المجتمع بين الخمول القاتل والتطرف العشوائي

في عصرٍ حوّلت فيه وسائل الإعلام ووسائل التواصل الافتراضي الحزن إلى سلعة استهلاكية، يجد المجتمع المفجوع نفسه معلقاً بين خطرين: إما الخمول القاتل والتطرف العشوائي.

شيلان سقزي

مركز الأخبار ـ كل نضال تحريري في التاريخ الحديث كان ملطخاً بالدماء والتعذيب، فلم تخلُ تجربة التحرير قط من المأساة؛ بل غالباً ما بُنيت أو انهارت من خلال هذه المآسي، السؤال هو: في سياق حرب ضد دكتاتورية، وفي خضم القتل الجماعي والحداد، كيف ينبغي للمرء أن يواجه هذا الواقع، وما الذي يمكن فعله للحفاظ على الإنسانية والأمل والقدرة على المقاومة الاجتماعية؟

في أيامٍ تُغرق فيها وسائل الإعلام المعارضة وشبكات التواصل الافتراضي، القائمة على منطق الربح والخسارة، المجتمع بصورٍ مروعةٍ من الدمار والحزن، علينا أن نفكر بموضوعيةٍ وببساطةٍ في المجتمع والصحة النفسية للمواطنين، حتى وإن اقتضى الأمر حلولاً بسيطةً وفورية، لا ينبغي للوضع الراهن أن يحوّل شعباً مفجوعاً إلى أمواتٍ سائرين.


         


        
أنماط التحرر

تُظهر تجارب التحرر أن المواجهة الجماعية مع الإبادة الجماعية تتطور في اتجاهين رئيسيين: إما تحويل الحداد إلى مجال سياسي متوازن، كتشكيل مؤسسات جماعية تُطالب بالعدالة وتسعى إليها وتحافظ على ذكرى الضحية، أو الغرق في حداد كثيف وتفكك سياسي يُفضي إلى عزلة جماعية وعجز عن التنظيم.

في مناقشته لإنهاء الاستعمار، يُشير فرانتس فانون إلى أن عنف الاستعمار لا يُمزق الجسد فحسب، بل يُحطم أيضاً النفس الجماعية؛ ولكن في الوقت نفسه، يُمكن أن يكون فعل النضال نفسه بمثابة جرس إنذار يُحوّل الحداد إلى عمل، من جهة أخرى، تُظهر تجربة اليهود في أوروبا وانعكاس تنظيمهم اللاحق كيف يُمكن لتوثيق الواقع وإنتاج سرد وثائقي أن يمنعا العزلة وفقدان الذاكرة، إنها تجربة مُرّة ومميتة، لكن لا ينبغي للأشخاص المنخرطين في حكومة استبدادية أن ينظروا إلى مذبحتهم على أنها استثناء من التاريخ، وأن يعتقدوا، بتضخيمها، أن يداً من السماء أو من الخارج ستنقذهم.

وتؤدي هيمنة النهج العاطفي إلى إهمال القضية الأساسية المتمثلة في ضرورة وجود تنظيم متخصص في مواجهة حكومة وقوى قمع مدربة ومحترفة، ويكمن جوهر التاريخ في أنه إذا كُبت الحزن، أي إذا لم تكن هناك إمكانية للتعبير عنه، أو الحداد عليه، أو ممارسة طقوس إعادة البناء الرمزي، فإنه يتحول إلى تعقيد جسدي واجتماعي؛ قلق مزمن، وخمول جماعي، وفقدان رأس المال الرمزي، وانهيار الثقة، حيث تقول نظرية الجسد: إن الصدمة تُسجل في الجسد الجماعي؛ فالحزن غير المسؤول يمنع الأجساد من أداء وظائفها الاجتماعية ويُضعف قدرتها على المقاومة.

وعلى مرّ التاريخ الإيراني، تراكمت طبقات من التجارب المؤلمة والعاطفية التي فُسِّرت أحياناً كمصدر للصمود، وأحياناً أخرى كعائق أمام العمل السياسي، لقد حوّل الغزو المغولي، وفترات الاحتلال والقمع الطويلة، والانقلابات الخارجية والداخلية، والهزائم السياسية المتكررة، الذاكرة الجماعية إلى حقل من الصدمات، لكن السؤال الأهم هو: لماذا ينحرف رد الفعل السائد أحياناً نحو نوع من الكرم الصوفي أو الاستسلام العاطفي للقدر؟ لماذا أصبحت تجارب الغزو المغولي والعربي، أو احتجاجات 28 كانون الأول/ديسمبر، حداداً دائماً في التاريخ الإيراني، ولماذا لم يتجاوز حتى المثقفون والكتاب المرحلة الأولى من الحداد، أو يقودوا المجتمع لتجاوزها؟ في هذا الصدد، كان المجتمع أكثر تقدماً من المثقفين.

