في اليوم الـ 17 للاحتجاجات... مجازر وأجواء أمنية مشددة وقطع شبه كامل للإنترنت
تشهد إيران منذ سبعة عشر يوماً احتجاجات شعبية واسعة تواجهها السلطات بالقمع العسكري والدعائي، وسط انقطاع شبه كامل للإنترنت ومجازر موثقة في مناطق عدة، وفي الوقت الذي يسعى فيه النظام إلى تصوير المحتجين كـ"إرهابيين" مدعومين من الخارج.
مركز الأخبار ـ كشف التقارير الحقوقية عمليات قتل خارج نطاق القانون واعتقالات واسعة مع استمرار الاحتجاجات في إيران، وعلى الصعيد الدولي أثارت تصريحات أمريكية جدلاً استغلها النظام لتبرير العنف، فيما اتخذ البرلمان الأوروبي خطوة غير مسبوقة بحظر دخول الدبلوماسيين الإيرانيين إلى أراضيها، ليضيف بعداً سياسياً جديداً إلى مشهد داخلي مأزوم.
في اليوم السابع عشر من الانتفاضة الشعبية في إيران، يواصل النظام الحاكم استخدام أدواته العسكرية والدعائية لتصوير المحتجين المطالبين بأبسط حقوقهم الإنسانية على أنهم "إرهابيون"، وفي الوقت الذي تُعسكر فيه المدن الإيرانية كافة، وتروج وسائل الإعلام الرسمية لخطاب "عودة الهدوء" و"المسيرات العفوية"، تكشف التقارير الميدانية، خصوصاً الواردة من شرق كردستان، عن وقوع مجازر منظمة وسط أجواء أمنية مشددة وانقطاع شبه كامل لخدمات الإنترنت.
استراتيجية "خلق العداء" لتبرير الجريمة
من أبرز مآسي الأيام الأخيرة أن القمع الداخلي في إيران يتقاطع مع المناورات السياسية الدولية، إذ وفّرت تصريحات الحكومة الأمريكية، بما في ذلك تصريحات دونالد ترامب وادعاءاته حول "الدعم العسكري والإلكتروني"، ذريعة للنظام الإيراني لتكثيف آلة القمع، ويستغل النظام هذا الخطاب الخارجي لتشويه المطالب الاقتصادية والسياسية المشروعة للشعب، ووصمها بأنها "مؤامرات مدفوعة من الخارج"، في محاولة لتبرير المجازر التي يرتكبها بحق المدنيين.
يواصل النظام الإيراني الترويج لروايات عن "اكتشاف شحنات أسلحة" و"اعتقال فرق وقيادات احتجاجية"، في الوقت الذي يعلن فيه كبار مسؤوليه الأمنيين عن فتح قنوات اتصال مع واشنطن، وتتحول هذه المزاعم إلى وقود لآلة الدعاية الرسمية، التي تسعى لربط احتجاجات سلمية في كرماشان أو مقتل عامل كردي في طهران بما تصفه بـ"مؤامرة خارجية تقودها الموساد ووكالة المخابرات المركزية"، في محاولة لتشويه الحراك الشعبي وإضفاء طابع أمني عليه.
في إيران، تُقرأ كل تغريدة صادرة عن البيت الأبيض وكأنها تصريح بإطلاق النار على صدور الشباب، ومقتل خمسة مواطنين كرد في طهران، بينهم فتى في السابعة عشرة من عمره دُفن في مسقط رأسه أفدانان تحت شعار "الموت للديكتاتور"، ووفق ما أفادت به شبكة حقوق الإنسان في كردستان، كل ذلك ليس إلا مثالاً من بين أمثلة عديدة على هذا الواقع المأساوي.
