصف كل ذلك، أي أنها لفتت الانتباه إلى أن الجندر ليس معطى بيولوجياً، بل بناء اجتماعي قابل للتفكيك، ضمن هذا الإطار، فإن تجييش المرأة الحقيقي لا يكمن في تعبئة الجسد فحسب، بل في وعي الذات، وفي تفكيك الثنائية الضدية بين "الضحية والمنقذة"، ورفض اختزال المرأة في موقع رمزي.

في نهاية المطاف، لم يكن تأثير هذه الأيديولوجيات مجرد تنظير أكاديمي، بل شكل البنية التي انطلقت منها النساء نحو إعادة تشكيل حضورهن في ساحات النضال، بين حمل السلاح وإلقاء البيان، بين الرمز والجسد، بين المشاركة والتحول، ظلت الأيديولوجيا النسوية صوتاً يرافق خطوات النساء، لا ليشرحها فقط، بل ليبني على أنقاض الهيمنة فضاءً جديداً من الفاعلية والتغيير.

 

المرأة بين المقاومة والهوية

تجييش النساء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هو موضوع معقد يتداخل فيه البعد السياسي والاجتماعي مع قضايا النوع الاجتماعي. في بعض السياقات، يتم استغلال النساء في النزاعات المسلحة، سواء من خلال التجنيد القسري أو عبر الترويج لدورهن في المقاومة، مما يثير تساؤلات حول مدى استقلالية مشاركتهن ومدى تأثير ذلك على حقوقهن. 

على الجانب الآخر، هناك جهود لتمكين النساء سياسياً واقتصادياً، حيث يُنظر إلى الاستقلال المالي كعامل أساسي في تعزيز مشاركتهن في العمليات السياسية، خاصة في أوقات الصراع. بعض المبادرات تركز على دعم النساء من خلال التمويل النسوي الذي يراعي الاحتياجات المحلية دون فرض شروط صارمة قد تعيق الاستفادة الفعلية من الموارد. 

حين ننظر إلى مفهوم "تجييش المرأة" من خلال التجارب النسوية في الشرق الأوسط وأفريقيا، يتضح أنه ليس مجرد فعل تعبوي، بل مسار طويل من التحدي وإعادة تشكيل الذات في وجه أنظمة القمع المتعددة سواء كانت استعمارية، أبوية، أو رأسمالية.

 

المغرب... مسارات نحو التمكين المؤسسي

في شمال أفريقيا، تتخذ تجربة إدماج النساء في الجيوش طابعاً مختلفاً، حيث تتقاطع الحداثة القانونية مع الحذر الثقافي، وتبرز دول مثل المغرب وتونس كنماذج تستحق المقارنة إلى جانب أنغولا وغانا والسنغال.

ففي المغرب، بدأت المرأة تشق طريقها في المؤسسة العسكرية منذ عام 1963، حين التحقت أولى المجندات بهذا السلك كمساعدات اجتماعيات وطبيبات وممرضات، ومع مرور العقود، توسّع هذا الدور ليشمل مجالات أكثر تنوعاً، مثل الطب العسكري، الاتصالات، الخدمات الاجتماعية، وحتى التدريب القتالي، وقد شهدت السنوات الأخيرة تطوراً لافتاً، حيث تم إنشاء مركز تكوين خاص بالنساء في تمارة، يمنح تدريباً عسكرياً وأكاديمياً متكاملاً، يتوّج بدبلوم الدراسات العسكرية المتخصصة.

ورغم أن المغرب لا ينشر أرقاماً دقيقة عن نسبة النساء في الجيش، فإن حضورهن بات ملموساً في المهام الإنسانية، والمستشفيات الميدانية، والتدخل في الكوارث الطبيعية، كما أن بعضهن شاركن في الاستعراضات العسكرية الدولية، مثل الطبيبة القبطان ليلى سفيندلة التي قادت الكتيبة المغربية في باريس عام 1999.

