إيران وأفغانستان قصتين متشابكتين في الألم والمقاومة

ترى الناشطة الأفغانية ليلى أرشد، أن تجارب النساء في الحرب والقمع والقيود لا تشير فقط إلى المعاناة، بل تشهد أيضاً على مقاومتهن ومثابرتهن؛ جيل بوقوفه في وجه الظلم، كسر الصمت وحوّل التعلم والحياة إلى شكل من أشكال النضال.

بهاران لهيب

أفغانستان ـ بين صفحات التاريخ الحديث لإيران وأفغانستان، تتقاطع الحروب والقيود مع أصوات النساء اللواتي حملن عبء المقاومة والصمود.

تقول الناشطة الأفغانية ليلى أرشد "أنا امرأة قرأت التاريخ ليس فقط من الكتب، بل من جراح أرضي الغائرة"، ترسم قصتها الشخصية صورةً للمعاناة والمقاومة في إيران وأفغانستان؛ قصةٌ شكّلتها التجارب المعيشية، والحرب والقمع، وصمود النساء، وتُظهر كيف أصبحن حتى في أحلك الظروف، ركائز خفية للمقاومة.

أوضحت أن عام 1979 شكل نقطة مفصلية في تاريخ المنطقة، إذ تداخلت فيه مصائر إيران وأفغانستان بشكل مأساوي. ففي إيران، انطلقت الثورة محملة بوعود الحرية والعدالة، لكنها سرعان ما انحرفت لتُنتج نظاماً أيديولوجياً أحكم قبضته على المجتمع وقمع المعارضة. أما أفغانستان، فقد تحولت في تلك الحقبة إلى ساحة صراع دولي، حيث قادت الانقلابات والتدخل السوفيتي لاحقاً إلى حرب بالوكالة بين القوى الكبرى، حرب لم يكن للشعب الأفغاني فيها أي صوت أو دور. 

وأشارت إلى أنه في كلا البلدين، برز العالم كفاعل سياسي أكثر منه كداعم إنساني، لتصبح أفغانستان مختبراً للحرب الباردة، وإيران مسرحاً لتصادم الأيديولوجيات، وفي كليهما، كان الناس العاديون هم من دفعوا ثمن السياسة العالمية بأرواحهم.

كما شهدت ستينيات القرن العشرين حرباً ونزوحاً ودماراً في أفغانستان، وعقداً لترسيخ حكومة اعتبرت صوت المعارضة تهديداً وتزامنت عمليات الإعدام والسجن والقمع في إيران مع القصف والقتل ونزوح ملايين الأفغان كما أوضحت ليلى أرشد.

 

مرحلة جديدة من العنف

ولفتت إلى أنه بعد الانسحاب السوفيتي، دخلت أفغانستان مرحلة جديدة من العنف، حوّلت الجماعات التي استولت على السلطة تحت مسمى جهاد المدن إلى ساحات معارك حرب أهلية، وفي إيران، قمعت قوى نصّبت نفسها حماة الثورة، وضيّقت دائرة السلطة، وفي كلا البلدين، أصبح الدين أداةً للسلطة، حيث فرض الجهاديون وحركة طالبان في أفغانستان، والحكومة الدينية في إيران، كلٌّ بتفسيره الخاص للدين، قيوداً واسعة النطاق على المجتمع، واستهدفوا النساء بشكل خاص.

وفي خضم الحرب والتطرف، أكدت على حرمان المرأة الأفغانية من أبسط حقوقها، واعتُبر التعليم والعمل، بل وحتى التواجد الاجتماعي، جرائم في نظرها، وفي إيران واجهت النساء أيضاً قوانين وضعت أجسادهن وملابسهن وحياتهن تحت رقابة دائمة.

ونوهت ليلى أرشد إلى أن العالم قد تحدث مراراً وتكراراً عن حقوق المرأة الأفغانية والإيرانية، لكنه في الواقع فضّل التعامل مع الحكومات والجماعات القمعية، غالباً ما اقتصر الدعم على التصريحات، بينما تم تجاهل المعاناة الحقيقية للنساء، لطالما واجهت القوى المقاتلة والثورية في كلا البلدين المصير نفسه: السجن والتعذيب والإعدام والاختفاء القسري.

وأضافت "في أفغانستان، كانت حركة طالبان نتاج سنوات من لامبالاة العالم بالعدالة وإرادة الشعب، أما في إيران، فكان استمرار القمع نتيجة نظامٍ رأى في الإصلاح تهديداً وفي الاحتجاج عداءً، مع ذلك، فإن تاريخنا ليس مجرد تاريخ إخفاق، فقد حافظت المرأة الأفغانية في أحلك الظروف على التعليم السري والإعلام المحدود والمقاومة الصامتة، كان هذا الصمود الهادئ شكلاً آخر من أشكال النضال، وفي إيران وقفت النساء أيضاً من الشوارع إلى الجامعات، رغم الاعتقالات والعنف، وجد كل جيل لغة جديدة للاحتجاج وكسر الصمت".

سلطت وسائل الإعلام العالمية الضوء أحياناً على هذه المقاومات، لكنها ترى أن السياسات العالمية ظلت قائمة على المصالح، حيث أصبح ألم الشعوب خبراً، لا التزاماً، فقد بدأ عشرون عاماً من الوجود العسكري الغربي في أفغانستان بوعد الديمقراطية، وانتهى بعودة طالبان، كانت هذه النهاية نتيجة تجاهل الشعب ولا سيما النساء، والثقة في مؤسسات فاسدة، كما في إيران حيث فشلت عقود من القمع في إسكات التوق إلى الحرية، قُمع كل احتجاج لكن ذكراه بقيت راسخة في الذاكرة الجماعية، وأصبحت تجربة مشتركة.

عند تأمل تاريخ البلدين، ترى أن شعبيها كانا ضحايا الجغرافيا؛ ضحايا حقيقة أن أرضهم كانت ذات أهمية بالغة للسلطات القائمة، بينما لم تكن حياتهم كذلك، تحملت النساء هذا العبء أكثر من غيرهن، دون أن يكون لهن أي رأي في صنع القرار، لكن هؤلاء النساء أنفسهن أصبحن ركائز للمقاومة، وتحدين الرواية الرسمية للسلطة.

وترى أن النضال لم يكن دائماً متعلقاً بحمل السلاح، ففي بعض الأحيان، كان البقاء على قيد الحياة، والكتابة والدراسة، والحفاظ على الإنسانية، شكلاً من أشكال النضال؛ نضالاً أقل وضوحاً ولكنه أعمق، ولو كان العالم يؤمن حقاً بالعدالة، لكان عليه أن يقف إلى جانب الشعوب، لا الحكومات، لكن تاريخ أفغانستان وإيران أظهر أن المصالح السياسية غالباً ما طغت على القيم الإنسانية.

وقالت الناشطة الأفغانية ليلى أرشد في ختام حديثها "ما زلت أؤمن بأن المستقبل يُبنى من رحم هذه المعاناة. اكتسبت النساء المضطهدات تجربة ستجعل الأجيال القادمة أكثر وعياً. لا أرى تاريخ إيران وأفغانستان كسردين منفصلين، بل كقصتين متشابكتين. قصص الأمم التي جُرحت تحت ضغط العالم والحكومات، لكن نساءها صمدن وما زلن صامدات".