فلك يوسف: الشرق الأوسط على مفترق طرق وتركيا أمام فرصتها الأخيرة

يمر الشرق الأوسط بمرحلة حساسة تتقاطع فيها الأزمات، حيث أن مستقبل سوريا وتركيا مرتبط بشكل مباشر بدعوة القائد أوجلان، واستمرار التدخل التركي في سوريا يعرقل الحلول، بينما يمكن لاستثمار هذه الدعوة أن يفتح باباً لقرن من الاستقرار والديمقراطية.

برجم جودي

كوباني ـ يشهد العالم والشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، تتسارع فيها التحولات السياسية والعسكرية وتتشابك فيها موازين القوى، وفي قلب هذا المشهد المتغيّر، تبرز سوريا وتركيا بوصفهما من أكثر الساحات نشاطاً وتأثيراً في التطورات الراهنة.

سوريا، التي أمضت خمسة عشر عاماً في قلب صراع إعادة تشكيل موازين القوى بين الفاعلين الإقليميين والدوليين، تدخل اليوم مرحلة تحاول فيها الخروج من دوامة التفكك وإعادة بناء موقعها، وفي المقابل، تتحرك الحكومة التركية في مسارين متوازيين، فمن جهة تواجه دعوة "السلام والمجتمع الديمقراطي" التي أطلقها القائد عبد الله أوجلان في شباط/فبراير الماضي، ومن جهة أخرى تسعى إلى تحويل الساحة السورية إلى مجال نفوذ مباشر، وإعادة تثبيت وجودها في الخارطة الجديدة للشرق الأوسط.

قدّمت الرئيسة المشتركة للجنة الشؤون الاجتماعية في الإدارة الذاتية بمقاطعة الفرات في إقليم شمال وشرق سوريا فلك يوسف تقييماً حول التطورات الراهنة، ووضع الشعب الكردي، ومسار السلام والمجتمع الديمقراطي، إضافة إلى التدخل التركي في سوريا وانعكاساته على مستقبل البلاد، من خلال حوار مع وكالتنا.

 

في خضم التحولات التي تشهدها دول الشرق الأوسط والعالم، تبدو الدول التي تحتل كردستان مركزاً لكثير من التطورات الراهنة... كيف يمكن فهم هذا المشهد، وما طبيعة العملية التي تشكّل هذه الديناميكيات؟

تعيش شعوب الشرق الأوسط، خاصة في سوريا وكردستان، مرحلة شديدة التعقيد تتقاطع فيها الحروب والتحولات العميقة، فيما تتواصل المجازر والقتل والاختفاء القسري والتهجير، هذا الواقع يخيّم على المنطقة بأكملها، ولا سيما بفعل القوى التي تحتل كردستان وتمارس سياساتها القمعية عليها.

في سوريا وإقليم شمال وشرق سوريا تحديداً، حيث يمتلك مشروعنا الثوري جذوراً راسخة، نجحنا في بناء نموذج بديل في مواجهة منظومة البعث الأحادية التي فرضت القمع على المجتمع السوري في هويته ولغته وانتمائه القومي. كما استطاعت مؤسساتنا في إقليم شمال وشرق سوريا، عبر مشروع الأمة الديمقراطية، تقديم صيغة عملية لحلّ الأزمات التي صنعتها القوى المهيمنة.

ورغم كل الضغوط والحصار والهجمات التي يشنّها الاحتلال التركي ومرتزقته، تمكّنا من حماية مجتمعنا وتنظيمه وإدارة شؤونه، حالياً نحن أمام مرحلة حساسة للغاية، مع اقتراب نهاية معاهدة لوزان، ومع سعي القوى المهيمنة التي تعيد رسم خرائط العالم إلى صياغة مشروع جديد للشرق الأوسط، لذلك تشهد كردستان والمنطقة والعالم أحداثاً مفصلية سيكون لها أثر عميق على المستقبل.