ومنذ إعادة العمل بالخدمة العسكرية سنة 2019، فُرضت إلزامياً على الرجال بينما بقيت اختيارية للنساء، ما يعكس استمرار التردد في مساواة الأدوار. ورغم ذلك، سجلت نسب لافتة من المتطوعات، إذ تجاوزت نسبة الإناث 16% في إحدى عمليات الإحصاء، وهو مؤشر على رغبة النساء في اقتحام فضاءات جديدة للتكوين والاعتراف. 

الخدمة العسكرية تُقدَّم كفرصة للتدريب المهني والعسكري، وحضور النساء في القوات المسلحة الملكية يتوسع ليشمل البحرية والجوية والدرك وحفظ السلام، مع تميز في مجالات دقيقة كالقفز بالمظلات والمراقبة الجوية. ومع ذلك، يظل هذا الانخراط محكوماً بحدود ثقافية ومؤسسية لم تكسر بالكامل بعد.  لكن السؤال يبقى؛ هل هو مسار نحو مساواة فعلية، أم مجرد إعادة إنتاج لصورة "المرأة الوطنية" في إطار دعائي؟ 

 

تونس... بين نص القانون ومحدودية التطبيق

في تونس، منذ عام 2016، بدأت الدولة فتح نقاشات رسمية حول توسيع نطاق الخدمة الوطنية ليشمل النساء فعلياً، وجاء هذا التحرك وسط تحديات أمنية واقتصادية متزايدة، تطلبت إعادة النظر في مفهوم الجندية كمشروع وطني شامل لا يفرّق بين الجنسين.

الجيش التونسي اليوم لا يخلو من النساء: في الطب، الاتصالات، الخدمات، وحتى في الفرق العملياتية، لكنّ الأرقام تظل قليلة، خاصة حين نتحدث عن الأدوار القيادية، ومع ذلك، فإن مجرد وجود إرادة سياسية لفتح هذا الباب يعكس تحولاً تدريجياً في النظرة إلى المرأة العسكرية، من "استثناء" إلى "إمكانية".

ومع حلول عام 2025 لم تحدث المؤسسة العسكرية بعد تحولاً جذرياً في بنيتها لاستيعاب النساء في جميع الاختصاصات بنفس القدر من الجدية والالتزام، ولا تزال تراهن على خطوات تدريجية بطيئة، رمزية، وغير كافية لتكريس مساواة فعلية في واحدة من أكثر المؤسسات حساسية واستراتيجية. 

 

الجزائر... بين التاريخ وأمل المستقبل

في الجزائر، لا تُكتب الثورة بالحبر بل تُحفر على الأكتاف، النساء اللواتي حملن السلاح في وجه الاستعمار لم يُردن وساماً تكريماً، بل ميداناً للوجود، ومنذ استقلال البلاد عام 1962، بدأت بذور الجندية النسائية تتسلل إلى المؤسسة العسكرية، ليس كحالة رمزية، بل كإرث يستحق التمديد.

جاءت أولى خطوات التمكين الرسمي عام 1978، حين فُتح باب الضباط أمام النساء، لكن التحول الحقيقي تأخر حتى عام 2009، حين ارتقت فاطمة الزهراء عرجون إلى رتبة "عميد" كأول امرأة عربية تبلغ هذا المنصب، وتبعتها أخريات لتُجسدن ما هو أكثر من لحظة استثنائية، أي بداية مسار.

المفارقة؟ أن هذا التقدم لم يتوقف عند الواجهة، بل تمدد إلى تنظيم الجيش نفسه، جميع الفروع من البرية إلى البحرية، ومن الدرك إلى الخدمات الطبية باتت مفتوحة للنساء، وأصبحت الترقية تعتمد الكفاءة لا النوع، رغم أن القيادة العليا لا تزال مقفلة خلف بابٍ غير مُعلن، يُفتح قليلاً، ثم يُغلق بكثير من الحذر.

