هجمات حلب مخطط دولي يستهدف كسر الإرادة الكردية

الهجمات على أحياء مدينة حلب السورية جاءت ضمن مخطط دولي وإقليمي تقوده تركيا، ويستهدف كسر الإرادة الكردية وتقويض دعوة "السلام والمجتمع الديمقراطي"، والحملات الإعلامية والسياسية تسعى لتشويه القيادات الكردية ونقل الملف إلى خارج مناطقه.

روجبين بلين

في الوقت الذي كان يُنتظر فيه تنفيذ اتفاق العاشر من آذار/مارس 2025 بين الحكومة المؤقتة في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، ومع استكمال آخر جولات الحوار مطلع العام الجديد، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ ففي ليلة واحدة فقط انقلبت المعادلات رأساً على عقب، وتبدّل المشهد السياسي بشكل مفاجئ وكبير، ليضع مستقبل الاتفاق أمام تحديات غير متوقعة.

بدلاً من الالتزام بالمبادئ، شنّت الحكومة السورية المؤقتة هجوماً واسعاً على أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، مستخدمةً قوة عسكرية ضخمة وعشرات الآلاف من عناصر الجماعات المتطرفة من مختلف الدول.

وما نقلته وسائل الإعلام بصدق يوضح أن هذه الهجمات لا تقل وحشية أو خطورة عن هجوم كوباني، سواء من حيث الهدف أو الأسلوب، فقد قُتل المدنيون، وجُمِع الناس بطريقة تذكّر بمعسكرات الاعتقال النازية في عهد هتلر، كما جرى التمثيل بجثامين مقاتلات الأسايش اللواتي دافعن عن المدنيين، إلى جانب انتهاكات أخرى كثيرة.

المعلومات متوفرة بكثرة، لكن ما يستحق التوقف عنده هو تحليل الغاية الكامنة وراء هذه الممارسات البشعة، وفهم الأهداف السياسية التي تختبئ خلف هذا المشهد الدموي، فالمخطط الفعلي وراء هذه اللعبة هو تركيا ووزير خارجيتها هاكان فيدان، الذي يتصرف وكأنه رئيس للنظام السوري، فقد أسس على الأرض بنية عسكرية تضم مختلف الجماعات التي سبق أن قاتلت الكرد والدروز والعلويين، في إطار ما يشبه "هيئة" موحدة، وتشير الوثائق إلى أن جزءاً من هذه الجماعات يتكوّن من قوات تركية، وقد ظهرت صورهم منشورة على منصات التواصل الافتراضي، ما يكشف حجم التدخل المباشر في هذه الأحداث.

هذه الهجمات متوقعة بالنسبة للإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا، لذلك اتخذت الإدارات العسكرية والسياسية في المنطقة جملة من التدابير الاستباقية، فقد جاء انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من الأحياء الكردية في حلب ضمن إطار تفاهم، لتفويت الفرصة على الحكومة المؤقتة كي لا تتذرع بالوجود العسكري هناك، أما تكليف قوات الأمن الداخلي "الأسايش" بمهمة الحماية، فكان بهدف الدفاع عن المدنيين الذين شاهدوا سابقاً كيف ارتكبت مجازر بحق الدروز والعلويين.

قوات "الأسايش" كانت تدرك أن أحمد الشرع "الجولاني" لم يغيّر سوى مظهره الخارجي، وأنه ما زال يتحرك بذهنية داعش نفسها وقادر على شنّ هجوم في أي لحظة، وهو ما وقع بالفعل، ومع ذلك، قررت قوات "الأسايش" في الأشرفية والشيخ مقصود المقاومة، لتؤكد أن "الجولاني" ليس سوى نسخة أخرى من "البعث الملتحي"، ولتؤدي واجبها الأخلاقي والثوري في حماية الشعب ومنع وقوع مجازر أكبر، وجذب انتباه الرأي العام العالمي إلى حقيقة ما يجري.

الانسحاب من حلب دون مقاومة، كما أراده "الجولاني" وبضغط من تركيا، كان سيعني عملياً التسليم بإعادة السيطرة على كامل مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، وما يلفت الانتباه أن الهجمات والمجازر التي استهدفت الأحياء الكردية في حلب جاءت مباشرة بعد الاتفاق الذي عُقد في باريس بين الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا، بمشاركة تركيا بشكل غير مباشر، وهو توقيت لا يمكن اعتباره صدفة، في هذا الاتفاق لعب توم باراك، المقرّب من أردوغان، دوراً بالغ السوء.

وبالنظر إلى بنود اتفاق العاشر من آذار/مارس 2025، يتضح كيف جرى تبرير مجازر حلب، وكيف استُخدمت الإرادة الحرة للكرد في إقليم شمال وشرق سوريا كمدخل لتنفيذ مخطط له انعكاسات خطيرة على دعوة "السلام والمجتمع الديمقراطي" للقائد عبد الله أوجلان وعلى مستقبل كردستان بأجزائها الأربعة، الأحداث مترابطة ومتشابكة، كترابط اللحم بالظفر، لتكشف أن ما يجري ليس مجرد هجوم عابر، بل جزء من خطة أوسع تستهدف كسر الإرادة الكردية وتقويض مسار السلام.

لكن ما يستحق التوضيح حقاً هو الحسابات الخفية وراء هذه الأحداث، إذ إن الاكتفاء بمتابعة الوقائع اليومية دون النظر إلى ما يجري خلف الكواليس يبقى ناقصاً، والمفاجأة الكبرى، التي بدت غير متوقعة لمن يفتقرون إلى الذاكرة التاريخية، كانت في لحظة الهجمات على الكرد في حلب حين وجّه "الجولاني" رسالة شكر إلى رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، هذا الموقف أثار الكثير من علامات الاستفهام لدى المؤمنين بالسلام والتعايش والديمقراطية والمساواة.

