'شعار Jin Jiyan Azadî نقطة تحوّل في تاريخ الاحتجاجات الإيرانية المعاصرة'

أصدرت مجموعة من الناشطات النسويات الإيرانيات في المهجر، بياناً جماعياً دعين فيه إلى مواجهة العنف والتمييز والاستبداد، مؤكدات أن الخطاب النسوي لم يعد مجرد مطلب هامشي أو قضية منفصلة، بل تحوّل إلى منطق سياسي بديل لتنظيم المقاومة الاجتماعية في إيران.

مركز الأخبار ـ تواجه الحركات النسوية في إيران قمعاً متزايداً يتجلى في الاعتقالات وفرض الحجاب الإلزامي والمراقبة الأمنية المكثفة، غير أن تناول قضاياهن بمعزل عن الاقتصاد السياسي يُقدّم صورة ناقصة، إذ إن التفاوت بين الجنسين في إيران لا يُختزل في القوانين الثقافية أو الدينية فحسب، بل يرتبط بشكل عميق بالبنية الاقتصادية.

شددت مجموعة من الناشطات النسويات الإيرانيات في المهجر، في بيان جماعي صدر اليوم السبت السابع عشر من كانون الثاني/يناير؛ على ضرورة مواجهة العنف والتمييز والاستبداد، مشيرات إلى أن هذا البيان لا يقتصر على كونه موقفاً أخلاقياً أو تعاطفاً رمزياً، بل يعكس تحوّلاً نوعياً في مسار الاحتجاجات داخل إيران، فقد تجاوزت النسوية حدود كونها مطلباً هامشياً أو قضية منفصلة، لتتبلور اليوم كمنطق سياسي بديل يؤسس لطرق جديدة في تنظيم المقاومة الاجتماعية.

وجاء في نص البيان "في العقود الماضية، اختزلت العديد من الاحتجاجات الاجتماعية في إيران إلى مطالب اقتصادية أو بقيت ضمن إطار مطالب سياسية ضيقة، إلا أن الحركة النسوية أتاحت صياغة خطاب سياسي قادر على تجاوز مختلف مستويات القمع، من قضايا النوع الاجتماعي والجسد إلى الاقتصاد والحريات المدنية، هذه القدرة على الربط بين هذه القضايا هي التي جعلتها أحد أهم مصادر الخطاب للمقاومة المدنية في إيران اليوم".

وأوضح البيان أنه في نظريات العلوم الاجتماعية المعاصرة لا يقتصر العنف على الفعل الجسدي أو القمع الصريح "يُبين يوهان غالتونغ من خلال طرحه مفهوم العنف البنيوي، كيف يمكن تنظيم الأنظمة القانونية والاقتصادية والثقافية بطريقة تحرم بشكل منهجي فئات معينة من إمكانية التمتع بحياة متساوية، وفي إيران يُعد التمييز المؤسسي بين الجنسين بدءاً من قوانين الأسرة والميراث وصولاً إلى القيود المهنية والحجاب الإلزامي، أمثلة واضحة على هذا النوع من العنف".

وأكد البيان أنه من خلال التركيز على هذه الطبقات الخفية للعنف، استطاعت الحركة النسوية الإيرانية خلق لغة مشتركة بين مختلف تجارب القمع، فغالباً ما تتداخل تجارب النساء في السيطرة على أجسادهن، وانعدام الأمن الاقتصادي، والإقصاء السياسي مع تجارب الفئات المهمشة الأخرى، لذا يمكن أن تصبح النسوية إطاراً تحليلياً لفهم منظومة القمع برمتها بدلاً من كونها مطلباً محدداً.

ولفت البيان إلى أن شعار Jin Jiyan Azadî شكّل نقطة تحوّل في تاريخ الاحتجاجات الإيرانية المعاصرة، إذ أظهر كيف يمكن لمطلبٍ يبدو ظاهريًا مرتبطًا بالنوع الاجتماعي أن يصبح رمزاً محورياً لحركةٍ وطنية، في أدبيات الفلسفة السياسية يُشار إلى هذا النوع من العمل بـ "سياسة الحياة" وهي سياسة تُركّز على الحياة اليومية، والجسد، والكرامة الإنسانية، في مقابل منطق الموت والإبادة والقمع العنيف "لا تُعتبر المرأة مجرد هوية بيولوجية، بل رمزاً لجسد مُسيطر عليه، وحياة مُقيدة وحرية مُؤجلة، هذا المعنى المُوسع جعل هذا الشعار قابلاً للتطبيق على نطاق أوسع من النساء، ليشمل الشباب والأقليات وحتى الطبقات الدنيا، وبهذا المعنى انتقلت الحركة النسوية من هامش السياسة إلى مركزها".

