رمزية شعر المرأة في الثقافة الكردية... رمز للكرامة والانتماء والمقاومة

ظل الشعر عبر التاريخ ساحةً بارزة للصراع بين الهيمنة والحرية؛ فمن قصه قسراً في الأنظمة الشمولية، إلى فرض تغطيته أو قصه في الأنظمة الإسلامية الأصولية، كانت السلطة تسعى دوماً إلى اختراق الجسد والعقل عبر التحكم في المظهر الخارجي.

شيلان سقزي

مركز الأخبار ـ لطالما بدأ تاريخ العنف بجسد المرأة، حيث يعتقد المهيمنون أن جرح الجسد كفيلٌ بدفن المعنى، لكن في كل منعطف، يصبح هذا الجسد نفسه، أقوى من ذي قبل، مسرحاً لعودة التاريخ واستعادته، إن قص شعر مقاتلة كردية مضفرة في روج آفا على يد أحد جهاديي تحرير الشام ما هو إلا استمرار لمنطق وفكر داعش المعادي للإنسانية والمرأة، ليس مجرد جريمة جسدية مروعة، بل محاولة متعمدة لتدمير الذات الأنثوية والذاكرة الجماعية، ما لا تفهمه هذه الوحشية هو تاريخ الرموز، فالمعنى لا يُقتل، بل يتضاعف.

لقد شكّل شعر المرأة رمزاً متعدد الدلالات، جمالاً وسلطةً وحداداً ومقاومة، ولذلك كان هدفاً مباشراً لسياسات السيطرة. وفي الثقافة الكردية، يحمل تضفير الشعر معنى يتجاوز الزينة، فهو علامة على الكرامة والانتماء، وإشارة إلى الاستعداد للمقاومة، هكذا ترفع المرأة الكردية المحبة للحرية جسدها من مجرد "أداة" إلى "فضاء للمعنى"، حيث تتحول العقود في شعرها إلى إعلان عن إرادة وصمود.

إن مقتل المقاتلة الكردية في روج آفا وقص شعرها استمرارٌ مباشرٌ للمنطق نفسه الذي يُنكر الإنسانية، ويحد من شأن المرأة، ويُقدّس الموت، وهو المنطق الذي يُمثله داعش، ففي هذه النظرة للعالم، لا يُعتبر جسد المرأة فاعلاً، بل مجرد "غنيمة"، ويجب قص الشعر باعتباره حاملاً للمعنى لترسيخ هيمنة البطريرك الجهادي، لكن تاريخ الشعر هو تاريخ دحض هذا الوهم الوحشي.

 إنّ العمل الجماعي الذي تقوم به النساء الكرديات ونساء العالم أجمع، من خلال تجديل شعرهنّ وحتى حلق رؤوس الرجال تخليداً لنضال مقاتلات وحدات حماية المرأة (YPG) المناضلات من أجل التحرر في مدينة الرقة، والذي يُعاد تجسيده في الفضاء الإلكتروني، يُمثّل لحظة فارقة في إعادة تعريف مفهوم ملكية الجسد، فما كان يُعتبر أداةً للإذلال أصبح لغةً للمقاومة الجماعية، وما كان يُكتم أصبح جزءاً من الخطاب العام في العالم.

هذه الأفعال، التي تتجاوز الاحتجاج الفردي، هي بيان تاريخي، فالمرأة، مع كل خصلة شعر مضفرة، تعلن أن الكرامة لا يمكن سلبها بالعنف الخارجي، المقاومة لا تقتصر على ساحة المعركة أو الشارع، بل تتجلى أيضاً على المستوى الرمزي والثقافي، تضفير الشعر هو قلب لمنطق السلطة، فالسلطة تسعى لترويض الجسد، بينما الحرية، في الجسد نفسه تعيد اكتشاف المعنى وإعادة تعريفه.   

على الرغم من وحشية هذا العمل الذي ارتكبه داعش، إلا أنه دليل على فشل أيديولوجيته المعادية للإنسانية والمرأة، حيث يصبح العنف نفسه بذرة للمقاومة وإعادة تعريف المعنى، إن هذا البتر محاولة فاشلة لقطع الصلة بين الجسد والهوية، لكن المقاومة الرمزية للمرأة تجلّت في عالمٍ يُمثّل فيه كل انتهاك لجسد المرأة إشعال شعلة جديدة للمقاومة والذاكرة التاريخية، الشعر، هذا الرمز البسيط أصبح الآن كياناً حياً حاملًا للتاريخ والهوية والإرادة التحررية، رمزاً يعجز داعش، بكل وحشيته وبمساعدة تركيا وأمريكا وإسرائيل، عن فهمه وتدميره.

أظهر العمل الجماعي للنساء حول العالم أن هذا المعنى لم يُدمر ولم يُعزل، بل تضاعف، أي أن الشعر انفصل عن جسد المرأة ليصبح رمزاً جماعياً للمقاومة عبر التاريخ، تاريخٌ كلما حاولت فيه السلطة إسكات جسد المرأة بعنفٍ صارخ، أصبح هذا الجسد نفسه أرشيفاً حياً للسياسة.

في انتفاضة Jin Jiyan Azadî  دخلت النساء ساحة الاحتجاج الجماعي بقص شعرهن المضفر؛ وهو فعل لم يكن يهدف إلى الجمال أو الزينة فحسب، بل حمل رسالة سياسية وفلسفية مفادها أن جسد المرأة هو ساحة للتعبير عن المقاومة، ولا يمكن إخضاعه لأداة من أدوات الهيمنة، كانت كل خصلة شعر بمثابة عقدة استقلال، ورابطة مع المجتمع، وإعلان إرادة جماعية ضد وحشية النظام الإيراني واستبداده.

اليوم، تُعاد صياغة اللغة الرمزية والعمل الجماعي نفسيهما، فالنساء الكرديات ونساء العالم لا يقصن شعرهن تخليداً لذكرى المدينة، بل يضفرنه ويفككنه، عقدٌ تُربط لتثبت إن ضفائر الشعر تُحرر جسد المرأة من كونه "أداة للعنف" وتحوله إلى فاعل ذي معنى، إعلانٌ واضح للعالم بأن العنف الخارجي لا يستطيع أن يدمر كرامة المرأة وإرادتها التحررية، هذا الفعل بيانٌ تاريخي وسياسي يُؤكد أن مقاومة المرأة لا تقتصر على الشوارع أو ساحات المعارك، بل تمتد إلى مستوى رمزي وثقافي، ويصبح الشعر رايةً تحمل التاريخ والهوية والإرادة الجماعية.

في الختام، يمكن القول إن الدعم العالمي للمرأة يُشكل لغة مقاومة مشتركة، لغة تتجاوز الحدود الجغرافية والاختلافات الثقافية، ونتيجةً لذلك تُعدّ المقاتلة الكردية نقطة انطلاق لانتفاضة رمزية تُحيد العنف، وهذا الفعل يُظهر أن التاريخ لا يُصاغ فقط بالوثائق الرسمية أو روايات الغزاة، بل يُكتب أيضاً بأجساد ورموز وطقوس المقاومة، يصبح الشعر المضفر أرشيفًا حياً يحمل الذاكرة الجماعية، ولا يسمح للقص أو الحذف أو التشويه بأن يُفضي إلى النسيان، في مواجهة وحشية داعش والجماعات المماثلة، يُصبح هذا الشعر المضفر رايةً للمقاومة والكرامة والحرية، رمزاً لا تستطيع أي قوة عنيفة تدميره.