تحول نوعي في عمل المنظمات النسوية العراقية... بين التمكين والاستدامة نحو 2030

شهدت المنظمات النسوية العراقية بين عامي 2020 ـ 2025 تحولاً نوعياً، إذ انتقلت من الإغاثة العامة إلى برامج متخصصة في التمكين القانوني والاقتصادي، الإعلام، مراجعة التشريعات، وبناء شراكات تعزز الاستدامة نحو أهداف 2030.

رجاء حميد رشيد

العراق ـ في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، برز دور المنظمات النسوية في العراق بوصفها ركيزة أساسية لدعم النساء وتعزيز مشاركتهن في المجتمع، وقد شهدت السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً في طبيعة عملها، انتقلت فيه من الاستجابة الإنسانية إلى التمكين القانوني والاقتصادي والإعلامي، استطاعت تحقيق بعض الإنجازات رغم التحديات التي شكلت ملامح العمل النسائي عام 2025.

 

تحول نوعي في العمل النسوي

عن أبرز الأنشطة والإنجازات التي حققتها المنظمات غير الحكومية في دعم النساء بمختلف المجالات، قالت ندى الجبوري، رئيسة منظمة المرأة والمستقبل العراقية، إن الفترة ما بين عامي 2020 ـ 2025 شهدت تحولاً نوعياً في طبيعة العمل، حيث انتقلت المنظمة من تنفيذ أنشطة عامة تخص المرأة والفتاة العراقية إلى برامج أكثر تخصصاً، شملت مشاركات واسعة، ندوات، ورش عمل، والتعاون مع مؤسسات حكومية مهمة مثل أمانة بغداد ومحافظة بغداد.

وأوضحت أن العمل شمل النساء الموظفات حيث جرى التعاون مع الدائرة الوطنية للمرأة العراقية، إضافة إلى منظمات دولية بهدف تمكين النساء قانونياً ورفع مستوى الوعي لديهن وهو جانب بالغ الأهمية "المنظمة بدأت مساراً جديداً في عملها، فبالعودة إلى العشرين سنة الماضية التي ركزت على أعمال الإغاثة ودعم النازحات والنساء اللواتي تعرضن لعنف شديد خلال الحروب والنزاعات، نجد أن المرحلة الحالية تمثل نقلة نوعية حقيقية كونها تستهدف موظفات في ظل استقرار أمني نسبي"، مشيرةً إلى أن الفترة 2020–2025 تمثل انطلاقة نحو مرحلة 2030.

 

فرص عمل وتمكين اقتصادي

وحول أبرز المكاسب السياسية والحقوقية مثل سن التشريعات أو السياسات خلال هذا العام، ودور المؤسسات النسوية في تعزيز العدالة الاجتماعية والاقتصادية للنساء، أوضحت ندى الجبوري أن المنظمة عملت منذ سنوات على إعداد دليل أطلقت عليه اسم "دليل الطاقات الشبابية" حيث كانت تتلقى السّير الذاتية لشابات وشباب يمتلكون خبرات بسيطة أو حديثة، وكانت المنظمة تجري مقابلات معهم، ومن خلال علاقاتها مع المنظمات والقطاع الخاص، استطاعت توفير فرص عمل لعدد منهم، رغم محدودية التعيينات الحكومية، كما جرى توظيف بعضهم داخل المنظمة نفسها وتدريبهم وتأهيلهم.

وأضافت أن المنظمة كانت ترتبط سابقاً بمدرسة دربت العديد من الفتيات وساعدتهن في إيجاد فرص عمل، كما أن شبكات الاتصال والمعلومات فتحت أمامهن آفاقاً جديدة، وأسهمت في تحقيق قصص نجاح ملموسة، مشيرةً إلى أن الموقع الإلكتروني للمنظمة يوثق نماذج لنساء عدن إلى مقاعد الدراسة، منهن أمهات أكملن الدراسة الثانوية ثم الجامعية بالتوازي مع العمل، كما ساعدت المنظمة النساء في تسويق منتجاتهن الغذائية، ما أسهم في تمكينهن اقتصادياً وضمان مصدر دخل ومعيشة مستقرة لهن.

 

الإعلام وصوت المرأة

وفيما يخص انعكاس عمل المؤسسات النسوية على تمثيل النساء في الإعلام والمجتمع المدني ومواقع صنع القرار، بينت ندى الجبوري أنه من أبرز التحولات في عمل المنظمة هو التركيز على الإعلام، ولا سيما عبر مواقع التواصل الافتراضي من خلال برنامج البودكاست الذي أطلقته المنظمة قبل عامين، مؤكدة أن الإعلام يلعب دوراً محورياً حيث استضافت المنظمة عشرات النساء، وكشفت التجربة عن امتلاكهن كفاءة عالية في التواصل مع المجتمع.

واعتبرت أن هذا النشاط مهم جداً لأنه يمنح النساء القدرة على التعبير عن أنفسهن، وعن أدوارهن وتجاربهن الحياتية وقصصهن الشخصية ضمن اختصاصات متعددة شملت القانون والاقتصاد والطب، مع تمثيل مختلف فئات المجتمع، ولا يزال هذا النشاط مستمراً، وقد أسهم بشكل واضح في نجاح المشاريع خلال العامين الماضيين وحقق انتشاراً أوسع ورؤية جديدة.