كارثة كهريزك رمز للإبادة الجماعية الممنهجة
كان الجزء الأكثر إثارة للصدمة خلال هذه الأيام السبعة عشر هو الكشف عن مقاطع فيديو من مشرحة كهريزك في طهران ومشارح مؤقتة ومراكز الطب الشرعي في مدن أخرى، أظهرت هذه الصور أكواماً من جثث مئات المتظاهرين، وأشارت بعض مقاطع الفيديو إلى أن العدد يصل إلى 400 جثة، ما يُؤكد وقوع عملية قتل جماعي خارج نطاق القانون.
وأفادت تقارير مسربة من كوادر طبية إلى أن العديد من الضحايا لم يُقتلوا في المعارك، بل بالرصاص الحي أو تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز المؤقتة، وبالمثل فإن إصرار النظام المتسرع على تسليم الجثث مجاناً إلى مشرحة كهريزك وغيرها من المشرحات ما هو إلا محاولة لإخفاء الأدلة التي يمكن استخدامها ضد قادة النظام في المحاكم الدولية وذلك بسرعة ودون ضجة.
المقاومة الرقمية سلاح غير فعال
قطع النظام الإيراني الإنترنت تماماً لليوم السابع على التوالي، ما أدى إلى انقطاع شبه تام للاتصالات، ولا يقتصر هذا الإجراء على تعطيل تنسيق المتظاهرين فحسب، بل يهدف أيضاً إلى فرض رقابة مشددة لمنع العالم من معرفة حجم الجرائم الحقيقية.
العائلات التي كانت تبحث عن ابنائها في ممرات المشرحة حتى الأمس، والتي تهتف اليوم بشعارات مناهضة للنظام خلال الجنازات ومراسم العزاء لم يعد لديها ما تخسره، هذه هي النقطة التي تعجز فيها آلة القمع مهما بلغت قوتها من أسلحة روسية ومعدات تركية لمكافحة التمرد.
اعتقد النظام أنه من خلال قطع الإنترنت وخلق جو من الخوف، يمكنه سجن العائلات الثكلى أثناء الجنازة، لكن التجمع في بهشت الزهراء والشعارات المناهضة لخامنئي وولاية الفقيه أظهرت أن حزن الثكلى قد تحول إلى غضب ثوري، بقطع الإنترنت لم يكتفِ النظام باحتجاز التواصل البشري فحسب، بل سلب أيضاً سبل عيش ملايين الأشخاص، وتشير التقارير الفنية إلى أن النظام قد حجب الوصول إلى الشبكة العالمية، حتى على حساب شلّ أنظمته المصرفية والإدارية، وذلك لمنع نشر صور الجرائم المرتكبة في طهران ومجزرة شرق كردستان.
الاعتقالات التعسفية والترهيب
وبحسب تقارير مؤكدة، تم اعتقال أكثر من 3000 شخص في مدن مختلفة، ويحاول النظام إخماد جذوة الانتفاضة ببث اعترافات قسرية، وتهديد الفنانين والرياضيين، بل وحتى التهديد بمصادرة المصانع التي دعم مديروها الشعب، وأصدر رئيس السلطة القضائية، مستخدماً لغة "التعطش للدماء" و"انعدام الرحمة"، أمراً فعلياً بقمع أي صوت معارض تحت ستار "عملاء العدو".
وبالمثل، يعتقد رئيس السلطة القضائية بتهديده بـ "مواجهة لا تُغتفر" أنه قادر على إخماد نيران الانتفاضة، التي بلغت يومها السابع عشر من خلال القمع والقتل والاعتقال، إلا أن الاحتجاجات الليلية في معظم المدن وتجمعات العائلات أمام المشرحة والشعارات المناهضة لخامنئي في الجنازات تُظهر أن الخوف قد غيّر مسار الاحتجاجات.
وتكمن المشكلة الرئيسية هنا في أن النظام بإعلانه "حداداً عاماً" على قواته الأمنية قد أعلن فعلياً الحرب على أكثر من نصف الشعب الإيراني، وتُظهر البيانات الحكومية التي لا تذكر أسماء مئات المواطنين الذين قُتلوا مدى التفاوت بين "السيادة المحتلة" و"القوميات المحتلة" .