 

كيف يرتبط مستقبل مشروع الشرق الأوسط الجديد بتطورات سوريا وتركيا، وما دور دعوة "السلام والمجتمع الديمقراطي" في رسم ملامحه؟

التحركات الهادفة إلى رسم خريطة جديدة للمنطقة بما يخدم مصالح القوى المهيمنة باتت جلية، وفي هذا السياق، شكّل صمود الشعب الكردي وإنجازاته في إقليم شمال وشرق سوريا وشمال كردستان عائقاً أساسياً أمام هذه المشاريع، ما دفع تلك القوى إلى إعادة حساباتها، وفي ظل هذا المشهد المتشابك والمتوتر، ومع تفاقم الفوضى يوماً بعد يوم، أطلق القائد أوجلان دعوة تاريخية موجهة للجميع.

ولطالما أكّد الملتفون حوله أن مفتاح الحل يكمن في إمرالي، وهو ما يتجلى اليوم بوضوح، فدعوة "السلام والمجتمع الديمقراطي" لا يخص بها الشعب الكردي والمنطقة فحسب، بل تشكّل طريقاً للخلاص الإنساني برمّته، فالمجتمع السلمي والديمقراطي هو البديل الحقيقي عن نظام الدولة ـ القومية القائم على الهيمنة والاستبداد، وقد جاءت هذه الدعوة التاريخية في لحظة مفصلية، قبل اكتمال عام على إطلاقه.

أما الحكومة التركية، فقد وصلت إلى مرحلة من الانهيار السياسي والاقتصادي والدبلوماسي وسط أزمات خانقة، ولهذا ترى أن مخرجها الوحيد يمرّ عبر القائد أوجلان، وفي إطار هذا المسار، اتخذ خطوات جريئة ومؤثرة، أبرزها إعلانه حلّ حزب العمال الكردستاني، إضافة إلى قيام مجموعة من مقاتلي الحرية بإتلاف أسلحتهم، في إشارة إلى إنهاء العمل المسلح وفتح الباب أمام مرحلة جديدة قائمة على السلام والديمقراطية.

 

ما العوامل التي تجعل إقليم شمال وشرق سوريا محوراً أساسياً في تحولات الشرق الأوسط ومشاريع القوى الإقليمية والدولية؟

تتداخل أحداث الشرق الأوسط اليوم كحلقات مترابطة في سلسلة واحدة، فمنذ اندلاع الأزمة السورية، كانت أيادي العديد من القوى وعلى رأسها تركيا، حاضرة بقوة في مسار التطورات، وما يزال هذا التدخل مستمراً حتى الآن، وتُعدّ تركيا أحد الأسباب الجوهرية التي حالت دون إنجاز اتفاق 10 آذار، وفي الوقت نفسه، احتلت أنقرة مساحات واسعة من الأراضي السورية، ووضعت الحكومة السورية المؤقتة بالكامل تحت وصايتها.

ورغم مرور عام كامل، لم تستطع هذه الحكومة بناء إطار وطني جامع للسوريين، وهو ما يكشف بوضوح حجم الهيمنة التركية وتأثيرها المباشر، أما موقفنا فثابت وواضح، ندعو إلى بناء سوريا لا مركزية وديمقراطية، تضمن حقوق النساء والشعوب، وتمنع التقسيم، لكن الأطراف التي تعارض اللامركزية ووحدة سوريا تحاول تحميلنا المسؤولية، بينما الجهات التي تعمل فعلياً على تقسيم البلاد باتت معروفة، خاصة المرتزقة الذين يستمدون رؤيتهم وتمويلهم من تركيا، حيث أصبحت اللغة التركية رسمية في تلك المناطق، وتُستخدم الأعلام والعملة التركية.

وبعد سقوط النظام السابق، أصبح مشروعنا هدفاً مباشراً للهجمات، ومع ذلك، قاومت النساء والشباب وأهالي المنطقة إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية في سدّ تشرين ومناطق أخرى، وأفشلوا تلك المحاولات، لاحقاً، تعرّض أبناء الطائفتين العلوية والدرزية لعمليات قتل ممنهجة ما تزال مستمرة حتى اليوم. كل هذه الوقائع تؤكد أن الهدف هو تقسيم المجتمع السوري وتمزيق نسيجه.

