بين تحديات الواقع وفرص التغيير... مسار العمل النسوي خلال عام مضطرب

شهد العام الماضي تصاعداً في وتيرة العنف ضد النساء وتحديات تمويلية وتشريعية معقدة، ما أبرز أهمية التمكين الاقتصادي والسياسي، ودور الشراكات والاستراتيجيات المستدامة في تعزيز حماية النساء ودعم حضورهن في المجتمع.

أسماء فتحي

القاهرة ـ خلال السنوات الأخيرة، شهد المجتمع تصاعداً ملحوظاً في العنف الموجه ضد النساء سواء على المستوى المادي أو الرقمي، وهو ما انعكس على حياة العديد منهن في البيت والعمل والمجتمع، هذه الظاهرة دفعت المؤسسات النسائية إلى التركيز على آليات حماية النساء ودعم استقلالهن، من خلال برامج تهدف إلى تمكينهن اقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً.

أكدت الدراسات والملاحظات الميدانية أن تمكين النساء يعد الحل الأكثر فاعلية لمواجهة هذه الانتهاكات، إذ يوفر لهن القدرة على اتخاذ قراراتهن، ويضمن لهن دخلاً مستقراً، ويعزز مشاركتهن في المجتمع، ورغم محدودية الموارد والتمويل، فإن المؤسسات النسوية نجحت في تطوير برامج تركز على التدريب، وبناء القدرات، ودمج النساء في الحياة الاقتصادية والسياسية، بما يحقق أثراً ملموساً على أرض الواقع.

في هذا السياق، يظهر التحدي التشريعي بشكل واضح، إذ ما زالت بعض القوانين القائمة لا تعكس احتياجات النساء الحديثة ولا توفر الحماية الكافية، ما يستدعي العمل على إصلاحها وتحديثها، كما أن التحديات المتعلقة بالتمويل واستمرارية المشاريع تشكل جزءاً من الواقع الذي تواجهه المؤسسات النسوية، مما يجعل التخطيط طويل المدى والشراكات المحلية والإقليمية ضرورة أساسية لضمان استدامة البرامج وتحقيق الأثر المرجو.

وللنظر عن قرب على مخرجات وتحديات العام الماضي، أجرت وكالتنا مع رئيسة مجلس أمناء مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة هبة عادل، حوار أطلعتنا على أهم خططهم المستقبلية للعام الجديد وتوقعاتها للعمل النسوي خلاله.

 

مضى عام شديد التعقيد... فكيف يمكنكم تقييمه خاصة ما يتعلق منه بالعنف ضد النساء وأثره على برامج المؤسسات النسوية؟

العام الماضي شهد زيادة كبيرة في جرائم العنف ضد النساء، بما في ذلك التنمر والتحرش والابتزاز الرقمي، وحتى حالات القتل الممنهج، وتلقت المؤسسات النسوية شكاوى أكثر تنوعاً وعدداً مقارنة بالسنوات السابقة، سواء من حيث أعمار الضحايا أو طبيعة الجرائم أو الخلفيات الاجتماعية للنساء المتضررات.

هذا الوضع استدعى تنفيذ حملات توعية مستمرة، مع التركيز على الجرائم الرقمية، لضمان حماية النساء وتعزيز استقلالهن، وقد ساهمت هذه الإجراءات في رفع وعي المجتمع بمخاطر العنف وأهمية التمكين كوسيلة للحماية.

وقد عملنا على مجموعة من البرامج الهادفة لبناء قدرات النساء وتعزيز تمكينهن، شملت تدريب النساء على المشاركة السياسية، وتنمية المهارات المهنية، وإطلاق برامج للتدريب على القيادة والمهارات الرقمية.

كما تم تنظيم فعاليات موسعة خلال حملة الـ 16 يوماً لمناهضة العنف، مع التركيز على القرارات الدولية الخاصة بالمرأة والأمن والسلام، واستمرت الحملات المرتبطة بالتمكين السياسي خلال الانتخابات النقابية، إضافة إلى دعم المرشحات لضمان تمثيل أكبر للنساء في المجالس المختلفة.

 

كيف أثر نقص التمويل على استمرارية برامج المؤسسات النسوية في مصر؟

أثر نقص التمويل بشكل واضح على العديد من البرامج، لا سيما في الدول التي لا تمتلك مصادر تمويل ذاتية للمجتمع المدني، وبعض البرامج توقفت فجأة بسبب إعادة تصنيف خارطة التمويل، مما شكل تحدياً كبيراً للمؤسسات النسوية.

ومع ذلك، ساهمت هذه الأزمة في إعادة التفكير في الاستراتيجيات المحلية، وتنمية الموارد الداخلية، وبناء شراكات مستدامة، مع تدريب الفرق على التخطيط طويل المدى، لضمان استمرار العمل وتحقيق أثر مستدام رغم تقلبات التمويل.

