بعد 15 عام من الثورة... أوضاع التونسيات في تراجع

14 يناير محطة مفصلية في ذاكرة التونسيات، خرجن بأعداد غفيرة مطالبات بتحسين أوضاع البلاد، لكن بعد خمسة عشر عاماً يبقى السؤال: هل تحققت المكاسب التي حلمن بها أم تراجعت الأوضاع لتضعهن أمام تحديات جديدة؟

نزيهة بوسعيدي

تونس ـ سعت المرأة التونسية، كما سعى جميع التونسيين، إلى التغيير نحو الأفضل بعد تنحي بن علي عن الحكم، وكان العمل والكرامة من أبرز المطالب، تلتها الحقوق والحريات التي شهدت تضييقات كبيرة في ذلك الزمن. ورغم الدور المحوري الذي اضطلعت به في مسار الثورة والانتقال الديمقراطي، فإنه لا يختلف اثنان اليوم في أن أوضاع المرأة شهدت تحسناً في بعض المجالات، قبل أن تعود إلى التراجع الممنهج في العديد من المجالات، وخاصة فيما يتعلق بالحقوق والحريات.

في هذا الإطار قالت الحقوقية نجاة الزموري ونائبة رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان "بعد مرور 15 سنة على ثورة أو انتفاضة 14 يناير 2011 هذه الثورة التي خرج فيها التونسيون مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وكانت النساء في قلب هذا الحراك في الشارع والأحياء الشعبية والقرى وفي الصفوف الأمامية في النضال بسيدي بوزيد، بالقصرين وتالة وغيرها من المناطق البعيدة عن العاصمة، إلا أن الحصيلة اليوم بعد كل هذه السنوات تفرض وقفة نقدية صريحة حول حقوق النساء في تونس".

 

حقوق النساء في تراجع والأوساط المدنية قلقة

وأوضحت أن حقوق النساء تشهد تراجعاً مقلقاً عوض أن تتعزز بعد 15 سنة من الثورة، لافتة إلى أنه بعد 2011 تم تسجيل مكاسب هامة مع دستور 2014 الذي كرس مبدأ المساواة وعدم التمييز وإقرار قانون عدد 58 لمناهضة العنف ضد المرأة والذي صدر في 2017 بعد نضالات طويلة والذي نعتبره مكسباً حقيقياً وقانوناً رائداً على مستوى شمال أفريقيا وحتى على المستوى العربي والأفريقي غير أن هذه المكاسب لم تحصن للأسف ولم تترجم إلى سياسات عمومية مستدامة لتتحول تدريجياً إلى مكتسبات مهددة في ظل غياب الإرادة السياسية وتراجع منظومة الحقوق والحريات وإغلاق المؤسسات الضامنة لها.

وأشارت إلى أن حقوق النساء شهدت تراجعاً واضحاً خاصة تمثيلية النساء في البرلمان المنتخب التي فاقت الثلاثين بالمائة خلال 2014 بفضل مبدأ التناصف لتصل إلى 16 بالمائة حالياً في نتيجة حتمية للتخلي عن التناصف في القانون الانتخابي وبالتالي عوض أن يتم دعم مكتسبات المرأة في هذا الاتجاه جدث التراجع "لقد ازدادت هشاشة أوضاع النساء، خصوصاً في المناطق الداخلية والريفية التي كانت مهد انطلاق الثورة".

 

معدل البطالة لدى النساء يتفاقم

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن معدل البطالة لدى النساء يتجاوز 20%، مقابل نحو 15% لدى الرجال، في ظل تفاقم نسب الفقر وانتشار أنماط العمل غير المستقر، خاصة بين العاملات في الزراعة والقطاع غير المنظم. وما يزال آلاف النساء تعملن دون عقود أو تغطية اجتماعية، وتتعرضن لحوادث عمل قاتلة، في غياب سياسات فعالة تكفل لهن الحق في عمل لائق وآمن.

في ذات السياق تم تسجيل تفاقم مقلق وغير مسبوق في عدد السجينات خاصة منذ سنة 2022 بما يفوق الضعف مقارنة بالسنوات السابقة وحتى التي سبقت 2011 نتيجة توسع الإيقاف التحفظي وغياب بدائل العقوبات السالبة للحرية.

وأشارت إلى أن العديد من النساء يزج بهن في السجون بسبب قضايا مرتبطة بالفقر أو ديون أو مخالفات بسيطة أو في سياق تتبع ذو طابع سياسي أو اجتماعي أو حقوقي وهذا الوضع يعد خرقاً لمبدأ التناسب ويتعارض مع المعايير الدولية، كما يؤدي إلى تفكيك الأسر وحرمان الأطفال من أمهاتهم.

وفي سياق التراجعات، أكدت أن أرقام العنف القائم على النوع الاجتماعي هي أرقام صادمة فقد بينت الدراسات الوطنية أن أكثر من 25 بالمائة من التونسيات تعرضن لشكل من أشكال العنف في حياتهن، وهناك جمعيات تقول إن النسب تفوق 50 بالمائة هذا رغم صدور القانون عدد 58 "ضعف تطبيقه وغياب الإرادة السياسية" لتطبيقه ونقص مراكز الإيواء وغياب التدريب الكافي للمتدخلين ساهم في ارتفاع نسب الإفلات من العقاب وتردد العديد من الضحايا في التبليغ، ولعل الأخطر من ذلك هو عودة الخطابات المحافظة والتمييزية التي تشكك في حقوق النساء من جديد وتقدمها كمنح قابلة للسحب لا كحقوق إنسان غير قابلة للتصرف.

