الازدواجية القاتلة المتمثلة في إعطاء الأولوية للبناء التقليدي على الرغبة في التحرر بروج آفا (1)

في الشرق الأوسط، لا تزال الهياكل التقليدية تحظى بالأولوية على المشاريع التحررية، وتُعد تجربة روج آفا مثالاً ملموساً على استمرار المنطق ما قبل الحداثي في قلب العمليات الحديثة.

شيلان سقزي

مركز الأخبار ـ قبل أن تستقر الدولة القومية الحديثة بوصفها الشكل المهيمن للتنظيم السياسي، كانت المجتمعات البشرية تُدار عبر أنماط متعددة من "التجمعات". ولم تكن هذه التشكيلات مجرد مراحل بدائية في مسار تطوري خطي، بل كانت أنظمة متكاملة للانتماء والمشروعية وصناعة المعنى. ففي عالم ما قبل الحداثة، لا نواجه مجرد صيغ للحكم، بل أنماطاً من "الوجود الجمعي" تحدد علاقة الفرد بالجماعة، وصلات المقدس بالسياسي، وحدود العنف والقانون.

من هذا المنطلق، فإن دراسة القبيلة أو مدينة المعبد أو الإمبراطورية أو الأمة الدينية ليست بحثاً تاريخياً فحسب، بل محاولة لفهم منطق كل نمط في إنتاج الذات الجماعية. وفي الشرق الأوسط تحديداً، لم تتعاقب هذه المنطقيات بطريقة خطية، ولم تختفِ تماماً؛ بل تداخلت وتعايشت في علاقات معقدة مع الحداثة. ولتفسير هذا التداخل، لا بد من العودة إلى الأسس التي نشأت عليها هذه التشكيلات، والوظائف التي أدّتها، وأسباب تراجعها النسبي.

أول هذه التشكيلات هو النظام القبلي القائم على القرابة. ففي البيئات شبه الجافة وتشتت الموارد وغياب الأمن، أصبح "رابط الدم" أو "أسطورة السلف" أساس المشروعية السياسية وتوزيع الموارد. لم تكن القبيلة مجرد وحدة اجتماعية، بل آلية للحماية في غياب الدولة واحتكارها للعنف المشروع. كانت السياسة امتداداً للقرابة، والعدالة قائمة على توازن الانتقام والمكانة، والسلطة تُبنى على السن أو الشجاعة أو النسب. وقد منح التماسك الداخلي القبيلة قدرة عالية على التعبئة، لكنه في الوقت نفسه حد من نشوء مؤسسات مجردة تتجاوز روابط الدم. لذلك، لم يتراجع النظام القبلي بفعل "تقدم عقلاني"، بل نتيجة انتقال وظائف الأمن والقضاء والتوزيع إلى الدولة. وكلما ضعفت الدولة، عاد منطق القبيلة ليملأ الفراغ.

أما التشكيل الثاني فهو النظام المائي المرتكز على المعبد في دويلات المدن في بلاد الرافدين ومصر القديمة. هنا لم يتأسس الانتماء على الدم، بل على العمل الجماعي لإدارة المياه والري وإنتاج الفائض. أدى ذلك إلى نشوء بيروقراطية مبكرة ونظام للسجلات، وأصبح المعبد مركزاً اقتصادياً ورمزياً، وصار القانون يُصاغ بوصفه مرسوماً إلهياً. ظهرت لأول مرة أشكال من القانون المدون وتقسيم العمل، ما سمح بظهور مواطنة أولية، وإن بقيت محكومة بالتراتبية الدينية. ومع توسع الإمبراطوريات، انتقلت الشرعية من المعبد إلى البلاط، وفقد النظام المائي استقلاله. لم يكن تراجعه نتيجة تحول فكري، بل نتيجة تغير حجم السلطة السياسية ومركزها.