 

ما هي خططكم المستقبلية في العمل للعام الجديد وخاصة ملف الشراكات؟

تركز الخطط المستقبلية لمؤسستنا على تعزيز تمكين النساء اقتصادياً وسياسياً، وتطوير التشريعات بما يضمن حمايتهن من العنف، واستمرارية البرامج التعليمية والتدريبية.

كما تشمل الخطط ربط مشاريع التمكين بقضايا البيئة والاستدامة، وتقديم برامج تعليمية مبتكرة للفتيات لتقليل التسرب من التعليم، مع توفير بيئة آمنة ومشجعة للتعلم وتنمية المهارات الحياتية والاجتماعية.

وتعتمد المؤسسات على التعاون ضمن شبكات واتفاقيات إقليمية لتوحيد الجهود في مواجهة العنف، وتبادل الخبرات بين المؤسسات المختلفة.

تنشأ تحالفات بين عدة مؤسسات للعمل على مشاريع مشتركة، مثل تطوير قوانين موحدة لمناهضة العنف، بالإضافة إلى برامج التمكين السياسي الإقليمي عبر شبكات تعمل على التدريب والدراسات والمنهجيات التعليمية لتعزيز مشاركة النساء.

وهذه الشراكات تمثل عنصراً أساسياً في الصمود أمام التحديات، وتضمن استمرار البرامج وفاعليتها، كما أن القضايا النسوية متشابهة في الوطن العربي، والتراجع في بعض الدول يتطلب تكاتف الجهود.

وتساهم الشراكات الإقليمية أيضاً في تبادل الخبرات وتطوير الاستراتيجيات، ما يعزز التمكين السياسي والاجتماعي للنساء ويحقق تأثيراً ملموساً.

 

هناك جدل واسع حول فكرة القوانين وما إن كنا بحاجة لمزيد منها أم لا... فكيف ترون وضع التشريعات الحالية وأثرها على حماية النساء؟

التحدي الأكبر ليس في وجود قوانين، بل في كونها قديمة وغير متماشية مع الواقع الحالي ويقع على عاتقنا دور كبير في وضع تشريعات جديدة تتماشى مع المرحلة الحالية لأن جانب ليس بالقليل منها بحاجة للنسف التام ووضع أخرى تلبي احتياجات المجتمع.

فيمكن القول أن ترقيع القوانين لم يعد كافياً، ويجب العمل على إصلاح تشريعات جديدة تعكس المجتمع والتوازن بين العقاب والتأهيل.

كما يجب أن تعود الحكومة لدورها في حملات التوعية، لضمان تغيير الصورة الذهنية وإنهاء الصراعات المصطنعة التي تجعل العنف ضد النساء أمراً عادياً في المجتمع.

وعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهت المؤسسات النسوية خلال عام 2025، أصبح واضحاً أن تمكين النساء ليس خياراً ثانوياً، بل ضرورة أساسية لمواجهة العنف وضمان العدالة والمساواة. البرامج المختلفة، سواء في التدريب على القيادة والمشاركة السياسية، أو التمكين الاقتصادي، أو التوعية ضد العنف الرقمي والمادي، أظهرت قدرة النساء على تحويل التحديات إلى فرص، وإحداث أثر ملموس في حياتهن ومجتمعاتهن.

كما أبرز الحوار أهمية الاستدامة في العمل النسوي، سواء عبر تنمية الموارد المحلية، أو بناء شراكات إقليمية ودولية قوية، لضمان استمرار البرامج حتى في ظل تقلبات التمويل أو التحديات السياسية والتشريعية، فضلاً عن أهمية العمل الجماعي بين المؤسسات النسوية الذي يتيح تبادل الخبرات وتطوير استراتيجيات أكثر فعالية وتعزز قدرة النساء على مواجهة الانتهاكات بشكل منسق وواقعي.

من جهة أخرى، تبقى التشريعات الحالية بحاجة إلى تحديث شامل لتكون أكثر ملاءمة لواقع النساء اليوم، وتوفر حماية فعلية ضد كافة أشكال العنف، فإصلاح القوانين، إلى جانب حملات التوعية المستمرة، يمثلان حجر الزاوية لضمان تحقيق العدالة ومكافحة الانتهاكات بشكل فعال ومستدام.

في المجمل، يظهر أن الطريق أمام المجتمع النسوي مليء بالتحديات، لكنه أيضاً يحمل فرصاً كبيرة، فتمكين النساء، تطوير التشريعات، استثمار الشراكات، وتقديم برامج تعليمية واقتصادية مستدامة، كلها خطوات أساسية لبناء مجتمع أكثر أماناً وعدالة، مع تركيز على الدمج بين الأبعاد الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، البيئية لضمان أثر حقيقي ومستمر للنساء والفتيات في كل أنحاء المجتمع.