إيران... البنية السياسية والاجتماعية (1)
إن النظام السياسي في إيران ليس مجرد نتاجٍ لثورة عام 1979، فالمعتقدات القديمة، واللاهوت الشيعي، والجغرافيا الكردية، والحركات السياسية الحديثة، كلها تشكّل عبر مسارٍ تاريخي طويل الديناميكيات الأساسية التي تحدد ملامح البنية السياسية الحالية للبلاد.
روجبين دنيز
مركز الأخبار ـ كانت الجغرافيا الإيرانية، قبل دخول الإسلام، منطقة تتأثر بالثقافة الآرية وتلعب فيها العديد من المعتقدات القديمة دوراً مركزياً، وتبرز على وجه الخصوص منطقة "شرق كردستان" باعتبارها جغرافيا مهمة غذّت حضارة بلاد الرافدين، وكانت مهداً لنشوء الفلسفات والمعتقدات وتطورها.
ظهرت في هذه الأرض أو وجدت فيها مجالاً لنمو ديانات مثل الزرادشتية، المزداكية، المثرائية، اليزدانية، القرمطية، البوذية والمانوية. وقد أسهمت هذه المعتقدات، في فترات متعاقبة، في إنتاج أنماط من التفكير الاجتماعي وفهم الحياة، وقدمت إسهامات مهمة في التطور الاجتماعي والفلسفي للإنسانية.
امتدّت الزرادشتية، التي تطورت في المنطقة الممتدة من زاغروس إلى همدان، لتشكّل مصدراً لنشوء الديانات التوحيدية وتطور التقاليد الفكرية في المنطقة. وفي عهد الإمبراطورية الميدية، خاضت منطقة الشرق الأوسط صراعاً من أجل إيجاد نظام جديد قائم على البنية الكونفدرالية للشعوب والقبائل بقيادة الميديين، وذلك في ظل الأزمات السياسية والصراعات التي دفعت إليها الإمبراطورية الآشورية في عموم المنطقة. وقد لعب الكرد في تلك المرحلة دوراً محورياً باعتبارهم مفتاح الحل.
لقد أسهمت الإرادة والشجاعة في الحفاظ على تماسك شعوب وقبائل ومعتقدات وثقافات مختلفة في دفع المنطقة نحو مرحلة جديدة. ومع انتشار الديانات التوحيدية، دخلت المنطقة طوراً جديداً، إلا أنّ تأثير المعتقدات القديمة ظلّ حياً داخل المجتمع لفترة طويلة، واستمرت آثار الفهم الكومينالي للحياة في الظهور. ولا تزال هذه التأثيرات حتى اليوم واضحة في بعض المناطق، ولا سيما في شرق كردستان، من خلال بصماتها الثقافية والاجتماعية.
كانت جغرافيا إيران قبل الإسلام خاضعة لهيمنة الإمبراطوريتين الفارسية والساسانية، وقد تشكّلت تحت تأثير الزرادشتية وغيرها من المعتقدات القديمة. ومع الفتوحات العربية في القرن السابع، بدأ الإسلام بالانتشار في إيران، وفي المراحل الأولى كان لمذاهب سنية مثل الحنفية حضور في بعض المناطق. أما التحول الأكبر في البنية المذهبية لإيران فقد حدث في القرن السادس عشر عندما أعلنت الدولة الصفوية المذهب الشيعي الاثني عشري مذهباً رسمياً للدولة، لتصبح إيران منذ ذلك الحين أحد أهم مراكز التشيّع.
وخلال عهد معاوية والأمويين، بدأ استخدام الإسلام لتحقيق مصالح سياسية وتجارية، وفي هذا السياق جرت محاولات لفرض الإسلام على العديد من الشعوب والمجتمعات ذات المعتقدات المختلفة. وفي فترات لاحقة، قامت الحركات الوهابية بعمليات قتل واسعة بذريعة دينية، واعتبرت الرموز العقائدية مثل الأحجار والأضرحة "ذنوباً". وقد شكّل هذا النهج ضربة قاسية للمعتقدات القديمة التي كانت راسخة لدى شعوب المنطقة، بما في ذلك إيران.
وكان الكرد من أكثر المتضررين من هذه السياسات. فقد عاشوا أولى مراحل اقتلاعهم من معتقداتهم في شرق كردستان. ويذكر الباحث موراد ختاري في كتابه الذي يتناول الفرمانات ضد الإيزيديين أن أول فرمان ضدهم وقع في كرمانشان، موثقا ذلك بالأدلة. ومن المعروف أن هذه الفرمانات التي استهدفت الكرد نُفّذت باسم الإسلام.