ورغم صدور مرسوم المساواة عام 2006، لا تزال الأدوار القتالية والمسؤوليات الميدانية تُحجز غالباً للرجال، فالتحدي ليس في القوانين فقط، بل في ثقافة المؤسسة، التي وإن أبدت مرونة، ما زالت مشبعة بنظرة تقليدية "هل تستطيع المرأة أن تأمر في ساحة المعركة؟" وحتى حين يصدّر الجيش صورته للخارج كقوة عصرية تؤمن بالتمكين، تبقى الأسئلة قائمة، هل يتغيّر الداخل بالسرعة نفسها؟ وهل يتم تأهيل النساء للوصول الحقيقي إلى مركز القرار؟

تُظهر التجربة الجزائرية تناقضاً مثيراً، مؤسسة عسكرية أكثر انفتاحاً من بعض مؤسسات الدولة المدنية، لكنها ما زالت تراوح بين الطموح والاحتراز، وقد سبق أن علقت تجنيد النساء في الثمانينيات لا احتجاجاً، بل بسبب اعتبارات مالية وإدارية، مما عكس غياب الرؤية الاستراتيجية آنذاك.

الضابطات الجزائريات اليوم لا يُقاتلن فقط التحديات الأمنية بل يواجهن مجتمعات ترصد خطواتهن، وتسأل بصوت خفي "هل تستحق أن تكون هنا؟"، وسط هذه المعركة الصامتة، تستمر المرأة الجزائرية في التقدم، بخطى حذرة، لكن ثابتة.

 

السودان... حين تتكلم "الكنداكة" بلغة الثورة والسلاح

في شوارع الخرطوم ومدن الثورة، لم تكن النساء مجرّد ظلال خلف الهتافات، بل وقودها، كنداكات 2019 خرجن في الصفوف الأولى، غاضبات، شامخات، يهتفن للحرية ويطالبن بالكرامة، ويرفضن نظاماً جردهن من حق الحركة والقرار، وفي لحظة مفصلية، ردّدن "كنداكة ما بتنضرب!" وكأن التاريخ تنكر لضعفه أمام صلابتهن.

لكن زخم الثورة لم يكن كافياً لكسر منظومات الإقصاء، فما إن هدأ الشارع حتى بدأت الأبواب تُغلق، والمواقع تُحتكر، والمفاوضات تُدار بغياب نصف المجتمع، ومع توقيع اتفاق جوبا عام 2020، تراجعت بعض الحركات إلى الخرطوم، وتراجعت معها مكانة النساء اللواتي فُصلن من ترتيبات السلام كما يُفصل الصوت من الأغنية.

وفي ربيع 2023، حين اندلع النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تغير المشهد جذرياً، وسط الفوضى والدمار، ظهر "الجيش الأسود" كصرخة نسائية جديدة، آلاف السودانيات التحقن بمعسكرات التدريب، صغيرات وكبيرات، يحملن السلاح لا من أجل الهيمنة، بل للبقاء، دوافعهن النجاة من اغتصاب ممنهج، أو ببساطة الدفاع عن الذات، مشاهد التدريب لم تكن دعائية، بل تعبيراً عن مقاومة تولد من تحت الأنقاض، بين من يراها تمكيناً وطنياً ومن يخشاها كإقحام قاسٍ في حرب لا تعرف رحمة.

ولم تكن دارفور مستثناة عن مشاركة النساء في السلاح، فمنذ بدايات الألفينات، شاركن في الحركات المسلحة قتالاً، رصداً، وتخطيطاً. لكن على هامش البطولات، ظلّت حقوقهن غائبة، ومواقع القرار بعيدة، في المقابل، كانت النازحات في المخيمات يبتكرن المبادرات التعليمية والمجتمعية، مقاومات بصمت، يضمدن الجراح بينما يخط الآخرون خرائط السياسة.

ورغم ظهور مبادرات رمزية خلال عامي 2024 و2025، ظل حضور النساء أقرب إلى التعبئة المعنوية منه إلى التجنيد العسكري المباشر. هنا، المقاومة النسائية اتخذت شكل الصمود الاجتماعي، حيث كان التحدي الأكبر مواجهة العنف الجنسي والنزوح، لا حمل السلاح. بعض المبادرات النسوية ظهرت في شكل حملات دعم معنوي ورمزي للقوات المسلحة، لكنها لم تصل إلى مستوى تأسيس قوات نسائية نظامية.