التشكيل الثالث هو نظام التبعية الإمبراطوري الممتد من الأخمينيين حتى العثمانيين. اعتمدت الإمبراطورية على دمج التنوع العرقي والديني في إطار وحدة مالية عسكرية، لا على التجانس الثقافي. كان الولاء للمركز ودفع الجزية أساس الاستقرار، بينما حافظت المناطق على خصوصياتها. استمدت الإمبراطورية شرعيتها من مزيج من التقاليد والدين وشخصية الحاكم. غير أن اعتمادها على كفاءة السلطان جعلها عرضة لأزمات الخلافة والصراعات الداخلية، ومع صعود الرأسمالية العالمية وفكرة الأمة الحديثة، أصبح منطق الإمبراطورية غير كافٍ، إذ عجز عن إنتاج مواطن مجرد، فتآكلت شرعيتها أمام الدولة القومية.

إلى جانب ذلك، برز النظام الديني القائم على الأمة، خصوصاً في التراث الإسلامي، حيث تجاوز الانتماء حدود الدم والأرض، واستند إلى الإيمان والشريعة. أتاح هذا النظام تضامناً عابراً للحدود، وخلق عالمية معيارية لم توفرها القبيلة أو الإمبراطورية. لكنه ظل في توتر دائم مع السلطة السياسية، وسهل دمجه في مشاريع إمبراطورية. ومع صعود الدولة القومية العلمانية، تراجع دور الأمة إلى الهوية الثقافية، لكنه عاد بقوة في لحظات الأزمات التي هزت شرعية الدولة الحديثة.

يتضح من ذلك أن أشكال الجماعية في الشرق الأوسط ليست بقايا تاريخية، بل استجابات لظروف بيئية واقتصادية ورمزية محددة، أدّت وظائف أساسية لبقاء الجماعة، ولم يكن تراجعها نتيجة انتصار العقلانية الحديثة، بل نتيجة تغير الوظائف وتبدل موازين القوى والتحولات في الاقتصاد السياسي العالمي. وتتمثل خصوصية الشرق الأوسط الحديث في التعايش غير المتزامن لهذه الطبقات التاريخية؛ حيث تعمل القبيلة والأمة والدولة الحديثة والرأسمالية في فضاء واحد، ما يسمح لبنى ما قبل الحداثة بالبقاء داخل المؤسسات الحديثة ومساءلة شرعيتها.

ومن ثم، فإن أي مشروع تحرري في المنطقة يحتاج إلى فهم هذا التاريخ المتراكم. فالمسألة ليست عودة إلى الماضي، بل استمرار لمنطقه في الحاضر. فالشرق الأوسط معلق بين أنماط انتماء متعددة: بين الدم والقانون، بين الإمبراطورية والأمة، بين الأمة والمواطنة. وهذا التعليق هو ما يفتح الباب للسؤال المركزي: لماذا وكيف تستمر البنى التقليدية في التكاثر والانتشار رغم وعود الحداثة بالتحرر؟

 

من مشقة التقاليد إلى تحديث مفهوم الانتماء

إذا كنا قد أوضحنا في المقدمة أن أنماط الجماعية في الشرق الأوسط قبل الحداثة لم تختفِ تماماً، فإن الخطوة التالية هي طرح سؤال أكثر جذرية: لماذا لم تستمر هذه الأشكال فحسب، بل أعيد إنتاجها داخل بنية الدولة الحديثة نفسها؟ لم تعد القضية مجرد "بقاء للتقاليد"، بل ظاهرة يمكن وصفها بـ "تحديث البنية القديمة"؛ أي دمج القبيلة والعشيرة وشبكات القرابة، بل وحتى أنماط السلطة في منطق الدولة الحديثة والاقتصاد السياسي المعاصر، بحيث تصبح جزءاً من آليات إنتاج السلطة لا بديلاً عنها.

لفهم هذا الوضع فلسفياً، لا بد من تجاوز الثنائية المبسطة بين التقاليد والحداثة. فقد افترضت نظريات التحديث الكلاسيكية، من بارسونز إلى ليرنر، أن الحداثة ستقوض الروابط الأولية تدريجياً لصالح الفردية والمؤسسات المجردة. لكن تجربة الشرق الأوسط تكشف أن ما حدث لم يكن قطيعة، بل تعايشاً، وفي بعض الأحيان تآزراً. فالحداثة لم تفكك الشبكات ما قبل الحديثة، بل أعادت توظيفها كقنوات لتوزيع السلطة، مما يفرض الحديث عن تداخل أنظمة الانتماء بدلاً من تعاقبها.

