تونسيات يواجهن التحديات البيئية بمشاريع مبتكرة نحو الاقتصاد الأخضر
شهدت الدورة الثالثة عشرة لملتقى ريادة الأعمال في العاصمة التونسية حضوراً لافتاً لعدد من التجارب النسائية التي أثبتت قدرتها على تحويل التحديات البيئية إلى فرص اقتصادية مبتكرة، مؤكدات أن الاقتصاد الأخضر يمثل مساراً واعداً لتحقيق التنمية المستدامة.
نزیھة بوسعیدي
تونس ـ لطالما كانت المرأة التونسية في مقدمة الفئات الأكثر تضرراً من المشاكل البيئية وذلك بسبب هشاشة وضعها الاقتصادي، لكنها في الوقت نفسه تتصدر صفوف الباحثين عن حلول لهذه التحديات، من خلال جهودها في التحسيس والتوعية، وتثمين وتحويل كل ما هو صديق للبيئة، والمساهمة في تحقيق التنمية المستدامة في الجهات.
على هامش الدورة الثالثة عشرة لملتقى ريادة الأعمال المنعقد في العاصمة التونسية على مدى اليومين الماضيين، أجرت وكالتنا لقاءات مع عدد من التجارب النسائية الناجحة في مجال المشاريع الصديقة للبيئة، رغم ما يواجهها من صعوبات وتحديات، وفي هذا السياق، أوضحت فتحية عبد الحق من مدينة تطاوين أنها اختارت تحويل التمور إلى عدة مشتقات مثل سكر التمر، وخل التمر، وقهوة نواة التمر، إضافة إلى مواد غذائية طبيعية خالية من الإضافات.
وأشارت إلى أن رب التمر من الموروث الغذائي بالجنوب التونسي لكن تم الابتعاد عنه في السنوات الأخيرة لذلك رات أنه يجب إدخال بعض الفواكه الجافة على غرار الكاكاویة والجلجلان والبوفريوة حتى يكون له مذاقاً مختلفاً وخفيفاً "ما أقوم به ینضوي تحت الاقتصاد الأخضر كمسار اتبعته منذ البداية لأني أقوم بتثمين التمور التي جفت بسبب التغيرات المناخية وحصلت من خلاله على بعض الجوائز الهامة".
وبخصوص أهداف مشروعها قالت إنها تسعى من خلاله إلى تحقيق التنمية المستدامة، إذ يحمل ما تقوم به أبعاداً بيئية واقتصادية واجتماعية، حيث يوفر فرص عمل للنساء في مجال التنظيف والتعليب باستخدام مواد طبيعية تحافظ على البيئة، وسريعة التحلل في الأرض، مثل الكرتون والألياف النباتية. واختتمت حديثها برسالة موجهة إلى كل امرأة تونسية تمتلك فكرة قابلة للتنفيذ "أسعي وثابري فبالتأكيد سيكون النجاح حليفك".
مشاريع بيئية
وقدّمت إيناس بالشيب من مدينة القيروان، خلال هذا الملتقى، مجموعة من أواني الطبخ المصنوعة من خشب بقايا الزيتون بعد شذبه، إضافة إلى بعض الكراسي والتحف التي أنجزتها باستعمال نبات الحلفاء، وقالت إن هدفها الأساسي لا يقتصر على التعريف بمنتجاتها الصديقة للبيئة، بل يتجاوز ذلك ليكون رسالة موجّهة إلى صاحبات الشهادات العليا لا تنتظرن وظيفة، بل اتجهن نحو المشاريع البيئية، فالفائدة عامة والمجال مفتوح أمامكن.
وأوضحت "أنا خريجة فنون جميلة منذ عام 2011، وخلال دراستي قمت بتربص في ورشة لتحويل الحلفاء وبقايا الزيتون، وبعد التخرج عدت للعمل في هذا المجال، وشاركت في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي درّب وكوّن 300 امرأة في مجال الاقتصاد الدائري، والاهتمام بكل ما هو طبيعي لا يضر بصحتنا وصحة غيرنا، مع التركيز على كيفية الحفاظ على البيئة عبر رسكلة وتحويل البقايا إلى منتجات جديدة، فعلى سبيل المثال، بقايا الزيتون التي غالباً ما تُحوَّل إلى فحم يمكن استخدامها لإعداد أواني منزلية صحية أو لتزيين المنازل داخلياً وخارجياً".
بوابة خضراء
الشابة إسلام الزالي، مستشارة في التغيرات المناخية وخبيرة في حماية البيئة، تمتلك تجربة ملهمة في مجال الحفاظ على البيئة والانخراط في الاقتصاد الأخضر باعتباره مجالاً واعداً قالت "درست في تونس ثم أتممت دراستي في فرنسا في مجال حماية المحيط، وبعد التخرج رغبت في تطوير ذاتي، خاصة وأن الأساتذة كانوا ينصحوننا بالانخراط في المجتمع المدني، بالفعل انخرطت فيه لمدة تناهز عشر سنوات، وكانت بداية مشواري العملي من خلال تعليم الأطفال في عشر مدارس كل ما يتعلق بحماية البيئة وكيفية رسكلة النفايات".
وأضافت "توليت إدارة مشروع في مجال التغيرات المناخية، وهناك اكتشفت علماً جديداً يعرف بالسياسات المناخية، كما شاركت لأول مرة في قمة المناخ COP24، حيث تعرفت على تجارب من مختلف أنحاء العالم، ومنذ ذلك الحين أصبحت حريصة على السفر والمشاركة في العديد من البلدان".
وعن التحديات التي واجهتها، أوضحت "اعترضتني عدة صعوبات، من بينها الحصول على التأشيرة والتمويل، واكتشفت أن هذه التحديات مشتركة بين الشباب، لذلك قررت تأسيس بوابة خضراء موجهة لشباب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تهدف إلى مساعدة كل من يرغب في الانخراط في هذا المجال ولا يمتلك المعلومات الكافية، أو من يسعى إلى السفر دون أن تكون لديه فكرة عمّا هو متاح عربياً وإقليمياً ودولياً، إضافة إلى تمكينهم من الحصول على منح".
وأشارت إلى أنها كشابة تونسية، واجهت العديد من التحديات منذ اللحظة التي اختارت فيها اختصاص دراسة البيئة وحماية المحيط، حيث نصحها البعض بتغييره، وحتى والديها لم يخفيا مخاوفهما بشأن مستقبلها المهني، مؤكدةً أن إيمانها بنفسها وبقدراتها كان أكبر بكثير، رغم أن المستقبل لم يكن واضحاً أمامها إلا أن المحيطين بها كانوا يلقبونها بـ "لبيبة"، في إشارة إلى شعار "لبيب" المعروف في تونس للحفاظ على البيئة "أنا اليوم فخورة بذلك اللقب، وأومن بأن الإيمان بالنفس هو الأساس، وأن على الإنسان أن يسعى بالتوفيق والنجاح، لدي الكثير من المهارات التي تخول لي مساعدة الفلاحين حول كيفية التعامل مع الأرض في ظل التحديات المناخية المطروحة".