 

جندية بلا سلاح... التجييش الرمزي للنساء في مصر

في التاريخ المصري، لعبت المرأة أدواراً متعددة لم تقتصر على النضال السياسي والاجتماعي فقط، بل امتدت لتشمل أشكالاً من "التجييش" بمفهومه الأوسع سواء داخل مؤسسات الدولة أو في الحركات الجماهيرية، وبينما لم تعرف مصر تجنيداً عسكرياً إجبارياً للنساء كما هو الحال في بعض الدول، إلا أن حضور المرأة داخل مؤسسات الدولة، الأمنية والسياسية، ارتبط بتحولات أيديولوجية واقتصادية.

وقد بدأ التجييش المؤسسي للنساء تدريجياً، حين ظهرت الشرطة النسائية في السبعينيات، في سياق الحاجة لمواجهة بعض الجرائم النوعية، وفرض حضور نسائي أمني في الشوارع والمرافق العامة، تبع ذلك توسع في مشاركة النساء في أكاديمية الشرطة التي فتحت أبوابها رسمياً للفتيات عام 1984، وازداد حضورهن في مجالات التمريض العسكري والخدمات الطبية، حيث أصبحت الكوادر النسائية عنصراً أساسياً في المشافي العسكرية.

لم تعرف مصر بعد فكرة "جيش نسائي" بالمعنى القتالي العام، فحتى الآن يقتصر حضور النساء على مسارات محددة، أقرب إلى التخصصات المساندة منه إلى المشاركة القتالية المباشرة.

حتى التطور الذي شهدته سنة 2025 بقبول أول دفعة نسائية كاملة في الكلية الطبية العسكرية، وإن كان خطوة نوعية، يظل محكوماً بمنطق التخصص الطبي لا بمنطق المساواة في ساحات القتال. أما الخدمة الإلزامية، فهي ليست عسكرية أصلاً، بل خدمة عامة مدنية تؤديها خريجات الجامعات في مجالات اجتماعية مثل محو الأمية أو التأمينات. بهذا، تُبقي الدولة على فكرة "الواجب الوطني" للنساء، لكن بعيداً عن المؤسسة العسكرية، وكأن مساهمتهن لا تتصور إلا في فضاءات مدنية. 

في نهاية المطاف، فإن تجربة مصر في تجييش النساء ليست تجربة عسكرية صِرفة، لكنها تحمل ملامح "تجنيد رمزي" للمرأة في مساحات الدولة الحيوية، وتجنيد يُراد به خلق صورة لمجتمع متكامل، دون أن يعني بالضرورة الحد من البنى الذكورية التقليدية، هو مسار ما زال في طور التشكل، بين الانخراط الطوعي والاحتواء المؤسساتي، وبين التمكين الحقيقي والمراوحة بين الإنجاز والتحدي.

 

ليبيا... من نساء المقاومة إلى حارسات الثورة

في بدايات القرن العشرين، لم تكن المرأة الليبية تقف في الصفوف الخلفية، بل تسللت إلى المشهد من أوسع أبوابه، في المداشر، الصحارى، والممرات السرية، ظهرت نساء مثل "مبروكة العلاقية" و"سليمة بنت المقوس"، بزيّ الرجال، يحملن السلاح ويهمسن بالأوامر لا لمجرد التمرد، بل لحماية الأرض من طغيان الاحتلال الإيطالي.

كأن البطولة كانت تكتنفها الغموض، نساء متنكرات، مقاتلات، ومدرسات في الوقت نفسه، كانت المقاومة تكتب أسماءهن على جدران الزمن، وإن بشكل خافت، ثم جاء عام 1969، وبدأت الثورة تتحدث بلغة جديدة، ومع صعود معمر القذافي، تولّت المرأة الليبية مشهداً أكثر تناقضاً، صورة براقة لتمكين شكلي، تحملها الكتائب النسائية، وعلى رأسهن "الراهبات الثوريات"، كنّ يتبعن القذافي في كل تحركاته، يحملن السلاح، يرتدين زيا صارماً، لكنهن لا يُقدن المعركة بل يحمين من يقودها.