 

السلطة الأبوية الجديدة... حداثة بواجهة تقليدية

يُعد مفهوم "السلطة الأبوية الجديدة" مفتاحاً لفهم هذا التشابك، فالدولة تبدو من الخارج بيروقراطية وحديثة، لكنها في الواقع تعتمد على الولاءات الشخصية والقرابة والروابط غير الرسمية. في العديد من دول الشرق الأوسط، تبدو الوزارات والأجهزة الأمنية والبرلمانات مؤسسات حديثة، لكن الوصول إلى الموارد والفرص يمر عبر شبكات العائلة والعشيرة. وهكذا، لا توجد البنية القديمة خارج الدولة، بل في قلبها.

ولا يمكن فهم هذا التداخل دون النظر إلى الاقتصاد السياسي للدولة الريعية. ففي الدول التي لا تعتمد على الضرائب كمصدر رئيسي للدخل، لا تتشكل العلاقة الكلاسيكية بين "الضرائب والتمثيل". وبدلاً من أن يوزَع الريع عبر مؤسسات محايدة، يتدفق عبر شبكات القرابة، فيتحول إلى وسيلة لترسيخ الولاء السياسي. وهكذا، لا يُعد حضور القبيلة في الدولة الريعية انحرافاً، بل آلية عقلانية داخل منطق رأسمالية النفط.

وقد أدى رسم الحدود الحديثة دون مراعاة البنى الاجتماعية السابقة إلى نشوء دول تفتقر إلى التداخل التاريخي مع أنماط الانتماء المحلية. فوفقاً لبنديكت أندرسون، تبنى الأمة عبر المدرسة والإعلام، لكن في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط لم ينجح التصور الوطني في إزاحة التصور القبلي أو الديني. ونتيجة لذلك، اضطرت الدولة إلى الاعتماد على وسطاء محليين، شيوخ القبائل، رجال الدين، وشبكات القرابة لممارسة السلطة. وهكذا، لم تلغ الحدود الحديثة البنى القديمة، بل أعادت توظيفها.

 

الحوكمة الهجينة... الدولة الحديثة بآليات تقليدية

عمقت الأنظمة الاستبدادية هذا الوضع، ففي ضوء تحليل فوكو للسلطة، يمكن القول إن دول الأمن في الشرق الأوسط تمارس "حوكمة هجينة" أي أدوات مراقبة حديثة من جهة، وشبكات تقليدية لضبط المجتمع من جهة أخرى. يصبح شيخ القبيلة هنا جزءاً من جهاز الحكم، لا بقايا من الماضي. فالدولة تستفيد من سلطته لتقليل كلفة بناء مؤسسات محايدة.

لكن التحليل المؤسسي وحده لا يكفي. فالتاريخ الطويل من الحروب والانقلابات والقمع خلق انعدام ثقة هيكلياً بالمؤسسات المجردة. وفي هذا السياق، تعمل شبكة القرابة كضمان اجتماعي بديل، وبالاستناد إلى تحليل كارل بولاني، يمكن القول إن المجتمع يعود إلى أشكاله السابقة عندما يعجز السوق والدولة عن توفير الأمن والعدالة. فالقبيلة ليست حنيناً للماضي، بل استجابة عقلانية لانعدام الأمن.

إلى جانب ذلك، تلعب البنية الرمزية دوراً حاسماً. فوفقاً لبورديو، يشكل رأس المال الرمزي كالنسب والشرف واسم العائلة أداة لإعادة إنتاج السلطة. وفي العديد من مجتمعات الشرق الأوسط، لا تزال المكانة الاجتماعية تحدد عبر الانتماء القبلي، مما يسمح للبنية القديمة بالاستمرار فكرياً وثقافياً، لا مؤسسياً فقط.

 

بنية تتكيف مع كل عصر

ما يستمر إذن ليس "التقليد" بمعناه الجامد، بل نظام انتماء قادر على التكيف. فقد كانت القبيلة آلية للبقاء في عصر الترحال، ووسيطاً خاضعاً للجزية في العصر الإمبراطوري، وقناة لتوزيع الامتيازات في الدولة الريعية. هذه القدرة على إعادة ترجمة نفسها بلغة القوة السائدة تجعل تحليلها الأخلاقي أو الثقافي وحده غير كافٍ.

