خمسة عشر عاماً من التحول السياسي... هل غيّرت موقع المرأة الليبية من الحق إلى الفعل؟
بعد 15 عاماً على الثورة الليبية، تتقاطع شهادات أربع نساء في رسم صورة متباينة لمسار المرأة بين الوعي والتمكين، حيث تكشف قراءاتهن المختلفة عن تحول معقد يبدأ من الداخل قبل أن ينعكس على حضورها في المجال العام وصناعة القرار.
منى توكا
ليبيا ـ في السابع عشر من شباط/فبراير عام 2011، اندلعت شرارة الثورة الليبية، حين خرجت مظاهرات شعبية واسعة في مدن الشرق الليبي مثل بنغازي والبيضاء وطبرق مطالبة بالحرية والعدالة، وسرعان ما تحولت هذه الاحتجاجات السلمية إلى مواجهة لتدخل البلاد في صراع مفتوح وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة مليئة بالتحديات السياسية والأمنية.
منذ اندلاع الثورة دخلت المرأة الليبية مرحلة اختبار تاريخي مزدوج، اختبار الحرية واختبار المسؤولية، فبعد عقود من تغييب المجال العام وإفراغ السياسة من معناها التشاركي، وجدت نفسها أمام مساحة مفتوحة، لكنها ملغومة بالفوضى والانقسام والهشاشة المؤسسية، خمسة عشر عاماً مرّت، ولم يعد السؤال مرتبطاً فقط بحق التصويت أو الترشح، فهذه الحقوق أُقرت قانونياً، السؤال الأعمق اليوم هو هل استطاعت المرأة الليبية أن تحوّل هذا الحق إلى قدرة فعلية على التأثير؟ وهل غيّرت هذه السنوات وعيها بذاتها وبمكانها في الدولة والمجتمع؟ أم أن المشاركة لا تزال محصورة في حدود شكلية لا تمس جوهر صناعة القرار؟
أربع نساء، بأربع قراءات مختلفة، قدمن إجابات متباينة، لكنها تكشف معاً مساراً معقداً لتحول المرأة الليبية من الداخل قبل الخارج.
الوعي يتصاعد والتمكين يحتاج إلى استمرارية
تؤكد الصحفية وسفيرة التوعية الانتخابية زهرة موسى أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً تدريجياً في مستوى وعي النساء بالعملية الانتخابية، هذا التحول بحسب قولها لم يكن نظرياً أو افتراضياً بل لمسنه مباشرة خلال جلسات التوعية والحوارات المفتوحة التي استهدفت نساء في المدن والضواحي بل وحتى عبر زيارات ميدانية داخل البيوت.
ولفتت إلى أن كثيراً من النساء اللواتي كنّ يترددن في الحديث عن السياسة قبل سنوات، أصبحن اليوم يسألن عن آليات الترشح عن صلاحيات المجالس البلدية، وعن دورهن في الرقابة والمساءلة، معتبرةً أن ارتفاع نسبة مشاركة النساء في الانتخابات وتولي عدد منهن عضوية المجالس البلدية يعكس تحولاً في إدراك المرأة لأهمية وجودها داخل مراكز القرار المحلي.
لكن زهرة موسى لا ترى الصورة مكتملة، وأن هذا الوعي لا يزال غير متكافئ جغرافياً واجتماعياً، وأن النساء في المناطق البعيدة والقرى لا يزلن بحاجة إلى دعم أكبر، بالنسبة لها التمكين ليس لحظة انتخابية عابرة بل عملية مستمرة تتطلب عملاً قاعدياً طويل النفس حتى يصبح حضور المرأة في السياسة أمراً طبيعياً لا يحتاج إلى تبرير.
بين النص القانوني والوعي الذاتي
تتبنى عزيزة حسين مواطنة من سبها موقفاً نقدياً حاداً، فهي ترى أن ما قبل 2011 لم يكن فيه وعي انتخابي حقيقي بسبب غياب الحياة السياسية الفعلية، لكن بعد الثورة، ورغم مرور أكثر من عقد ونصف تعتقد أن المرأة لم تستثمر الفرصة كما يجب.
وتقول إن كثيراً من النساء ما زلن يظهرن في المشهد كـ "تكملة عدد" في بعض الدوائر الانتخابية والمجالس المحلية دون حضور فكري أو تأثير حقيقي، وتوضح أن التحول يبدأ من الداخل من بناء الثقة بالنفس، ومن الاستثمار في التعليم السياسي والوعي القانوني، بالنسبة لها لا يمكن الحديث عن تغيير حقيقي إذا لم تؤمن المرأة أولاً بأنها ليست مجرد صوت انتخابي، بل عقل قادر على القيادة وصناعة القرار.