وأكدت أن المناخ العام يتسم بتراجع كلي للحريات والحقوق وتضييق الفضاء المدني واستهداف الجمعيات النسوية والحقوقية وبالتالي ما تعيشه النساء اليوم في تونس ليست مسألة فئوية أو ظرفية، بل هو مؤشر عميق على أزمة حقوقية وسياسية شاملة "نعلم أنه لا ديمقراطية دون مساواة فعلية ولا دولة قانون مع التراجع عن حقوق نصف المجتمع وبالتالي بعد 15 سنة من الثورة في اعتقادي لم تعد المعركة من أجل المزيد من المكاسب فحسب، بل أصبحت معركة دفاع عن المكتسبات وحماية لما تبقى من روح الثورة فحقوق النساء ليست هامشاً بل جوهر أي مشروع ديمقراطي حقيقي".

 

 

أزمات وتحديات

يمكن القول إن أوضاع المرأة التونسية بعد 2011 اتسمت بازدواجية واضحة حيث تحققت بعض المكاسب القانونية مقابل مواجهتها لتحديات فرضتها الأزمات السياسية والاقتصادية والتحولات المجتمعية.

تقول هاجر ناصر ناشطة نسوية وعضوة بجبهة المساواة وحقوق النساء بعد ثورة 2011 عاشت تونس انفتاحاً غير مسبوق فيما يتعلق بحقوق النساء حيث كانت التونسيات حاضرات بقوة في الفضاء العام وفي الحراك الاجتماعي والسياسي.

وأكدت أن حضور النساء ونضالهن المستمر مكنهن من تحقيق مكاسب بارزة في مجال حقوق المرأة، من أبرزها ما جاء في دستور 2014 الذي نص على مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات، والتزام الحكومة بحماية الحقوق المكتسبة للنساء، إضافة إلى إقرار مبدأ التناصف في المجالس المنتخبة. وقد انعكس ذلك في مجلس نواب 2014 حيث بلغت نسبة تمثيل النساء 30 بالمائة، وهي النسبة الأعلى في المنطقة العربية آنذاك.

من أبرز المكاسب التي تحققت بعد ثورة 2011 صدور القانون عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، والذي شكل خطوة تشريعية مفصلية، إذ اعترف لأول مرة بجميع أشكال العنف (الاقتصادي، النفسي، الجنسي والمادي)، وحمّل الحكومة مسؤولية الوقاية والحماية، إضافة إلى التعهد بالناجيات.

 

النصوص القانونية دون تطبيق فعلي

غير أن النصوص القانونية بقيت في معظمها دون تطبيق فعلي، حيث تكشف الأرقام أنّ ثماني نساء من أصل عشر يتعرضن للعنف على الأقل مرة واحدة في حياتهن. ووفقاً لإحصائيات المعهد الوطني للإحصاء، فإن أغلب حالات العنف تحدث داخل الأسرة، رغم وجود القانون عدد 58، وذلك بسبب محدودية وضعف آليات التطبيق. كما يظل النقص في تكوين الأعوان والقضاة عائقاً أساسياً، إلى جانب ضعف عدد مراكز الإيواء وصعوبة النفاذ إليها، خاصة في المناطق الداخلية حيث تعيش النساء هشاشة اجتماعية واقتصادية تزيد من معاناتهن.

وتقول هاجر ناصر إن الفجوة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لازالت كبيرة، إذ أن النساء في تونس يتحملن العبء الأكبر في العمل المنزلي والرعائي غير مدفوع الأجر وهو ما يؤثر بطريقة مباشرة على دراستها وعملها واستقلاليتها المادية.

وأوضحت أن البطالة في صفوف الفتيات الحاصلات على شهادة جامعية تفوق الشبان الحاصلين على شهادة جامعية رغم أن نسبة الخريجات أكبر بينما في العمل يتم اختيار الشبان بدرجة أولى وهو ما يجعلهن أكثر هشاشة اقتصادية وأكثر عرضة للعنف والتبعية الاجتماعية والاقتصادية ويحصرهن دائماً في حلقة عنف لا يستطعن الخروج منها.

وأكدت أن العنف وقتل النساء لا يزالا مستمرين حيث تم تسجيل 22 جريمة قتل من كانون الثاني/يناير 2025 إلى أيلول/سبتمبر 2025 على يد الزوج أو على يد أحد الأقارب أو المعارف وهو ما يعكس فشل سياسات الوقاية والحماية من العنف والقتل.

وأشارت إلى بروز خطاب يستهدف النساء والصحفيات والحاضرات في الفضاء العام خاصة على منصات التواصل الافتراضي "بينما هن اللواتي يوثقن الانتهاكات ويرافقن الناجيات ويدافعن عن الحقوق الجنسية والإنجابية وعلى حرية الجسد والمساواة الفعلية وبالتالي عندما نقوم بالضغط والتضييق على النشاط النسوي فإنه بطريقة مباشرة يتم المس بحقوق النساء والمس من مرافقتهن وحمايتهن".

وفي ختام حديثها، قالت هاجر ناصر "لدينا قوانين مهمة في تونس يجب الدفاع عنها والحفاظ عليها ولكن يجب أن نسلط الضوء على الواقع الاجتماعي والسياسي الذي نعيشه لأننا نعيش في مجتمع يعنف النساء ويطبع معه ويجب أن ندرك أن تراجع حقوق النساء هو تراجع لدولة القانون وأن الدفاع عن حقوق النساء وعن الديمقراطية هو دفاع عن دولة القانون والعدالة الاجتماعية".