 

الدعم القانوني والنفسي

وأضافت أن منظمة المرأة والمستقبل العراقية عملت منذ سنوات طويلة على إدارة مركز للدعم القانوني والنفسي للنساء اللواتي تتعرضن لمختلف أشكال العنف ليس الجسدي فقط، بل أيضاً اللفظي، الوظيفي، الاجتماعي، وكانت أبواب المنظمة مفتوحة من خلال تنظيم ورش عمل متعددة، إلى جانب تنفيذ دورات تدريبية لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ركزت على الحرف اليدوية والصناعات والمهارات المختلفة، بما يساعد النساء على اكتساب طاقة إيجابية، تحسين حالتهن النفسية والتغلب على معاناتهن.

وأكدت أن جميع الندوات والتدريبات تضمنت محاور لرفع الوعي بالحقوق والواجبات، العدالة الاجتماعية، وتكافؤ فرص العمل، والمشاركة في الانتخابات بما يعزز الشعور بالمساواة، مشددة على أن تكافؤ فرص العمل بين المرأة والرجل يُعد من أهم التحديات.

 

مراجعة التشريعات

وأوضحت ندى الجبوري أن المنظمة، بصفتها جزءاً من شبكة النساء العراقيات، عملت على مراجعة العديد من التشريعات والاستراتيجيات الخاصة بالمرأة، وإعداد تقارير الظل التي تعد أداة مهمة في العمل، كما شملت الجهود مراجعة قانون الأحوال الشخصية وما طرأ عليه من تعديلات، مع الإصرار في المرحلة المقبلة على العمل من أجل تشريع قانون جديد بصيغة عادلة.

وأشارت كذلك إلى التركيز على قانون العنف الأسري، حيث شاركت المنظمة ضمن حملة الـ 16 يوماً لمناهضة العنف ضد المرأة، وأسهمت بشكل كبير في تنظيم مؤتمر موسع تناول آفاق العمل والمناصرة للمرحلة القادمة، بهدف حث البرلمان على تشريع قانون العنف الأسري، الذي يهم جميع فئات المجتمع، لا سيما النساء والأطفال وكبار السن، وكذلك الرجال.

 

الشراكات والاستدامة

وعن أبرز الفرص المستقبلية التي يمكن البناء عليها لتعزيز مكتسبات عام 2025، أوضحت ندى الجبوري أن أهم التحديات تتمثل في تراجع دعم الجهات الدولية المانحة، إذ تقلصت المنح بشكل كبير بعد حرب غزة والحرب الروسية الأوكرانية، وحتى بعض الجهات الدولية أغلقت برامجها على مستوى العالم.

وأكدت أن الحل الأمثل يكمن في تبني نموذج "الاقتصاد المختلط" القائم على الشراكة بين منظمات المجتمع المدني والجهات الحكومية والقطاع الخاص العراقي، بحيث يساهم القطاع الخاص بجزء من الضرائب أو الموارد لدعم هذه المنظمات، بما يضمن استدامة عملها وتحقيق أهداف التنمية المستدامة حتى عام 2030.

وأضافت أنه في حال الإيمان بدور المجتمع المدني بوصفه عملاً موازياً ومكملاً للعمل الحكومي، فلا بد من إيجاد فرص حقيقية للاستدامة، التي لا يمكن أن تتحقق بالاعتماد على العمل التطوعي فقط، مشددة على ضرورة أن توفر الحكومة أماكن ودعماً لوجستياً للمنظمات سواء عبر الضرائب أو من خلال تنفيذ فعاليات مثل المؤتمرات، حملات التوعية، نشر المعلومات من قبل المنظمات، لافتةً إلى أن ضعف دعم الشركات والبنوك لفعاليات المجتمع المدني يؤثر على عملها رغم أن هذا الدور يعد أساسياً في المجتمعات المستقرة أمنياً ويساهم في تعزيز الاستقرارين الأمني والاقتصادي.

 

غياب الدعم الحكومي

فيما يتعلق بالتحديات التي واجهت المؤسسات النسوية خلال عام 2025، أكدت ندى الجبوري أن أي مشروع لا يمكن تنفيذه دون ميزانية، مشيرة إلى أن انخفاض عدد المشاريع هذا العام يعود جزئياً إلى ضعف دعم بعض الجهات الحكومية، كما لفتت إلى صعوبة تحقيق الاستدامة في ظل عدم استقرار الكوادر المؤهلة، إذ إن غياب المشاريع يدفع الكفاءات البشرية إلى البحث عن فرص عمل أخرى.

وأعربت عن أسفها لعدم وجود إجراءات حكومية فعلية تدعم المنظمات، رغم أن الدستور العراقي كفل حرية عملها ودعمها، مؤكدة أن غياب تخصيصات مالية أو حتى توفير مقرات وأدوات أساسية لإدارة المنظمات الرصينة، يعيق قدرتها على الاستدامة والعمل المشترك مع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية.

وأكدت رئيسة منظمة المرأة والمستقبل العراقية ندى الجبوري إن قضية المجتمع المدني لم تحظَ بالأولوية الكافية لدى صناع القرار، رغم أهميتها ودورها المحوري، مشددة على أن دعم منظمات المجتمع المدني لا يقل أهمية عن المؤسسات الأخرى في المجتمع العراقي.