التمكين هنا كان أشبه بعرض مسرحي، بريق منضبط، أداء محسوب، وولاءٌ للسلطة أكثر من ولاء للمرأة نفسها، صورة تروج عن امرأة ثورية، بينما الخلفية تخفي حقيقة "التجييش الرمزي" الذي جعل من الجسد الأنثوي جزءاً من المشهد السياسي، لا صانعا له.

المرأة الليبية، في زمن المقاومة، كانت بطلة تصنع التغيير بصمتها وسلاحها، أما في زمن الثورة، فصارت حارسةً للنظام، تُستخدم في مشروع أيديولوجي ضخم، دون أن يُطلب منها رأي أو يُمنح لها قرار، هذا ليس نقداً للظهور بل تساؤلٌ عن جوهره، هل كانت الحارسة الثورية صوتاً للمرأة أم جسداً للسلطة؟

مع سقوط النظام عام 2011، اختفت "الراهبات الثوريات" فجأة، وعاد حضور النساء إلى أطر أكثر تقليدية حيث انحصرت مشاركتهن في مهام التفتيش والخدمات، خاصة في بنغازي، لسد الفراغ الأمني، وأُنشئت وحدات لشؤون المرأة داخل الجيش، تركز على الدعم الاجتماعي والإداري لا على القيادة، إن ما سمي بـ "الجيش النسائي" لم يكن مؤسسة تمكين، بل واجهة أيديولوجية انهارت ووضعت النساء أمام تحدي إعادة بناء حضورهن في مؤسسات أمنية هشة.

 

المرأة اليمنية بين القيادة والاستغلال 

لم يقتصر حضور المرأة اليمنية على مجرد دور اجتماعي تقليدي؛ بل ارتبط منذ البداية بالقيادة والنضال. من الملكات القديمات كبلقيس وأروى الصليحية، اللواتي قدن الجيوش وأدرن الحكم، إلى مقاتلات القرن العشرين مثل دعرة سعيد وخديجة الحوشيبة، يتضح أن المرأة كانت جزءاً أصيلاً من المقاومة. 

لكن مع القرن العشرين، تحولت من ملكة على العرش إلى فدائية في الجبال والمدن، تحمل السلاح وتؤسس خطوط الدعم اللوجستي في مواجهة الاستعمار والإمامة. ومنذ عام 2014، دخلت مرحلة أكثر تعقيداً مع تشكيلات مثل "الزينبيات"، التي برزت كذراع نسائي للحوثيين، يجمع بين التعبئة الطائفية والدور الأمني القمعي. جرى تقديمهن كرمز لتمكين المرأة، لكن واقعهن يكشف عن جهاز بوليسي يقتصر عمله على التفتيش والاعتقال والتجنيد ونشر أيديولوجية الحوثيين، في مشاركة مشروطة بالولاء واستغلال الحاجة الاقتصادية، أي أنهن لا يمثلن مشروعاً لتحرير المرأة، بل أداة لإعادة إنتاج القمع بوجه نسائي، حيث يستغل الدين والفقر لتكريس سلطة الحوثيين وتعميق الخوف داخل المجتمع. 

لقد أظهرت التجارب المتنوعة في المغرب وتونس والجزائر والسودان ومصر وليبيا واليمن أن "تجييش المرأة" ليس مفهوماً واحداً، بل شبكة من المعاني المتناقضة أحياناً، والمتقاطعة دائماً، بين الاستغلال والتمكين، وبين الذاكرة والواقع. في الجزء الثاني من ملفنا، سنسلط الضوء على تجارب أخرى، ونطرح مزيداً من الأسئلة حول حدود المشاركة، ومعاني التحرر، وإمكانات إعادة بناء علاقة النساء بالنضال في سياقات جديدة.