ثورة Jin Jiyan Azadî تعيد وحدة الشعب الإيراني وتفشل سياسات التفرقة

خلال العقود الأخيرة، تصاعدت في إيران مطالب تدعو إلى ديمقراطية قائمة على الإدارة الذاتية واحترام التنوع الاجتماعي، في مواجهة الدولة القومية المركزية التي عجزت عن تلبية احتياجات المجتمع، فيما تقدمت النساء الصفوف الأمامية، مؤكدات أن تحريرهن شرط لتحرر المجتمع

توار كرمشان

مركز الأخبار - الديمقراطية تعني الإدارة الذاتية للمجتمع، ولآلاف السنين اتسمت جغرافية إيران بأنظمة إدارية قائمة على الكونفدرالية الديمقراطية، في هذا النظام شاركت كل قبيلة ومجتمع في إدارة شؤون البلاد من خلال التمثيل، ولم يكن لأي فئة تفوق على أخرى، وكان التعايش الديمقراطي أحد المبادئ الأساسية للحياة الاجتماعية في هذه الأرض، ولا معنى للديمقراطية إلا في سياق احترام التنوع الاجتماعي والتعددية، فالتنوع والثراء الجغرافي والثقافي والديني واللغوي والقومي لا يستلزم المركزية فحسب بل يعكس أيضاً الطبيعة الديمقراطية لهذه الأرض.

إيران مهد الحضارة والإنسانية والعيش فيها مع الحفاظ على وجودها حقٌ أصيلٌ لكل فردٍ وشعب، لا فرق جوهري بين الشعوب الإيرانية ولا يمكن أن يكون، فقد عاشت شعوب إيران جنباً إلى جنب لقرون، دون أي تفوق لغوي أو ديني أو ثقافي على آخر ودون أن يُعرَّف شعبٌ بأنه المركز والآخرون على الهامش، أو يُجبروا على الخضوع للمركز، إن فرض نظام مركزي استبدادي في مثل هذه الأرض لا يُلبي احتياجات المجتمع، لأن هذا النوع من الحكم يتناقض تناقضاً صارخاً مع طبيعته الاجتماعية.

لأكثر من ألفي عام وفي فترات وأشكال مختلفة بُذلت محاولات لإدارة المجتمع الإيراني وفق نموذج الدولة القومية، إلا أن هذا النموذج عجز دائماً عن تلبية المطالب الحقيقية للمجتمع، ولذلك قاوم المجتمع لا سيما النساء، هذه العقلية، وطالبن بالتغيير في كل مرحلة تاريخية، في عام 2022 انطلقت ثورة نسائية عابرة للحدود بقيادة النساء تحت شعار Jin Jiyan Azadî تردد هذا الشعار من شرق كردستان، ووصل صداه إلى طهران وبلوشستان وتبريز، أثارت وحدة الشعب الإيراني خوفاً عميقاً في أوساط السلطة، واليوم وبعد أن أثمرت هذه الثورة بدأت أيضاً في طهران وانعكست آثارها في إيلام وكرماشان، ورغم محاولات الحكومة والحركات الملكية تصوير مطالب الشعب الكردي على أنها نزعة انفصالية، إلا أن تضامن الشعب الإيراني ووحدته قد أفشلا هذه السياسة غير الأخلاقية وجعلاها بلا جدوى.

في جميع الانتفاضات والثورات التي شهدتها إيران، كانت النساء دائماً في طليعة النضال ويعود ذلك إلى السياسات القائمة على الدولة القومية التي كانت ذات طابع جنسي وقومي، حيث كان قمع النساء وكراهيتهن من أولوياتها الرئيسية، ولهذا السبب أصبحت النساء عن وعيٍ طليعة الانتفاضات والثورات، فهنّ يدركن تماماً أن أصل العديد من الأزمات الاجتماعية بما فيها الفقر والفساد والأزمات الأخلاقية والثقافية وأزمات الهوية، يكمن في استعباد النساء وقمعهن، وأنه ما لم تتحرر النساء لن ينال المجتمع حريته، إن شعار Jin Jiyan Azadî ليس مجرد شعار بل هو انعكاسٌ لهذا الواقع الاجتماعي العميق.

سعت العديد من حركات المعارضة والفصائل الحكومية وغير الحكومية، داخل البلاد وخارجها إلى اختزال هذه الثورة إلى مجرد قضية حرية اللباس وصرفها عن مسارها الأساسي، ورغم أن قضية لباس المرأة في إيران تُعدّ مشكلة خطيرة تُقمع من خلالها حرية إرادة المرأة وفكرها، فإن وجود النساء بمختلف أنواع اللباس بمن فيهنّ من يرتدين الحجاب في انتفاضتي عام 2022 وهذا العام يُظهر أن قضايا المرأة تتجاوز بكثير التعريفات الأخلاقية التي تفرضها الجمهورية الإسلامية.