 

الجسد كساحة للصراع السياسي

وبينت النسويات في بيانهن أنه في العديد  من الأنظمة الاستبدادية يصبح الجسد أحد أهم ميادين ممارسة السلطة، يستخدم ميشيل فوكو مفهوم "السلطة البيولوجية" لشرح كيف تعيد الدول إنتاج نظامها السياسي المنشود من خلال السيطرة على الأجساد والملابس والخصوبة والحركة وحتى المتعة، وتُعدّ السياسات التي تحكم أجساد النساء في إيران مثالاً واضحاً على هذا المنطق البيوسياسي "لقد تحدّت الحركة النسوية الإيرانية هذا المنطق من خلال تسييس الجسد، فالاحتجاج على الحجاب الإلزامي ليس مجرد معارضة لقانون محدد، بل هو إنكار لحق الدولة في امتلاك أجساد مواطناتها، من هذا المنظور يصبح جسد المرأة مسرحاً يتجلى فيه الصراع بين السلطة والاستقلالية بشكل يومي وملموس".

ونوه البيان إلى أنه من أبرز سمات الحركة النسوية الإيرانية في السنوات الأخيرة قدرتها على ربط المطالب التي كانت تُطرح سابقاً بشكل متفرق ومنفصل، في نظريات الحركات الاجتماعية يُفسَّر هذا المسار بمفهوم "ربط المطالب" وقد استطاعت الحركة النسوية ولا سيما في شكل خطاب "المرأة، الحياة، الحرية" أن تُتيح هذا الربط "يُساهم هذا الخطاب ولو رمزياً في رأب الصدع الطبقي والقومي والإثني والجيلي، وتُعدّ هذه اللغة المشتركة ضرورية للمقاومة الاجتماعية في سياقٍ حدّ فيه القمع المنظم من إمكانية ظهور التشكيلات الكلاسيكية".

وشدد البيان على أنه رغم أن عنف الدولة قد يُسكت الاحتجاجات على المدى القصير، إلا أنه غالباً ما يُؤدي على المدى الطويل إلى تراكم ذاكرة المعاناة والظلم، وقد لعبت الحركة النسوية دوراً هاماً في توثيق هذه الذاكرة الجماعية وإعادة إنتاجها من خلال سرد تجارب النساء الحياتية، بدءاً من القمع في الشوارع والسجن وصولاً إلى التمييز اليومي "يمكن ملاحظة هذا السرد في الشبكات الاجتماعية، وفنون الاحتجاج والأدب والفعاليات الرمزية، تُعدّ هذه الذاكرة رصيداً سياسياً يُمكن أن يُحفّز التعبئة الاجتماعية مجدداً في الأزمات المستقبلية، لا تسير الحركات دائماً بشكل خطي ومستمر بل تتحرك في دورات من الركود والاندلاع، وتلعب ذاكرة الاحتجاج دوراً حاسماً في هذه الدورات".

ولفت البيان إلى أن تناول القضايا النسائية دون مراعاة الاقتصاد السياسي يُقدّم صورةً ناقصة، فالتفاوت بين الجنسين في إيران ليس مجرد نتاجٍ لقوانين ثقافية أو دينية بل هو متجذّر بعمق في البنية الاقتصادية، فانخفاض معدلات مشاركة المرأة في الاقتصاد، وتركزها في وظائف غير رسمية وهشة، وفجوة الأجور، كلها مؤشرات على تداخل التمييز بين الجنسين مع منطق اقتصاد ريعي وغامض "إنّ الحركة النسوية التي تُولي هذا البُعد الاقتصادي اهتماماً جاداً قادرة على التواصل مع مطالب العدالة الطبقية، ويُتيح هذا التواصل التقارب بين الحركة النسوية وحركات العمال والنقابات، وهو تقاربٌ ضروريٌّ لتشكيل مقاومة اجتماعية مستدامة".

 

الشتات بين التضامن والتمثيل

وشدد البيان على أنه يمكن أن يكون دور المغتربين عاملاً مساعداً أكثر منه بديلاً، إذ يُسهّلون الوصول إلى وسائل الإعلام العالمية، ومؤسسات حقوق الإنسان، والمساحات الأكاديمية، وبهذا المعنى لا يُمثّل المغتربون صوتاً بديلاً بل صدىً لأصواتٍ من الداخل.

وأوضح البيان أن الحركة النسائية الناشئة من تجربة إيران اليوم هي ردّ فعل على الاستبداد الذي يستهدف الجسد والحياة والمستقبل، ومن خلال تجاوز حدود الهوية الضيقة وتجاوز مستويات القمع المختلفة، تفتح هذه الحركة آفاقاً تتجاوز الإصلاحات المحدودة أو المطالب أحادية المحور، وإذا استطاع هذا الخطاب الحفاظ على صلته بالحركات الاجتماعية الأخرى وتعميقها، فإنه يمتلك القدرة على أن يصبح أحد أكثر أشكال المقاومة المدنية استدامة في إيران.