يمكن تلخيص صمود البنى التقليدية في ثلاثة مستويات مترابطة، أولاً المستوى السياسي والاقتصادي، حيث يقوض الريع والتهرب الضريبي الواسع النطاق المواطنة الحقيقية؛ ثانياً، المستوى المؤسسي، حيث تدمج الدول ذات النظام الأبوي الجديد الشبكات التقليدية؛ وثالثاً، المستوى الرمزي النفسي، حيث يعيد انعدام الثقة التاريخي ورأس المال الاجتماعي إنتاج روابط القرابة. في هذا الإطار، لا تعد القبيلة والعشيرة بقايا من الماضي، بل أدوات فاعلة لإنتاج الأمن والمكانة والوصول إلى الموارد.

 

نحو مشروع تحرري يفهم عمق المشكلة

إذا ركز مشروع التحرر على الإصلاح القانوني وحده، فسيتجاهل طبقات أعمق من إعادة إنتاج السلطة تعمل على مستوى الانتماء والأمن. فجمود البنى القديمة ليس دليلاً على "تخلف ثقافي"، بل على غياب قطيعة حقيقية في أنظمة الانتماء. وطالما عجزت الدولة عن توفير الأمن والعدالة والثقة المؤسسية، ستستمر هذه البنى في التكيف مع أي نظام جديد. وهكذا، تكمن مشكلة الشرق الأوسط ليس في حداثة ناقصة، بل في تعايش دائم بين منطق ما قبل الحداثة والحداثة داخل حقل سلطة واحد، حقل تحدث فيه التقاليد بدلاً من إلغائها.

 

العقبات الفلسفية أمام التحرر من الأنظمة القديمة

لا يمكن فهم الانفصال عن الأنظمة القبلية أو شبكات القرابة بوصفه مجرد تغيير مؤسسي أو قانوني، كما لو كان استبدال جهاز إداري بآخر. فالمسألة أعمق بكثير؛ إنها تتعلق بالتحرر من نظام كامل للوجود، نظام صاغ علاقات القوة، وشكّل أنماط الرغبة، وحدد معنى الأمن، ونظّم المشاعر، بل وأعاد تشكيل تجربة الزمن نفسها. في هذا الإطار، لا تكون القبيلة مجرد بنية اجتماعية، بل تقنية بيوسياسية لإنتاج أجساد يمكن التنبؤ بسلوكها وضمان ولائها.

أولاً، من الضروري تجنب اختزال المشكلة إلى ثنائية "داخلية ـ خارجية". فهذا التقسيم، رغم فائدته الوصفية، يقود غالباً إلى جوهرية ثقافية أو إلى تفسير مؤامراتي مبالغ فيه، فالأنظمة القديمة لا تستمر بسبب "تحجر ثقافي" فقط، ولا بسبب "تدخل خارجي" فحسب، بل لأنها تعاد إنتاجها عند تقاطع هياكل اعتيادية متجذرة، ومنطق تراكم رأس المال في الأطراف، وأنظمة الأمن الإقليمي، والاقتصاد النفسي لانعدام الأمن التاريخي. بذلك يصبح الانقطاع عن هذه الأنظمة عقدة متعددة الطبقات، تتداخل فيها العناصر الرمزية والمادية والعاطفية.

على المستوى الثقافي، لا تفهم القبيلة كتنظيم قرابة فقط، بل كـ "مجال لإنتاج الاعتياد" بمعنى تراكم تاريخي لأنماط الإدراك والحكم والانفعال. فمفاهيم مثل الثقة والولاء والغيرة والكرامة ليست مجرد قيم، بل آليات لتنظيم السلوك، متجذرة في الخبرة الجماعية والبنية العصبية. في هذا السياق، يولد الفرد بوصفه "عقدة في شبكة قرابة" قبل أن يكون "شخصاً قانونياً"، والخروج من هذا النظام يعني إعادة تعريف الذات خارج الإطار الذي يمنحها المعنى والحماية، وهو انتقال ينطوي على خطر وجودي: مواجهة العالم دون مظلة رابطة الدم.