وتشير بعض المصادر إلى أن الولايات المتحدة قدّمت دعماً مالياً لمؤسسة بارزاني الخيرية بهدف إيصال المساعدات إلى سكان الأشرفية والشيخ مقصود، كما يلفت الانتباه ارتباك الإعلام التابع للحزب الديمقراطي الكردستاني، ومساعي الصحافة لتصوير المشهد على أنه بطولة، وصولاً إلى المقابلة التي أجرتها إحدى قنوات الحزب (قناة الشمس) مع "الجولاني"، وهو ما يكشف حجم التداخل بين الإعلام والسياسة في تبرير هذه الأحداث.

تشير تقارير منظمات حقوق الإنسان والبرنامج المعد مع "الجولاني" إلى وجود خطة مستقبلية يجلس فيها مع كرد إقليم شمال وشرق سوريا على طاولة الحوار بوساطة مسعود بارزاني، فكيف يمكن لبارزاني أن يلعب دور الوسيط في حل القضية الكردية في سوريا، وهو لم يتمكن حتى من معالجة أبسط خلاف بين إقليم كردستان وبغداد؟

ووفقاً للمعلومات الأخيرة، فقد تم تأجيل هذا البرنامج، وربما إلغاؤه، بطلب من "الجولاني" نفسه، لأنه كان يفضح حقيقة اللعبة ويكشفها للرأي العام، ليصبح دليلاً مباشراً على وجود مخطط مشبوه يستهدف الإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا.

وفي هذه المرحلة الحساسة، تشهد الساحة الرقمية حملة منسّقة واسعة النطاق تستهدف النيل من مكانة الجنرال مظلوم عبدي والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا إلهام أحمد، هذه الحملة التي تُدار عبر الإعلام الكردي والعربي والتركي بشكل متزامن، تحمل رسالة واحدة مفادها "هؤلاء لا يمثّلونكم، نحن صوتكم"، والغاية الحقيقية منها ضرب تأثير القضية الكردية في ذلك الجزء من كردستان الذي قدّم 12 ألف شهيد، ومحاولة إلغاء تمثيلها الشرعي.

إن محاولات التشويه التي تطال مظلوم عبدي وإلهام أحمد جاءت بعد فشل محاولات جرّ قوات سوريا الديمقراطية إلى الهجمات في حلب، وحين لم يتحقق الهدف، جرى اللجوء إلى سلاح الإعلام، والجميع يدرك أن تحرير ما سمي عاصمة داعش وهي الرقة، إلى جانب الطبقة ومنبج والعديد من المناطق العربية، لم يكن ممكناً لولا دور قوات سوريا الديمقراطية، إذ إن هذا الإنجاز كان مستحيلاً بدونها.

وبالنسبة للكرد، يشكّل هذا المسار محاولة لنقل ملف إقليم شمال وشرق سوريا إلى "برزاني" ليكون هو الطرف المعني به. فجميع التطورات في شمال كردستان، بما فيها زيارة برزاني لحراس القرى في شرناخ، جاءت ضمن هذا الإطار، لهذه اللعبة وجهان متناقضان، فالكرد البسطاء والعاطفيون يظنون أن الحزب الديمقراطي الكردستاني يسعى إلى الوحدة الوطنية، بينما الحقيقة أن الوجه الآخر للعملة يكشف عن تضحية بالهوية الكردية الحرة في إطار مخطط قذر.

إن وضع كل أوراق القضية الكردية في سلة "برزاني" المكسورة منذ زمن، يعني تحويل الكردي إلى مجرد أداة جاهزة ليكون جندياً لدى الجميع باستثناء نفسه. والغاية من ذلك هي صناعة هوية كردية مرتبطة بالخارج، تُستَخدم عند الحاجة من قبل القوى الإقليمية والدولية، لتبقى رهينة مصالح الآخرين لا مصالحها الذاتية.

وبين الكرد هناك من يتبنّى خطاب القوى الدولية ويطرح سؤالاً "لماذا لا يعقد الكرد اتفاقاً مع إسرائيل أو الولايات المتحدة؟" وكأن أبواب الكرد موصدة أمام التفاهم مع القوى الإقليمية والدولية، لكن الحقيقة أن الكرد الأحرار لم يعودوا أولئك الذين يرضخون لمصالح القوى المهيمنة أو المحتلة على حساب وجودهم وحريتهم، لقد باتوا يدركون أن أي اتفاق يُفرّط بكرامتهم أو يساوم على إرادتهم الحرة ليس سوى فخ جديد، وأن الدفاع عن الهوية الكردية المستقلة هو الطريق الوحيد نحو الحرية الحقيقية.

وكل ما يجري اليوم يكشف أن تركيا لا تريد أن تبقى خارج مشروع ممرات الطاقة وطرق التجارة الجديدة، فيما تبدو القوى الدولية الأخرى مستعدة لتقديم كل التنازلات من أجل جذبها بعيداً عن محاور أخرى، حتى لو كان الثمن قمع الكرد ومرور هذه المشاريع فوق جثث الشعوب التي تعرّضت للمجازر.

وما يمكن أن يضع حداً لهذا المخطط هو الإرادة الشعبية المستندة إلى دعوة "السلام والمجتمع الديمقراطي"، التي تقوم على الحل الجذري للمشكلات، وإزالة أرضية الصراع، وترسيخ الاندماج الديمقراطي، والاعتماد على الأسس الدستورية والقانونية كطريق وحيد لبناء مستقبل عادل ومستقر.