يأس النظام تحت ستار السلطة
بينما يتحدث رئيس النظام ووزير خارجيته عن "إرهابيين مسلحين" بين السفراء الأجانب، فإن الواقع في شوارع شرق كردستان وسيستان وبلوشستان ورشت وكراج وطهران هو شيء آخر، بينما تُصوّر آلة الدعاية التابعة للنظام ميدان الثورة في طهران ومدناً أخرى على أنها مشاهد "ولاء للنظام"، تُشير التقارير الداخلية إلى الرعب الذي يسود داخل النخبة الحاكمة، يتحدث عباس عراقجي عن "مفاوضات عادلة" و"قنوات مفتوحة مع واشنطن"، بينما يصف المتظاهرين في الداخل بـ "داعش" .
تعكس هذه المعايير المزدوجة المأزق الاستراتيجي الذي يواجهه النظام، فمن جهة يسعى إلى عقد صفقة مع "الشيطان الأكبر" من أجل بقائه، ومن جهة أخرى يقتل الشباب لمطالبتهم بالحرية تحت نفس المسمى الأمريكي.
عسكرة المدن... من شرق كردستان إلى طهران
تشير التقارير الواردة من شرق كردستان وخاصة من إيلام وكرماشان وسقز وغيرها، إلى احتلال عسكري شامل، إن وجود وحدات خاصة من الحرس الثوري ونشر الأسلحة الثقيلة في الساحات الرئيسية للمدن ليس لمواجهة عدو أجنبي، بل لقمع مواطنين يطالبون بهويتهم وكرامتهم، وتُظهر جريمة قتل المراهقين الكرد الذين يبلغون من العمر 17عاماً أن آلة القمع التابعة للنظام لا تعترف بأي خطوط حمراء، حتى فيما يتعلق بالأطفال.
في مساء التاسع من كانون الثاني/يناير، وفي ذروة انقطاع الإنترنت انتشر مقطع فيديو من طهران يُظهر متظاهرين يؤدون رقصة كردية حول نار في الشارع، في مشهد رمزي للمقاومة والحياة وسط القمع، لقد تحولت هذه الرقصة الملحمية من حركة ثقافية إلى بيان سياسي يربط الانتفاضة الشعبية بتقاليد نضال حركة "شرق كردستان"، تجسيداً للوحدة والحياة ورفضاً للرواية الرسمية للحكومة.
"النظام الإيراني في مرحلة الموت السريري"
من جهة، يحرم النظام الإيراني 90 مليون إيراني من الوصول إلى المعلومات بقطع الإنترنت، ومن جهة أخرى، عندما يتم حجب إحدى قنواته الدعائية، يصرخ "حرية التعبير"، هذا التناقض يُظهر أن الإعلام بالنسبة للنظام ليس إلا أداة للخداع والقمع، وليس وسيلة للبحث عن الحقيقة.
ويرى محللون دوليون، بمن فيهم أعضاء في البرلمان الأوروبي، أن النظام الإيراني قد وصل إلى مرحلة من "التصلب" و"الموت السريري" لم يعد فيها قادراً على إعادة البناء الاجتماعي، وقد جعل الانهيار الاقتصادي والعزلة العالمية، والأهم من ذلك إراقة الدماء البريئة على نطاق واسع عملية الانهيار لا رجعة فيها.
ويواجه النظام الإيراني اليوم شعباً أقسم على استعادة حقوقه، لا يمكن لقطع الإنترنت ولا للتدخل في خدمة ستارلينك، ولا لإرهاب الحرس الثوري في الشوارع أن يخفي الجرائم المدفونة في مشرحة كهريزك وغيرها من المدن، بعد أن قتل النظام أكثر من 600 شخص (وفقاً لتقديرات متحفظة) وربما الآلاف (وفقاً لتقارير ميدانية)، قطع آخر صلاته بالمجتمع، واليوم يعيش النظام الإيراني في "حصن محاصر"، حصنٌ جدرانه مبنية من الأسلحة والقمع، لكن داخله خالٍ من الشرعية.