زواج القاصرات بوابة إلى الاستغلال الجنسي

تُدفع الفتيات القاصرات في كرماشان منذ طفولتهن إلى البغاء تحت غطاء الزواج الشرعي وسط غياب القوانين الداعمة والملاجئ الآمنة، هذه الظاهرة تهدد مستقبل جيل كامل وتكشف عن أزمة اجتماعية عميقة تتجاهلها السلطات.

نسيم أحمدي

كرماشان ـ قضية استغلال الفتيات القاصرات في كرماشان أزمة صامتة قلّما يُكشف عنها، لكنها واقع مرير لا يمكن إنكاره، واقع يفضّل المجتمع والسلطات غضّ الطرف عنه، بينما تُعرض طفلة صغيرة أمام أعين الجميع وكأنها سلعة للبيع.

تنتمي رويا. ح إلى أسرة من الكاولية "جماعة رحّل في كرماشان"، زُوِّجت لرجل، لكنها أُجبرت لاحقاً على معاشرة آخرين أيضاً، هذه الممارسات شائعة في مجتمعها، إذ إن معظم الفتيات اللواتي تعرفهن مررن بتجارب مشابهة، في ذلك الوسط، يبدأ استغلال الفتيات عبر العلاقات الجنسية القسرية منذ سن مبكرة جداً، أحياناً من عمر عشر سنوات أو أقل.

وتروي سمیرا. ق، الممرضة المناوبة آنذاك في مستشفى محمد كرماشاني "منذ اللحظة الأولى، لم تبد رويا. ح كمن يعاني من مرض، بل كمن أثقلته متاعب الحياة؛ كانت مرهقة من أهلها اللذين كلما حضروا لزيارتها، كانت الأعراض التي تدّعيها تزداد شدّة".

وأوضحت أن "رويا. ح لم تكن الحالة الوحيدة التي صادفتها، فكل شهر يصل إلى المستشفى عشرات الأطفال دون الخامسة عشرة وهم يعانون من التهابات حادة وأمراض منقولة جنسياً، بل إن بعضهم مرّ بتجربة الإجهاض، في قسم الطب النفسي نحاول عبر التوعية أن نشرح لهؤلاء الصغار ضرورة رفض مثل هذا المصير، لكن غياب التشريعات الداعمة وانعدام المؤسسات الحامية جعلهم عرضة للاستغلال الجنسي والبغاء، إذ لا يجدون خارج البيت أي مأوى آمن، وحتى مؤسسة الرعاية الاجتماعية لم توفر خطة أو إمكانات تتيح لنا إنقاذهم من قبضة أسرهم"، مشيرةً إلى أنه "بسبب ذلك نضطر بعد فترة علاج قصيرة إلى إعادتهم لأسرهم، ليعودوا مجدداً إلى نفس الدائرة السابقة من حياتهم".

القوانين التي تسمح بزواج الفتيات في سن الثالثة عشرة وفّرت أرضية خصبة لاستمرار هذه الظاهرة، حيث تُدفع الكثير من الطفلات في الطبقات الفقيرة إلى الدخول في دائرة من المعاملات تحت غطاء الزواج أو الصيغة الشرعية، وبدل أن يعشن طفولتهن ويتابعن تعليمهن، يجدن أنفسهن محاصرات بمسؤوليات ثقيلة وعلاقات غير متكافئة، هذه التجارب المبكرة تخلّف آثاراً نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة، وتنتج جيلاً هشّاً يظل عالقاً في دوامة الفقر والتهميش.

وفي هذا الإطار، قالت مرضیة. ث، الناشطة في مجال حقوق الطفل إن "ظاهرة البيدوفيليا للأسف أدت إلى ارتفاع خطير في الطلب على الطفلات تحت غطاء الصيغة الشرعية، ففي كرماشان، تُدفع العديد من الفتيات منذ سنوات طفولتهن الأولى، في أحياء مثل الآغا خان، سرجشمه، أبريشم، إلى طريق الاستغلال الجنسي من قبل أسرهن".