رموز النظام في إيران
تُعدّ ولاية الفقيه في إيران مؤسسة تشرف على مدى توافق القوانين مع الشريعة، غير أن هذا الإشراف لا يقتصر على القوانين فحسب؛ إذ يمكن للمؤسسة كما ظهر في الانتخابات الأخيرة، أن تتدخل في تقييم الهوية الدينية للمرشحين، بل وحتى التشكيك في إسلامهم عند الضرورة. ولهذا تبدو ولاية الفقيه عملياً المرجعية العليا وصاحبة القرار النهائي. وقد صاغ روح الله الخميني هذا النظام، ثم جرى ترسيخه وتحويله إلى أيديولوجيا رسمية للدولة في عهد علي خامنئي. ووفق هذا التصور، يُعدّ منصب الولي الفقيه ممثلاً للإمام المهدي إلى حين ظهوره، وتُبنى مؤسسات الدولة على هذا الأساس.
وبحسب العقيدة الشيعية الاثني عشرية في إيران، فإن الولي الفقيه بوصفه ممثلاً للأئمة؛ هو أعلى سلطة دينية، وله الكلمة الفصل في عمليتي التشريع والتنفيذ. فالقوانين التي يقرّها البرلمان لا تصبح نافذة إلا بعد مرورها عبر هيئة الرقابة المكوّنة من الفقهاء، ثم الحصول على موافقة الولي الفقيه. وحتى رئيس الجمهورية لا يباشر مهامه إلا بعد مصادقة الولي الفقيه، ومن هنا جاء مفهوم "المرشد الروحي".
أما مقتل علي خامنئي في اليوم الأول من الهجمات على إيران في 28 شباط/فبراير الفائت، فقد شكّل نقطة تحوّل كبرى في تاريخ حكمه الممتد 37 عاماً، وفي مسار الجمهورية الإسلامية الممتد 47 عاماً. مثل هذا الحدث يضع إيران على عتبة مرحلة سياسية وأيديولوجية جديدة بالكامل.
الحقوق وتقاسم السلطة
تعمل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في إيران ضمن هذا الهيكل الثلاثي. ويُمثَّل في البرلمان مختلف مناطق البلاد وشرائح المجتمع. يتكون البرلمان الإيراني من 290 نائباً. وفي النظام الإداري الإيراني لا تعد "كردستان" منطقة موحّدة، بل يُنتخب النواب من محافظات ومدن مختلفة مثل كرمانشانه، أورمية، سنه وهمدان. ويبلغ عدد النواب الذين يُمثّلون المناطق ذات الكثافة الكردية نحو 47 مقعداً. ويقوم النظام الانتخابي على أساس الهوية المشتركة وهي المواطنة الإيرانية، لا على أساس الانتماء العرقي أو الديني، إلا أن النواب المنتخبين من هذه المناطق يُنظر إليهم فعلياً كممثلين للسكان الكرد.
كما تحظى منطقة بلوشستان بتمثيل في البرلمان، ويُخصص لها نحو 8 مقاعد، وإلى جانب ذلك، تتمتع بعض الأقليات الدينية في إيران بحق التمثيل البرلماني الخاص؛ إذ يُمثَّل الزرادشتيون واليهود والمسيحيون كلٌّ منهم بنائب واحد.
ويتضمن الدستور الإيراني مادتين تتعلقان بوضع الأقليات العرقية والثقافية، وهما المادتان 15 و19، وتنصّان على ما يلي:
ـ اللغة الرسمية والخط الرسمي لإيران هو الفارسية، وهي لغة التواصل المشترك بين الشعب. وتُكتب بها الوثائق الرسمية والمراسلات والكتب المدرسية. ومع ذلك، يُسمح باستخدام اللغات الإقليمية والقبلية في الإعلام ووسائل الاتصال الجماهيري، كما يُسمح بتدريس آداب هذه اللغات في المدارس.
ـ جميع أبناء الشعب الإيراني متساوون في الحقوق، بغضّ النظر عن انتمائهم العرقي أو القبلي؛ ولا تُعدّ الفوارق في اللون أو العرق أو اللغة سبباً لأي امتياز أو تمييز.