قراءة عزيزة حسين، وإن بدت قاسية تضع مسؤولية مزدوجة وهو على المجتمع الذي يقيّد، وعلى المرأة التي يجب أن تكسر القيود الداخلية قبل الخارجية.
الطفرة بدأت والمرأة تفرض حضورها
الناشطة المجتمعية والمترشحة السابقة لعضوية مجلس بلدي زمزم أحمد، ترى أن السنوات الأخيرة حملت تحولات ملموسة لا يمكن إنكارها، مؤكدةً أن المرأة الليبية نجحت في تحويل الحق القانوني في التصويت والترشح إلى حضور سياسي فعلي خاصةً على مستوى الحكم المحلي.
ولفتت إلى ترشح أعداد ملحوظة من النساء في الدورات الأخيرة، وإلى تولي نساء منصب عميد بلدية، معتبرة ذلك خطوة نوعية في مجتمع كان حتى وقت قريب يرى في القيادة المحلية مجالاً ذكورياً بامتياز "أن التحول لم يكن فقط في عدد المترشحات بل في نوعية الخطاب، فالمرأة لم تعد تترشح بوصفها "ممثلة للنساء" فقط، بل بوصفها صاحبة برنامج سياسي وخطة تنموية، كما أن النظرة الاجتماعية بدأت تتغير تدريجياً وأصبح وجود المرأة في المشهد السياسي أكثر قبولاً".
بالنسبة لزمزم أحمد، الانتقال من الشعارات إلى الواقع هو الإنجاز الأبرز، ولم تعد المشاركة الأمنية أو الاجتماعية تحل محل المشاركة السياسية بل أصبحت المرأة تخوض المنافسة المباشرة، وتنتزع موقعها في المعادلة.
التغيير الحقيقي هو تغيير الوعي
وترى الناشطة المدنية والمترشحة السابقة للبرلمان الليبي خديجة كناي، أن الفارق الجوهري بين ما قبل الثورة وما بعدها يكمن في الوعي لا في الشكل الخارجي للعملية الانتخابية "إن النساء قبل 2011 لم يكنّ يعرفن تفاصيل البرامج السياسية أو آليات الترشح وكان التصويت غالباً استجابة لطلب شخصي أو ضغط اجتماعي، أما اليوم فقد أصبحت المرأة أكثر إدراكاً لحقها في الاختيار الحر، وأكثر وعياً بأن صوتها يجب أن يُمنح لمن يمتلك الكفاءة والبرنامج لا لمن يطلبه فقط".
وأوضحت أن التحول ليس ثورياً بقدر ما هو تدريجي ومركّب، فالمشهد لا يخلو من تحديات مثل المحسوبية والمصالح الشخصية وبعض التجاوزات، لكن وجود هذه الإشكالات لا ينفي أن المجتمع بدأ يختبر مفهوماً أكثر نضجاً للمواطنة.
إعادة تشكيل المرأة من الداخل
بين هذه القراءات، يتضح أن المرأة الليبية بعد خمسة عشر عاماً ليست كما كانت قبلها، صحيح أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن التمثيل لا يعني دائماً التأثير لكن ما تغيّر فعلاً هو علاقة المرأة بذاتها، بثقتها، بجرأتها، وبفهمها لدورها السياسي.
التحول لم يكن مجرد زيادة في عدد الأصوات النسائية في صناديق الاقتراع، بل انتقال من الطاعة السياسية إلى الاختيار الواعي، ومن الهامش إلى محاولة اقتحام المركز.
بعد خمسة عشر عاماً، يمكن القول إن المرأة الليبية لم تعد متفرجة على المشهد السياسي، حتى وإن لم تتحكم بعد في قواعده بالكامل، لقد بدأت عملية إعادة صياغة عميقة من الداخل في الوعي، وفي الجرأة، وفي الطموح.
الحق في التصويت كان البداية، والحق في الترشح خطوة متقدمة، أما القدرة على التغيير فهي مشروع مفتوح، يتطلب نضجاً مؤسسياً ومجتمعياً، وإصراراً نسوياً لا يتراجع، وإذا كان هناك إنجاز حقيقي فهو أن المرأة الليبية لم تعد تنتظر أن يُفسح لها المجال، بل باتت تطرق الباب وأحياناً تفتحه بنفسها.