على المستوى الخارجي، تعمق المشكلة اندماج غير متكافئ في الاقتصاد العالمي. فقد دخلت مناطق واسعة من الشرق الأوسط السوق العالمية دون بناء مؤسسات ديمقراطية أو بنى تحتية عامة. وهكذا نشأت دول تعتمد اقتصادياً على الخارج، لكنها تعتمد اجتماعياً على الهياكل القبلية لإدارة الأطراف. في هذا السياق، تصبح القبيلة قناة لتوزيع الريع، وأداة للرقابة الاجتماعية، ووسيطاً ضرورياً للحكم، وبذلك، حتى لو ظهرت رغبة داخلية في الانفصال، فإن البنية الكلية للاقتصاد السياسي تعيد إنتاج النظام القديم.

في المستوى الأعمق، تكمن المشكلة في أنطولوجيا الحرية. فالحرية الحديثة تفترض قبول عدم اليقين والانفتاح على الاحتمالات. لكن في مجتمعات عانت تاريخياً من انعدام الأمن، يُنظر إلى عدم اليقين كتهديد لا كأفق. يوفر النظام القبلي يقيناً واضحاً: تعرف من أنت، ومن يحميك، وما هو متوقع منك. أما الحرية الفردية فتضع الفرد أمام خيارات بلا ضمانات. لذلك، لا يمكن تفسير مقاومة الانقطاع بأنها جهل، بل هي "اختيار عقلاني للأمان المألوف" في مواجهة حرية غير مضمونة.

مع ذلك، الأنظمة القديمة ليست ثابتة. فالتغيرات الديموغرافية، والهجرة، والتعليم، ووسائل الإعلام الجديدة توسّع الفجوة بين العادات التقليدية والتجارب الحديثة. لكن الوعي وحده لا يكفي. فبدون دعم مؤسسي واقتصادي، قد تتحول هذه الفجوة إلى أزمة هوية أو ارتداد رجعي. فالتغيير الجذري يتطلب "تحولاً متزامناً" في المؤسسات السياسية وتوزيع الموارد والبنى العاطفية.

 

خطأ اختزال التغيير إلى بُعد واحد

من الأخطاء الشائعة اعتبار التغيير مشروعاً ثقافياً فقط أو مؤسسياً فقط. فالإصلاح الثقافي دون تغيير مادي يبقى بلا أثر، والتغيير المؤسسي دون تحول في العاطفة والعادة يُبتلع سريعاً داخل المنطق القديم. العائق الحقيقي إذن ليس داخلياً أو خارجياً فقط، بل في التشابك البنيوي بينهما.

القطيعة مع الأنظمة القديمة ليست حدثاً لحظياً، بل عملية متوترة تتعايش فيها الأشكال القديمة والجديدة لفترة طويلة. فالقبيلة ليست مجرد ماضٍ، بل فاعل في الحاضر. وأي مشروع تحرري لا يقدم بديلاً لوظائف الحماية والهوية والاقتصاد التي توفرها القبيلة سيواجه عودتها. فالسؤال ليس كيف نقضي على القبيلة، بل كيف نبني نظاماً يوفر الأمن والمعنى والتضامن على نطاق أوسع.

وهنا يبرز السؤال السياسي: كيف يتجسد هذا الصراع في الواقع؟ كيف يتعامل مشروع تحرري ينشأ في منطقة مثقلة بالحرب وانعدام الأمن مع بنى مكانة اجتماعية متجذرة؟ وهل يمكن لنظام أفقي قائم على المساواة أن يتجاوز منطق الدم والتسلسل الهرمي دون إعادة إنتاجهما بشكل جديد؟

هذه الأسئلة لا تجاب نظرياً فقط، بل عبر تجربة سياسية ملموسة كتجربة روج آفا، وهو ما يتناوله الجزء الثاني.

الجزء الثاني: روج آفا والقبائل العربية؛ مفارقة الاختيار ومنطق الأمن الاجتماعي