المذهب الرسمي لإيران هو "الشيعة الاثنا عشرية"، إلى جانب وجود مسلمين سنّة. كما يعيش في البلاد يهود ومسيحيون وزرادشتيون، ويُعترف بهم كأقليات دينية رسمية. غير أن هذه الحقوق الدستورية والتمثيلية غالباً ما بقيت حبراً على ورق، إذ إن تطبيقها على أرض الواقع محدود للغاية. ولهذا تُوجَّه انتقادات واسعة لعدم الاعتراف الكافي بحقوق الأقليات، ووجود ممارسات تمييز وتهميش. ويُعدّ الكرد والبلوش وبعض الجماعات الدينية من أكثر الفئات تعرضاً لانتهاكات الحقوق في هذا السياق.
توزيع السكان
يبلغ عدد سكان إيران نحو 92 مليون نسمة، وذلك استناداً إلى بيانات التعداد السكاني في السنوات الأخيرة. وعند النظر إلى التوزيع العرقي، يشكّل الفرس أكبر مجموعة سكانية، إذ يقدر أنهم يشكلون حوالي 50% من إجمالي السكان. ويأتي بعدهم من حيث العدد كل من الأذريين، الكرد، العرب والبلوش. كما توجد في البلاد مجموعات عرقية أخرى مثل التركمان والقشقاي. ويُشار أيضاً إلى أن جزءاً مهماً من اللور يُعدّ من أصول كردية.
وتوجد تقديرات مختلفة بشأن أعداد المجموعات العرقية في إيران. فيُقال إن عدد الأذريين يبلغ نحو 15 مليوناً، بينما يقدر عدد البلوش بحوالي مليوني نسمة، والعرب بنحو 3 ملايين. أما عدد الكرد فيقدر بين 12 و15 مليون نسمة.
وفي تقرير مكتوب قدّمه مركز زاغروس لحقوق الإنسان وهو منظمة حقوقية مقرها سويسرا ولها صفة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC)، إلى الأمين العام للأمم المتحدة خلال الدورة 57 لمجلس حقوق الإنسان (UNHRC)، تم التأكيد على أن " الكرد يشكّلون في إيران نحو 16% إلى 17% من السكان، أي ما يعادل تقريباً 14 إلى 15 مليون شخص".
ويتركز الوجود الكردي بشكل رئيسي في محافظات أذربيجان الغربية، كردستان، كرمانشان، إيلام، لورستان وهمدان. كما توجد في محافظة خراسان أيضاً كتلة سكانية كردية مهمة، وتُعدّ هذه المنطقة تاريخياً من المواطن المعروفة للاستيطان الكردي.
الولايات والجغرافيا الكردية
تتكوّن إيران إدارياً من 31 ولاية (أستان). وتشمل هذه الولايات مناطق مثل كردستان، كرمانشان، إيلام، كولستان، أذربيجان الشرقية، أذربيجان الغربية، أردبيل، أصفهان، ألبرز، بوشهر، طهران، جهارمحال وبختياري، خراسان الجنوبية، خراسان الشمالية وخراسان الرضوية. ولكل ولاية مركز إداري وبنية حكم محلية خاصة بها.
وبحسب النظام الإداري الإيراني، فإن مدناً مثل مهاباد، بوكان، سردشت وبيرانشار لا تتبع ولاية كرمانشان، بل تقع ضمن حدود ولايات أخرى. وفي التصنيف الإداري الرسمي لإيران لا تعرف هذه المدن مباشرةً على أنها مناطق كردية، إذ يعتمد النظام على التقسيم الولائي لا القومي. ومع ذلك، توجد ولاية باسم "ولاية كردستان"، وعاصمتها مدينة سنه. تاريخياً، كان لأسرة أردلان الكردية نفوذ واسعة في هذه المنطقة، ولذلك ما زالت بعض المجتمعات في سنه ومحيطها تعرف نفسها بهوية "أردلاني".
أما منطقة مُكريّان، فهي موطن لعدة شعوب، إذ يعيش فيها الأذريون والأرمن والآشوريون، لكن غالبية سكانها من الكرد. ويعود اسم مكريان إلى عشيرة مُكري الكردية التي لعبت دوراً مهماً في التاريخ الاجتماعي والسياسي للمنطقة.
وتُعدّ الشكّاك واحدة من أكبر الكونفدراليات العشائرية الكردية، وتنتشر في شرق كردستان في مناطق أورمية، سلماس وخوي، إضافة إلى امتدادها في شمال كردستان حتى وان، جولميرك وجزيرة. وقد عُرفت هذه الكونفدرالية باسم "الشكّاكية"، وكان يقودها أولاً جعفر آغا ثم سمكو شكّاك. ويحتل سمكو مكانة بارزة في تاريخ الانتفاضات الكردية، إذ كان هدفه إقامة كردستان مستقلة. وكان يرى ضرورة تطوير النضال العسكري والسياسي معاً، كما أولى أهمية كبيرة للغة الكردية والتعليم، فافتتح مدارس كردية في المناطق التي سيطر عليها، وسعى إلى بناء تحالفات تجمع الحركات والتنظيمات الكردية.