الثورة التي بدأت في نهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي لا سبيل للتراجع عنها، لقد تحولت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى آلة قمع وقتل للشعب، وخاصة النساء وكشفت مجدداً عن وجهها الفاشي العنيف للشعب الإيراني وللرأي العام العالمي من خلال مذبحة راح ضحيتها المئات بمن فيهم أطفال، إن قطع الإنترنت لعدة أيام محاولة واضحة لإسكات صوت المجتمع المطالب بالحرية، ومع ذلك سيجد هذا النظام دائماً ذريعة للقتل والقمع، قد تعاني الطبقات الثرية بشكل أقل لكن شرائح المجتمع الأخرى سواءً كانت حاضرة في الشوارع أم لا، واجهت وستظل تواجه أشكالاً مختلفة من القمع والفقر والسجن والتعذيب والموت، إن إيقاف ثورة Jin Jiyan Azadî يعني موتاً أوسع وأعمق، في هذه الأثناء يواجه المجتمع خياراً واضحاً حياة حرة أو موت تدريجي، الموت في سبيل الحرية والشرف أثمن بكثير من العيش في ذل وقمع، لذلك يجب ألا نسمح لهذه الثورة بالخمود أو الانهيار.

لا شك أن الشعب الإيراني البطل ونساءه الشجاعات، من طهران وكراج إلى إيلام وكرماشان ومن بلوشستان والأهواز إلى تبريز وأورمية قد دفعوا ثمناً باهظاً خلال الأيام الماضية، والآن يقع على عاتق الجميع واجب التمسك بذكرى من ضحوا بحياتهم من أجل الحرية، وحماية معاناتهم وتضحياتهم، سنقف إلى جانب شعبنا حتى تتحقق الحرية، إن الشعب الإيراني المحب للحرية نظير ما قدمه من تضحيات بدمائه وأرواحه، يستحق أن يتولى زمام أمور مجتمعه، لا ينبغي السماح لمن لا يفهمون ألم ومعاناة الشعب الإيراني أن يدّعوا تمثيله من الخارج، يجب أن ينبع الممثلون الحقيقيون من صميم المجتمع، وأن يكونوا واعين، وكفؤين، ومستقلين، ليتمكنوا من حماية معاناة الشعب وتحقيق مطالبه.

إنّ العقلية التي تحكم الجمهورية الإسلامية والحركات الملكية تقوم على نموذج الدولة القومية والجيش المركزي، بشعارات دين واحد ولغة واحدة وعلم واحد، في حين أن جغرافية إيران غنية بالتنوع والتعددية، ولا يمكن حكمها من خلال إدارة مركزية، إن تجاهل هذا التنوع سيمهد الطريق لأزمات مستقبلية، بل وحتى انتفاضات وثورات، لأن الشعوب التي لطالما عانت من التهميش لن ترضى بعد الآن بتكرار هذا الوضع، ولا تزال المرأة الإيرانية، بشجاعتها التي أبدتها عبر التاريخ قادرة اليوم من خلال حماية حقوقها على إكمال النضال من أجل حياة حرة وحكومة شعبية ذات منظور أنثوي.

في استمرار هذه الثورة، يُعدّ التعاون الجماعي والتنظيم في لجان وبطريقة موحدة في الشوارع ضرورة لا غنى عنها، ويُعتبر الحذر من تأثير العناصر الانتهازية والجواسيس، ومواجهة الشعارات والاتجاهات التي تسعى إلى إثارة الفتنة وإعادة إنتاج خطاب الملكية، أمراً بالغ الأهمية، وعلى وجه الخصوص يجب التنبه واليقظة تجاه السياسات التفرقة بين المركز والمناطق الطرفية مثل بلوشستان وكردستان، وكما أظهرت النساء والشعب في ثورة Jin Jiyan Azadî رغبتهم في استعادة حريتهم وحقوقهم دون قبول أي تمييز قومي أو ديني أو ثقافي، فإنه اليوم أيضاً بقيادة النساء واستمرار هذا الشعار يمكن تحييد هذه السياسات اللاأخلاقية، لن تنال طهران وتبريز وبلوشستان وخوزستان وكردستان حريتها إلا معاً، لأن الحرية لن تتحقق بمطالبة جزء من الشعب بها، ولا شك أن الحياة الحرة حق لجميع شعوب إيران والنصر قريب.