ثورة المرأة… مسيرة نضال تحولت إلى مشروع مجتمعي يقود التحول الديمقراطي (1)
شكلت ثورة المرأة في روج آفا محطة تاريخية في مسار نضال النساء بشمال وشرق سوريا، إذ تحولت من حراكٍ تنظيمي خفي إلى مشروع مجتمعي متكامل أعاد تعريف دور المرأة في السياسة والمجتمع والدفاع.
سيلفا الإبراهيم
كوباني ـ برزت ثورة المرأة في روج آفا بوصفها امتداداً لنضال طويل سبق الأزمة السورية، لكنها تبلورت بوضوح بعد عام 2011 ضمن مشروع الإدارة الذاتية، لتتحول إلى تجربة فريدة في تمكين المرأة سياسياً وعسكرياً واجتماعياً، ولفتت أنظار العالم كنموذج لمقاومة نسوية في قلب الصراع.
لم تولد ثورة المرأة في شمال وشرق سوريا من فراغ، بل سبقتها تراكمات سياسية واجتماعية كان أبرزها انتفاضة الكرد في مدينة قامشلو عام 2004. شكلت تلك الانتفاضة، التي اندلعت عقب أحداث الملعب في المدينة، لحظة مفصلية في الوعي السياسي الكردي، وأسست لمرحلة جديدة من التنظيم المجتمعي والعمل السري والمدني، كان للنساء حضور متزايد فيها رغم القيود الأمنية آنذاك.
ثورة المرأة والأرضية الصلبة التي انطلقت منها
تقول مجيدة حسون، رئيسة هيئة المرأة في مقاطعة الفرات، إن ثورة المرأة في روج آفا لم تنشأ نتيجة الأزمة السورية، بل ظهرت إلى العلن خلالها، لأن جذورها كانت موجودة منذ سنوات. فاتحاد ستار (مؤتمر ستار حالياً) الذي تأسس عام 2005، يدل على أن النساء كن ينظمن صفوفهن بشكل سري في ظل حكم البعث، وهو ما يعكس روح التمرد والإصرار التي تمتعت بها النساء في تلك المرحلة.
مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، والذي عقبها ثورة 19 تموز في المناطق الكردية وطرد نظام البعث في قامشلو وعفرين وكوباني، وجد الكرد أرضية لتفعيل مشروعهم السياسي والاجتماعي، استناداً على أفكار القائد عبد الله أوجلان حول تحرر المرأة، لتتحول إلى بنى تنظيمية واضحة ضمن مشروع الإدارة الذاتية في روج آفا "انطلاق ثورة المرأة في روج آفا استند على النضال الخفي الذي خاضته النساء إبان حكم البعث، وهذا ما جعل أرضية الثورة قوية والنساء متهيئات لدخول مرحلة جديدة من النضال على الصعيد السياسي والدبلوماسي والفكري وكذلك العسكري، وبهذا النضال حققت المرأة مكتسبات على الصعيد ترسيخ العدالة بين الجنسين".
وفي خضم ثورة روج آفا تأسست وحدات حماية المرأة، واعتمد نظام الرئاسة المشتركة في المجالس، وأُنشئت مؤسسات خاصة تُعنى بقضايا النساء في مختلف القطاعات، وهكذا يمكن قراءة ثورة المرأة بوصفها امتداداً لتجربة نضالية بدأت ملامحها منذ 2004، لكنها تبلورت بعد 2011 كمشروع متكامل يسعى لإعادة صياغة دور المرأة في المجتمع، مقدماً نموذجاً فريداً خرج من سياق الصراع ليطرح نفسه على طاولة النقاش الدولي.
الهجمات على ثورة المرأة التي باءت بالفشل
وقد تعرضت ثورة المرأة لهجمات شرسة من داعش، الذي استهدف مشروعها المجتمعي بوصفه نقيضاً لأيديولوجيته المتطرفة، كما واجهت هجمات الاحتلال التركي في عفرين، رأس العين/سري كانيه، وكري سبي/تل أبيض، في قلب هذه المواجهات برزت وحدات حماية المرأة، التي خاضت معارك مفصلية وأسهمت في دحر الهجمات وإفشالها، تحولت صور المقاتلات وصمودهن إلى رمز عالمي، لتتصدر بطولاتهن المشهد الدولي كنموذج لمقاومة نسوية غير مسبوقة في وجه التطرف والحرب.
وتشير مجيدة حسون إلى أن "الدور المحوري الذي لعبته وحدات حماية المرأة في القضاء على جميع الهجمات التي هدفت للنيل من ثورة المرأة، استطاع إزالة خطر داعش على ثورتها وعلى العالم أجمع".
وبينت أن نضال المرأة لم يكن محصوراً بالساحة العسكرية بل خاضت كفاحاً ضد الذهنية الذكورية التي ترسخت في المجتمع منذ خمسة ألف عاماً، ولم يكن ذلك بالأمر السهل، إلا أنه بالتدريب والإصرار والمحاولات المتكررة استطاعت إحداث تغيير وهذا نتاج كفاح على مدى سنوات الثورة".
ولفتت إلى أن "ما جعل ثورتنا ذات صدى عالمي، هو أنه تم خوضها وسط تهديدات وهجمات عسكرية مستمرة، ولم نتوانى عن مواصلة النضال للرقي من واقع المجتمع عبر تحرير المرأة، وجميع الهجمات التي استهدفت ثورتنا لم تنال منها بل زادتنا إصراراً على تحقيق المزيد من الإنجازات كرد لأي يد تطال ثورتنا".
عملية السلام والمجتمع الديمقراطي
ومع حلول يوم الثامن من آذار باركت رئيسة هيئة المرأة في مقاطعة الفرات مجيدة حسون هذه المناسبة على جميع النساء وعلى القائد عبد الله أوجلان "تزامن حلول الثامن من آذار مع المرحلة الثانية لعملية السلام والمجتمع الديمقراطي والذي نعتبره مصدر إلهام لنا كنساء لنرفع من وتيرة النضال ونواصل الكفاح لنلعب دورنا في هذه المرحلة المفصلية، ونبني سوريا ديمقراطية تحتضن كافة المكونات، ونحمي مكتسباتنا ونبلورها قانونياً في الدستور السوري".
وشدد القائد أوجلان في ندائه الأخير بتاريخ 27 شباط/فبراير الماضي، الذي جاء في الذكرى السنوية الأولى لندائه التاريخي "السلام والمجتمع الديمقراطي"، على أن مرحلة الصراع المسلح قد طُويت، وأن المستقبل يجب أن يبنى عبر السياسة والديمقراطية، داعياً إلى إنهاء عهد السلاح وبدء "مرحلة البناء الإيجابي" القائمة على احترام الحقوق، والمساواة بين المواطنين، وتعزيز الحوار بين جميع المكونات.
في رسالته، اعتبر القائد أوجلان أن الاندماج الديمقراطي يتطلب قوانين للسلام ويضع النساء كقوة دافعة أساسية في هذا المسار، مشيراً إلى أن مواجهة العنف المجتمعي مثل قتل النساء والعنف الأسري تُظهِر أهمية مشاركة المرأة في صياغة المجتمع الجديد، موضحاً أن الديمقراطية لا تُبنى بالعنف، بل عبر احترام الحقوق والمساواة بين الجميع.