وفي بدايات القرن العشرين، قاد سمكو انتفاضة ضد الحكم الإيراني، لكنه قُتل في مدينة أشنو (أوشنو/أشنوية) خلال اجتماع دعا إليه مسؤولون إيرانيون للتفاوض. وبعد مقتله، ظهرت في شرق كردستان وخاصة في مناطق تابعة لأذربيجان الجنوبية تجمعات سكانية تُعرف باسم "الشكّاك".
وإلى جانب ذلك، يضم شرق كردستان عدداً من العشائر الكردية البارزة مثل الجلاليين، الهركيين، الميليانيين، بكزاد، والسادة.
التوزيع الإداري للمناطق الكردية
تضمّ ولاية كردستان عدداً من المدن الرئيسية، من بينها: سنه، بانه، بازيَرغان، بيجار، ديواندره، كامياران، مريوان، قروه، صاحب، سقز، سلوانه ودهكلان. وتقع هذه المدن إدارياً ضمن حدود ولاية كردستان.
وبحسب الخريطة الإدارية الرسمية لإيران، فإن أورمية والمناطق المحيطة بها تتبع ولاية أذربيجان الغربية. وتشمل هذه الولاية مدناً مثل: أورمية، بيرادوس، بوكان، جالديران، دشتي بيل، ديلميقان، أنزل، كوتول، ماكو، مهاباد، ميركور، محمديار، مياندوآب، نازلو، نقده، بيرانشار، بولدشت، قره ضياء الدين، ربط، سلماس، سردشت، صوما، شاهين دج، شينو، شوت، تيكاب، تيركور وخوي. وكل هذه المناطق تتبع إدارياً ولاية أذربيجان الغربية.
أما ولاية كرمانشاه فهي وحدة إدارية مستقلة، وتشمل مدناً ومناطق مثل: كرمانشان، بيستون، جوانرو، كيلان، هرسين، هيميل، كنغاور، كرين، كوزران، ماهيدشت، نوسود، نودشه، باوه، قصر شيرين، روانسر، سحنه، ثلاث، سربيل ذهاب، صنكور، شاباد، تازه آباد ودالاهو.
وفي ولاية إيلام توجد مدن مثل: أسمان آباد، آبدانان، بدره، جرداول، جوار، ديليران، درّه شهر، إيوان، ملكشاه، ميمه، مران، مورموري، سراب باغ، شيروان، زرين آباد وزرنه.
وفي ولايات خراسان الثلاث يُقدّر عدد الكرد بنحو مليون ونصف. كما يُقال إن نسبة الكرد في ولايتي جهار محال وبختياري تبلغ حوالي 60%. أما في طهران، فيُقدّر عدد السكان الكرد بنحو 500 ألف.
وبذلك يتبيّن أن الكرد في إيران موزّعون إدارياً على عدة ولايات مختلفة، ولا تُعرّف هذه المناطق رسمياً على أنها "مناطق كردية". ويرتبط هذا الأمر بنهج الدولة الإداري والسياسي، إذ يقوم النظام الإداري الإيراني على أساس الولايات والمدن، لا على أساس الهويات القومية أو العرقية.
الديانات المتشكّلة وتلك التي عُدّت مفقودة
تعيش في منطقة كرمانشان عشائر كردية عديدة مثل اللك، اللور، الجاف، الكلهور، السنجابي والزنكنة. وينتمي جزء كبير من هذه المجموعات إلى ديانة اليارسان (أهل الحق).
وتشير المصادر التاريخية إلى أن إحدى أولى الهجمات الكبرى ضد الإيزيديين وقعت في القرن السابع، حوالي سنة 640، في محيط كرمانشان. وفي الفترات اللاحقة، تعرّض الإيزيديون الكرد لعدد كبير من الهجمات والفرمانات. ويُقال إن بعض المجموعات الكردية هاجرت من شرق كردستان نحو شمال كردستان نتيجة هذه الضغوط.