يشير التحليل النفسي الجسدي إلى أنه عندما تغيب الهياكل المؤسسية اللازمة للحداد، أي عندما لا يكون هناك إمكانية للدفن الرمزي، أو توثيق الحقيقة، أو أداء الطقوس الجماعية، يلجأ السكان إلى آليات داخلية لتنظيم المشاعر، والتصوف الفردي، والصمت الروحي، أو فكرة القدر والمصير، ليست بالضرورة علامات ضعف أخلاقي، بل هي بالأحرى آلية دفاعية، لكن هذه الآلية تُصبح إشكالية عندما تُعيق التنظيم الاجتماعي؛ فعندما يغرق الفضاء العام في نزع الغموض، تضعف القدرة على دمج الغضب والحزن في عملٍ بنّاء.

من منظور الفلسفة التحررية، يتطلب النضال هياكل لإعادة إنتاج الطاقة العاطفية بشكلٍ مُنضبط؛ فالغضب والكراهية، إن لم يُحصرا ضمن نطاق الجسد، يُفضيَان إلى سلبية جماعية أو انفجارٍ أعمى، يبقى المثقفون وجزء من الجمهور ممن ينغمسون في "تقديس المأساة" غافلين، دون وعي، عن هذه الهندسة التي تُحوّل الحداد إلى سياسة، ويجب توجيه هذا النقد بحزمٍ ودقة؛ فلا ينبغي الخلط بين الروحانية الدفاعية والاستسلام.


لماذا تأخرنا كل هذا الوقت؟

يُؤدي الضغط التاريخي وغياب البناء المؤسسي للمتطلبات الأساسية للنضال إلى تأخر إدراك الطبقات والجماعات في إيران لطبيعة الديكتاتورية، ويعود هذا الفهم المتأخر للواقع السياسي إلى عاملين: الانقسام التاريخي-القومي، وتقسيم رأس المال الرمزي الذي يحول دون التقارب المبكر؛ والافتقار إلى أساليب التوعية المقاومة المتفرقة القادرة على تحويل الحزن إلى عمل.

من منظور فلسفة النضال، ثمة صورتان للتحرر؛ الأولى هي التحرر الانفجاري الذي يسعى إلى التطهير الفوري، والثانية هي التحرر المنظم الذي يُفكر في تهيئة الظروف الاجتماعية والقانونية لنقل السلطة، تكمن المشكلة في أن مختلف الأطياف في إيران، المثقفون، والطبقة الوسطى، والعمال، والقوميات، لكل منها صورتها الخاصة، ونادراً ما تتفق على استراتيجية مشتركة قبل الانخراط في العمل الميداني؛ مما يُؤدي إلى تبديد الطاقة الأولية وتحوّل الحزن إلى إحباط.

حيث يحذر التحليل النفسي الجسدي من أن الحزن المتراكم دون منفذ رمزي يُصبح "دماغاً كثيفاً"؛ تبقى الأجساد في حالة بقاء، وتتلاشى دوافع العمل، وتتلاشى الآمال الهيكلية، لذا، فإن التطرف السريع في الفضاء، في غياب آليات دعم مادية ونفسية واجتماعية، يُعدّ خطيراً للغاية، إذ يزيد من احتمالية تكرار دوامة القمع والهزيمة، في السنوات الأخيرة، وفي مجزرة كانون الثاني/يناير 2025، إلى جانب الدور الرئيسي للحكومة في المجزرة، لا ينبغي إغفال دور المعارضة خارج إيران، التي ساهمت في تطرف الفضاء دون مراعاة القيود الحقيقية للواقع، أي أن المعارضة والقوى السياسية نفسها تعاني أيضاً من هذا التسطيح العاطفي للنضال، ومن غياب التفكير في التنظيم.

عندما يشهد ملايين الناس جريمةً، ويشهدها العالم أجمع، لم يعد الحداد شأناً خاصاً، بل أصبح مجالاً عاماً ملموساً، يتميز الحداد الجماعي بعد المجازر الجماعية بخصائص تميزه عن الحداد الفردي: كثافة مظاهر وصور الرعب التي تُفاقم الصدمة؛ غياب عملية حداد رسمية ومعتمدة؛ والضغط المتزامن من الأسرة والاقتصاد والأمن الذي يُحد من موارد إعادة الإعمار.