وأضافت أن الكثير من هؤلاء الطفلات تُجبر أمهاتهم على البغاء، مما جعل هذه الممارسة تتحول إلى ما يشبه الإرث العائلي، وفي حالات عديدة، يكون الأب حاضراً أو مشرفاً على استغلال زوجته وطفلته، إذ إن عدداً كبيراً من هؤلاء الآباء يعانون من الإدمان، ولا يجدون وسيلة لتأمين حاجتهم من المخدرات سوى عبر المتاجرة بجسد الزوجة أو الابنة.

وإن غياب المؤسسات الرقابية والداعمة في مجال حماية حقوق الطفل جعل من المستحيل اتخاذ أي خطوات وقائية أو إصلاحية لوقف استغلال الأطفال في البغاء بمدينة كرماشان، ويُضاف إلى ذلك أن القوانين التي تسمح بزواج الفتيات في سن الثالثة عشرة تُعد من أبرز العوامل التي تغذي هذه الظاهرة، إذ إنها لا تكتفي بتجاهل حقوق الطفولة، بل تمنح المستغلين غطاءً قانونياً يتيح لهم الاستمرار في هذه الممارسات وتوسيع نطاقها.

إلى جانب المؤسسات الرسمية، تسعى بعض المنظمات غير الحكومية إلى تقديم برامج تعليمية وداعمة وخدمات تهدف إلى تمكين الأطفال الأكثر عرضة للخطر، ومع ذلك، فإن محدودية إمكانات مؤسسة الرعاية الاجتماعية ونقص الملاجئ الآمنة ما زالا يشكلان عقبة كبيرة أمام توفير حماية مستمرة لهؤلاء الصغار، وفي ظل هذه التحديات، يبرز دور المجتمع المدني والمبادرات الاجتماعية كعنصر أساسي لسد الثغرات القائمة في منظومة الدعم.

وتحت وطأة الضغوط الاقتصادية ونقص الموارد، تجد كثير من المنظمات غير الحكومية نفسها عاجزة عن تقديم دعم واسع وفعّال للأطفال المعرّضين للخطر. هذا العجز، إلى جانب ضعف البنية التحتية للحماية، يترك هؤلاء الأطفال بلا سند أمام التحديات الاجتماعية، ويجعل الفتيات الصغيرات على وجه الخصوص أكثر عرضة للاستغلال الجنسي والبغاء؛ واقع يهدد مستقبلهم الفردي ويُلقي بظلال ثقيلة على المجتمع بأسره.

فكم عدد الفتيات القاصرات في كرماشان اللواتي أُجبرن أو دفعتهن الظروف إلى البغاء؟ غياب آليات رسمية لرصد هذه الظاهرة وعدم تسجيل عقود الزواج المؤقتة يحول دون وجود إحصاءات دقيقة، ومع ذلك فإن ارتباط الظاهرة بأطفال العمل يتيح استخدام أعدادهم كمؤشر تقريبي، فبينما تشير البيانات الحكومية إلى وجود ما بين 800 و1000 طفل عامل في كرماشان، قدرت وكالة فراتاب في تقريرها الصادر في كانون الثاني/يناير 2025 العدد بنحو 44 ألف طفل، وإذا كان ثلث هؤلاء من الفتيات، واضطر جزء منهن إلى البغاء، فإننا أمام أرقام صادمة تكشف عن أزمة اجتماعية عميقة تُنكرها السلطات.

وبيّنت مرضیة. ث أن استغلال الفتيات القاصرات في البغاء والطلب الكبير عليهن يمثل أحد أخطر الجروح الاجتماعية في المنطقة "يخلق الطلب الخفي والمنظم على استغلال الأطفال دائرة مريضة تتسع يوماً بعد يوم"، مؤكدةً أنه إذا استمر هذا المسار، فلن تقتصر نتائجه على الضحايا المباشرين، بل سيجد المجتمع نفسه أمام جيل نشأ منذ طفولته على البغاء ولم يعرف وسيلة أخرى للعيش.