في المراحل الأولى من الإسلام، كان هناك فهم أكثر مساواة وجماعية، لكنه تغير مع الزمن، وخصوصاً في الجغرافيا الإيرانية حيث تشكّل بناء ديني وسياسي جديد على أساس الشيعة والسنة. وفي هذا السياق، تعرّض الكرد من أصحاب المعتقدات المختلفة لسياسات الضغط وفرض الأسلمة بالقوة. وضمن السياسات الرسمية، صنف الكرد الفيلية في كرمانشان والمناطق المحيطة بها على أنهم "أكراد شيعة". ويعيش الفيلية اليوم بشكل رئيسي في العراق خصوصاً في ديالى وبغداد، وفي إيران ضمن ولايتي كرمانشان وإيلام. وقد تعرّض الفيلية عبر التاريخ لاضطهادات وعمليات تهجير وانتهاكات سواء من نظام البعث في العراق أو من السلطات الإيرانية في فترات مختلفة. ويُقال إن جزءاً مهماً من الفيلية كان يتبع ديانة اليارسان، لكن مع صعود الإسلام السياسي وتزايد الضغوط الدينية والسياسية وأحياناً المجازر، واجه الفيلية، مثل غيرهم من الجماعات الكردية، عمليات أسلمة قسرية.
ورغم أن النظام الإيراني لم يرفض رسمياً وجود الأقليات الدينية مثل المسيحيين والزرادشتيين، إلا أن الممارسات العملية تجاه هذه المجموعات كانت في الغالب سلبية. فقد واجهت هذه الأقليات ضغوطًا ومنعاً وتهميشاً، وتعرّضت حقوقها للتقييد، كما عانت من الإقصاء الاجتماعي. وفي المجال التعليمي، فُرضت قيود كبيرة على الأفراد المنتمين لهذه المعتقدات. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في بعض الأعمال السينمائية والإعلامية التي تُظهر خطاباً يُهمّش الأقليات الدينية. وقد استُخدمت هذه الإنتاجات الثقافية والإعلامية لنشر صورة سلبية عن هذه المعتقدات، بما يعكس سياسة الدولة في التعامل معها وآليات الضغط المطبّقة على أتباعها. ويُشار إلى أن الدولة كثيراً ما وصفت هذه الديانات بأنها "منحرفة" أو "فاقدة للأخلاق"، وسعت عبر الفن والإعلام إلى خلق ردود فعل اجتماعية وأحكام مسبقة ضدها.
الأحزاب والتنظيمات السياسية في إيران
توجد في إيران عدة أحزاب وتنظيمات سياسية نشطة. ومن أقدمها حزب توده الذي تأسس عام 1941. وقد اعتبر في ذلك الوقت أحد أكبر الأحزاب السياسية في البلاد، وكان ذا تأثير واسع داخل الحركة العمالية والأوساط الثقافية، مع تبنّيه أيديولوجيا شيوعية ماركسية ـ لينينية. وبعد الانقلاب على رئيس الوزراء محمد مصدق عام 1953، تعرّض الحزب لقمع شديد وتقييد كبير في نشاطه.
وفي سبعينيات القرن الماضي ظهرت تنظيمات يسارية مختلفة في إيران. من أبرزها منظمة فدائيي خلق (فدائيان خلق)، التي ظهرت عام 1971 كحركة يسارية مسلّحة تعتمد على الفكر الماركسي.
وفي الفترة نفسها ظهر تنظيم آخر مهم هو مجاهدي خلق (MEK)، الذي تأسس عام 1965، وتبنّى مزيجاً من الفكر الإسلامي والأفكار الاشتراكية، وعرّف نفسه أحياناً بأنه حركة "إسلامية اشتراكية". ويُعدّ مسعود رجوي أحد أبرز قادته، ورغم غيابه الطويل عن الظهور العلني، لا يزال اسمه يُذكر في بيانات التنظيم.
وقد تعرّض أعضاء مجاهدي خلق لقمع واسع، خصوصاً خلال إعدامات السجناء السياسيين عام 1988، حيث أُعدم آلاف المعتقلين السياسيين، ويُعدّ ذلك من أكثر فترات القمع دموية في تاريخ إيران.
وفي السنوات اللاحقة، عاش عدد كبير من أعضاء التنظيم في معسكر أشرف في العراق، ثم في معسكر ليبرتي. ومع التطورات السياسية والأمنية في العراق، أُغلقت هذه المعسكرات، ونُقل معظم أعضاء التنظيم إلى ألبانيا بدءاً من عام 2016.
وتتولى اليوم مريم رجوي، زوجة مسعود رجوي، القيادة الفعلية للتنظيم. وقد دعت في عدة تصريحات إلى إقامة نظام ديمقراطي في إيران، وأبدت في بعض خطاباتها موقفاً إيجابياً تجاه حقوق الكرد ومطالبهم المتعلقة بالإدارة المحلية.
غداً: الانتفاضات الشعبية في إيران ومقاومة "Jin Jiyan Azadî"