يمكن لهذا الوضع أن يتخذ مسارين: إما تحويل الحداد إلى شبكة مقاومة اجتماعية، حيث تلعب الروايات وطقوس الإحياء والتسجيل القانوني والتضامن بين الأجيال دوراً هاماً، أو الانزلاق إلى سلبية جماعية و"تفكير الموت" الذي يُشكل تهديدًا مُستمراً، يكمن الفرق الجوهري بين الحداد الفردي والجماعي في أن الجماعة إما أن تتقاسم وطأة الألم وتستعيد قدرتها على الفعل، أو على العكس، أن تُحاصر نفسها في دوامة لا نهاية لها من اليأس.

تُظهر الأبحاث أن رؤية صور المجزرة تُنشط شبكات الألم الاجتماعي وحالات من الوعي المُعلق؛ ولكن إذا ما أُتيحت مساحات جماعية لتحويل هذه المشاعر إلى لغة سياسية وطقوسية، يُمكن تحويل هذه الطاقة إلى تنظيم ومطالبة، وإلا، فإن التقاعس عن صنع التاريخ يصبح خطيراً، ففي الواقع، لا تتحمل الجماعات والحركات التي أطلقت نداءات جماعية لحث الناس على النزول إلى الشوارع، مثل نجل محمد رضا بهلوي، أي مسؤولية في هذه الحالة بعد الكارثة.

ولا يقتصر الأمر على انعدام المساعدة تقريباً للأسر المفجوعة، بل إن التغطية الإعلامية المكثفة لصور القتلى تزيد من الألم الجماعي، لقد غرق المجتمع في حالة صدمة شديدة، ولم يُتوقع أن تلعب أي جماعات أو مؤسسات شعبية دوراً في هذا الوضع.


         


        
المرونة وسياسات التحرير

ما يتضح من التاريخ العالمي لنضالات التحرر، وما تخبرنا به التحليلات النفسية الجسدية وفلسفة التحرر، هو أن الحداد السياسي لا يمكن معالجته بنصوص العلاج النفسي أو بشعارات سياسية فحسب؛ بل نحتاج إلى مجال متعدد التخصصات يقوم بثلاثة أمور في آن واحد؛ أي أنه يجب أن يقدم مقترحات بسيطة وموضوعية للمجتمع المفجوع، فالناس لا يملكون سوى أنفسهم، فما العمل؟ علينا أن نقبل الجسد كموقع للسياسة؛ يجب أن نخلق مساحات تجد فيها الأجساد الأمان المادي والرمزي، مساحات الحداد الآمنة، وجلسات العلاج الحركي الجماعي، وتمارين التنظيم العصبي التي تقلل من القلق المزمن وتعيد قوة إعادة البناء، والمناصرة الرمزية، وتوثيق الحقيقة؛ فالروايات والوثائق والفنون والطقوس الجماعية ضرورية ليس فقط لتحقيق العدالة القانونية، بل أيضاً للشفاء الرمزي.

إن توثيق الأحداث وإقامة مراسم تأبين عامة هو نوع من إعادة بناء الهوية يمنع السلبية الجماعية، سياسة تنظيمية واقعية؛ يجب أن يكون النضال هيكلياً وقائماً على شروط مسبقة، حماية الشبكات، وتوفير الدعم المعيشي للأسر الثكلى، والتدريب على المقاومة المادية والرقمية؛ تحوّل هذه السياسات طاقة الغضب إلى عملٍ مستدام، لا إلى انفجارٍ عنف، إذا لم تُفعّل شبكات التعاطف والدعم هذه في المجتمع، فسنواجه كارثةً أكبر.

الأمل ليس مجرد تفاؤل، بل هو شجاعة العمل الدؤوب والبناء، هو أن نتعلم كيف نحول الغضب والحزن إلى عملٍ جماعي، وكيف نعيد بناء الأجساد لاستعادة القدرة على التنظيم، وكيف نستعيد الروايات لنخلق ذاكرةً تمنع تكرار الجريمة، ثمة بوادر لهذا الأمل؛ في الفنون السرية، وفي روايات العائلات، وفي شبكات الدعم الخفية، مهمة سياسات التحرير والمعالجين الاجتماعيين هي صقل هذه الجذور، وربطها، ومنع تكرار الكارثة، لا لإنقاذ اليوم فحسب، بل لبناء الغد.