 

قال القائد أوجلان في مستهلّ دعوة "السلام والمجتمع الديمقراطي" إن حلّ القضية في تركيا يعني بالضرورة فتح باب الحل في سوريا أيضاً، كيف يمكن فهم هذا الطرح اليوم، خاصة في ظلّ المسار الراهن؟

تعقيد الأزمة السورية وتأخر الوصول إلى حلّ نهائي يرتبطان بشكل مباشر بالمسار السياسي والأمني في تركيا وشمال كردستان، فدعوة القائد أوجلان لشعوب المنطقة تحمل طابعاً استراتيجياً، ومن الواضح أنها ستترك أثراً عميقاً على مستقبل الشرق الأوسط بأكمله، ومع ذلك، ما تزال تركيا تتعامل مع هذا الواقع بقدر كبير من الغموض، رغم أن هذه ليست التجربة الأولى، فهذه هي المبادرة الثالثة التي يطرحها القائد أوجلان، لكن أنقرة تقترب منها دائماً بحذر وارتباك.

وهذا المسار، بما يحمله من شروط ومتطلبات، لا يمكن أن يتقدّم ما لم تدرك تركيا منذ البداية طبيعته الحقيقية، فهناك تقارب واضح مع فكرة إنهاء العمل المسلح، وهو ما تعتبره أنقرة تحقيقاً لهدفها، لكن جوهر القضية أعمق من ذلك؛ فحركة الحرية بقيادتها ومقاتليها ومقاتلاتها، ناضلت من أجل تثبيت الوجود الكردي، وقد حان الوقت اليوم لتحويل هذا الوجود إلى إطار قانوني ودستوري واضح ومضمون.

ومع ذلك، إذا لم تُقدم تركيا على خطوة جادة، كما شدّد القائد أوجلان في بداية العملية، فإن الكرد سيبقون جزءاً أصيلاً من الأناضول، وهذا يعني أن تركيا إذا لم تنخرط بصدق في العملية، فإنها ستواجه خطر التفكك الداخلي، كما ستتعمّق الأزمة السورية أكثر.

 

برأيكم، ما النتائج المتوقعة لهذه العملية ضمن الإطار الذي حدده القائد أوجلان؟ وفي المقابل، كيف سينعكس موقف تركيا المعارض لإقليم شمال وشرق سوريا على مسار هذه العملية ومستقبلها؟

لو أن تركيا سحبت يدها من سوريا، لكان من الممكن تفعيل اتفاق 10 آذار والمضي نحو حلّ شامل، إلا أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس؛ فالتوترات تتصاعد يومياً، والاشتباكات والحصار في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية مستمران، إلى جانب الهجمات على مناطق الساحل السوري والسويداء، فضلاً عن عشرات الأحداث الأخرى التي تقع تحت مسؤولية الحكومة المؤقتة.

ومع مرور عام كامل على سقوط النظام السابق، ما تزال هذه الحكومة عاجزة عن ضبط الجماعات المسلحة، وهو ما يكشف غياب جيش سوري حقيقي، وفي المقابل، تُطرح محاولات لدمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن تلك الجماعات، بل وتحويلها إلى أدوات مشابهة لمن نفّذوا جريمة اغتيال هفرين خلف.

ومع دخول عام جديد، يصبح واضحاً أنه إذا لم تُجرِ تركيا تحولاً جذرياً في سياساتها خلال عام 2026، فإن الشروط القائمة ستقودها إلى نهايات خطيرة، فالوضع الحالي لا يخدمها، وهي تبحث عن مخرج، لكنها في الوقت نفسه تساهم في تعميق الخراب داخل سوريا.

كما نلاحظ أنه كلما بدأت محادثات بين حكومة دمشق ومناطق إقليم شمال وشرق سوريا، يسارع المسؤولون الأتراك إلى زيارة دمشق، لتبدأ بعدها موجة جديدة من الهجمات والمجازر، وهذا يؤكد أن تركيا أمام فرصة أخيرة؛ فقد قدّم القائد أوجلان لها إطاراً تاريخياً يمكن أن يشكّل مخرجاً حقيقياً.

ومن يستثمر هذه الفرصة ويستجيب لنداء القائد أوجلان، سيضمن قرناً من السلام والديمقراطية. أما من يضيّعها، فسيواجه الانهيار والفوضى، وهو ما ينبغي على تركيا إدراكه وقراءته بعمق.