بين الألم والصمت... معاناة الفتيات مع الختان في السودان

يعد ختان الإناث ممارسة راسخة في بعض المجتمعات السودانية، والتي تخلف آلاماً نفسية وجسدية عميقة، ورغم القوانين والحملات المناهضة ما تزال تحديات تغيير الوعي المجتمعي قائمة وسط ظروف النزاع والاضطراب.

ميرفت عبد القادر

السودان ـ ختان الإناث في السودان يعد من القضايا المجتمعية المعقدة التي لا تزال مستمرة حتى يومنا الراهن رغم تجريمها قانونياً ورغم الجهود الكبيرة والمكثفة لإلغائها، ما إن تبلغ الطفلة في السودان سن الخامسة أو السادسة وتبدأ تدرك الأشياء من حولها، يتسلل الخوف إلى حياتها فهي الآن أصبحت في مرحلة تمارس عليها عملية الختان (عملية بتر وتشويه الأعضاء الداخلية) لمنعها من "الوقوع في الفاحشة وجلب العار" بحسب المفاهيم والمعتقدات المحلية.

قديماً كانت النساء تتباهى بختان بناتهن وتسبق عملية الختان طقوس عديدة كما العرس تماماً حيث تقوم الأسرة بدعوة الأهل والأصدقاء لحضور مراسم الختان التي يقومون فيها بذبح الماشية وإقامة الاحتفالات ويتم تجهيز الطفلة فيها كما العروس من مراسم الحناء وغيرها.

يتم تزيين الطفلة قبل حضور القابلة والتي تعرف محلياً بـ "الداية" حيث يتم إحضار ثلاث إلى أربع نساء يقمن بتثبيت الطفلة حتى لا تتحرك أثناء عملية الختان التي يطلقن عليها "الطهور" في إشارة إلى التطهر من "الفاحشة"، وأثناء هذه العملية تقوم النساء في الخارج بضرب الدفوف والغناء بصوت مرتفع حتى لا تسمع الصغيرات اللواتي لم تجرى لهن هذه العملية صوت بكاء الطفلة وصرخاتها، وفي هذه الأثناء تدخل والدة الطفلة أو من ينوب عنها ليس للتخفيف عنها بل للتأكد من أن "الداية" قد مارست الختان الفرعوني وهو أصعب أشكال الختان حيث يتم فيه بتر جزء كبير من الأعضاء التناسلية للفتيات باستخدام آلة حادة، وبذلك تضمن الأم أن ابنتها "لن تمارس الجنس" قبل الزواج.

 

مخاطر تؤدي إلى الوفاة

خطورة عملية الختان للفتيات لا تكمن فقط في صعوبة العملية أو تحمل الطفلة لألمها ولكن المخاطر تستمر مع الفتاة طوال حياتها، وهناك عدد من الفتيات فقدن أرواحهن أثناء هذه العملية الخطيرة.

بعد أن شهدت القابلة حسنة رحمة سالم وفاة عدد من الفتيات بسبب عملية الختان قامت بجمع النساء بمنطقتها بإحدى قرى مدينة المناقل بولاية الجزيرة وسط السودان لتقديم الإرشاد لهن وتوعيتهن بمدى مخاطر ممارسة هذه العادة.

وفي إفادة لوكالتنا تقول حسنة رحمة سالم، إنها تم تعيينها كقابلة في عام 1980 لتقوم بعملية الولادة الطبيعية للنساء وكذلك عمليات الختان للفتيات، مؤكدة على أن هناك العديد من الفتيات توفين بعد إجراء عملية الختان جراء نزيف حاد وأن كثير منهن فارقن الحياة قبل الوصول للمستشفيات والمراكز الصحية.

وخاطبت جموع النساء من قريتها لتعدد لهن مخاطر الختان وخاصة الختان الفرعوني على حياة الفتيات الآنية والمستقبلية، مشيرة إلى أن الختان يتسبب في أمراض الرحم وانسداد المبيضين وكذلك تعسر الولادة وموت الجنين أو الأم إضافة إلى توقف الدورة الشهرية للنساء وعدد من المخاطر والأمراض التي يسببها الختان للفتيات.

وأكدت فردوس حسن ممرضة بإحدى عيادات المنطقة، على المخاطر التي تتعرض لها الفتيات جراء الختان، من وفيات وعقم وأمراض وعسر الولادة، مشيرة إلى تراجع قليل في نسبة الختان مقارنة بالسابق حيث كان أمراً إلزامياً لكل فتاة، إلا أن هناك أسر ومجتمعات مازالت متمسكة بهذه العادة وترفض التراجع عنها، داعية نساء منطقتها إلى التخلي عن هذه العادة التي تتسبب في وفاة الفتيات أو العذاب المستمر لهن طول حياتهن.

 

تجربة مستشارة نفسية مع الختان

بصوت يملأه الحزن، تحدثت المستشارة النفسية لبنى علي محمد عن ذكرى وفاة صديقة طفولتها أثناء عملية الختان، كما أنها خسرت صديقة أخرى بعد أن أجرت عملية الولادة حيث كان سببها الأساسي عملية الختان التي تسببت في عسر الولادة.

وأوضحت أنها تأخرت في الإنجاب بعد الزواج لما يقارب العشر سنوات بسبب تعرضها لأعنف أشكال الختان في السودان وهو الختان الفرعوني الذي تسبب لها في الكثير من المشكلات في حياتها قبل وبعد الزواج، مؤكدة على مخاطر الختان الصحية على الفتيات من إجهاض متكرر وغيرها من المخاطر التي قد تنتهي بالوفاة.

وأشارت إلى أن القضاء على عادة ختان الإناث في السودان ليس بالأمر السهل فما زال المجتمع السوداني متمسكاً بها وحريصاً عليها رغم القرارات القاضية بمنعه والحملات المناهضة له من قبل المنظمات الدولية والمؤسسات النسائية.

 

إحصائيات وممارسات وقوانين

كثفت منظمات حقوق المرأة الدولية والمحلية من حملاتها الداعية للتراجع عن عادة ختان الإناث رغم رفض المجتمع لهذه الحملات فقد كانت تمارس هذه العادة سراً وبعيداً عن أعين الناس حتى لا تنتهي.

تم تجريم ختان الإناث رسمياً في السودان عام 2020 عبر المادة 141 من قانون العقوبات، حيث يواجه المتورطون في هذه لمدة الجريمة عقوبة السجن تصل إلى 3 سنوات، بالإضافة إلى الغرامة المالية وقد تشمل العقوبة إغلاق المنشآت الطبية التي تجرى فيها العملية.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن حوالي 87% من النساء والفتيات في السودان (في الفئة العمرية 15 ـ 49 عاماً) خضعن لشكل من أشكال الختان.

وفي شباط/فبراير 2026 حذرت الأمم المتحدة من أن حوالي 4.5 مليون فتاة في السودان معرضات لخطر الختان خلال هذا العام، كما أعلنت وزيرة الرعاية الاجتماعية سليمى اسحق في 8 شباط/فبراير الماضي التزامها التام بإنهاء هذه العادة بحلول عام 2030، مؤكدة على حماية حقوق الفتيات وصون كرامتهن.