معرض صديق للبيئة... نساء غزة يحولن الركام إلى إبداع

يشكل معرض "أثر أخضر ـ غزة تبدع" رسالة مقاومة للأهالي تؤكد أن غزة قادرة على النهوض من جديد، بسواعد نسائها وشبابها الذين يحولون الألم إلى إبداع، والركام إلى مشاريع تحمل الأمل.

رفيف اسليم

غزة ـ رغم الركام والحرمان والحرب المستمرة يصرّ أهالي غزة على أن يجعلوا من الحياة مساحة للإبداع والأمل. تحت شعار "أثر أخضر ـ غزة تبدع"، انطلقت فعاليات أول معرض صديق للبيئة ليكون نافذة جديدة على قدرة النساء والشابات في غزة على تحويل المواد المعاد تدويرها إلى منتجات مبتكرة تحمل رسائل صمود وتمكين اقتصادي.

تحت شعار "أثر أخضر- غزة تبدع"، نظمت جمعية إنقاذ المستقبل الشبابي، بالشراكة مع مؤسسة إنقاذ الطفل الدولية والاتحاد الأوروبي، أول معرض صديق للبيئة بعد عامين من الهجوم على غزة، أمس الاثنين 12 كانون الثاني/يناير والذي سيستمر لثلاثة أيام متتالية، بمشاركة عشرات النساء والشابات اللواتي قدمن منتجات صديقة للبيئة معاد تدويرها، ليظهرن كيف يمكن للبيئة أن تكون ميداناً للإبداع والعمل المجتمعي.

 

تمكين عبر الاقتصاد الأخضر

منسقة مشروع شباب من أجل مستقبل أخضر ابتهال شراب أكدت أن المشروع يهدف لتحقيق التمكين الاقتصادي لفئتي الشباب والشابات، خاصة الرياديات منهن اللواتي فقدن مشاريعهن خلال الهجوم والتي تختص بالاقتصاد الأخضر وكيفية إيجاد حلول بديلة للأزمات التي يمر بها قطاع غزة.

وعن الزوايا ومنتجاتها أوضحت "هناك 22 زاوية مشاركة بالمعرض منها ما هو مختص بإنشاء المطابخ المتنقلة للنساء خلال فترات النزوح أو تلك اللواتي يسكن الخيام بشكل دائم، وهناك زاوية خاصة بصناعة المنظفات والصابون خاصة خلال أزمة المنظفات التي عصفت بالقطاع، وزاوية أخرى مختصة بالزراعة العضوية، وتجديد الملابس، والمطرزات، والرسم على الزجاج وغيرها من الأعمال الصديقة للبيئة".


         


        

منتجات من مواد خام معاد تدويرها

وبينت أن قطاع غزة مليء بالمبدعين الذين يتحدون كافة الظروف للخروج بمنتجات تعتبر حل أساسي للأزمة من العدم، ليثبتن لأنفسهن والعالم أحقيتهم بالحياة، لافتة إلى أن التمكين يعتبر المفتاح الأساسي للنهوض بتلك المشاريع ومساعدتها لتكمل طريقها وترى النور سواء كانت خاصة بالتراث، الدمى والألعاب، المأكولات والطعام الصحي، أو المشغولات الخشبية المعاد تدويرها.

ويعتبر فقدان المواد الخام هو الفكرة الأساسية لقيام المعرض فبحسب ابتهال شراب، كل ما هو موجود بالمعرض مواد معاد تدويرها من قبل النساء والشبان من الموارد المتاحة، متحدين خلال العمل النزوح المتكرر، والمخاطر الميدانية، وغلاء الأسعار، مشددة أن العمل على المشاريع في المرحلة التشغيلية وصولاً للمرحلة الإنتاجية لم يكن بالأمر السهل طوال تلك المدة.

وترى أن الاقبال على المعرض فاق توقعاتها وذلك لسبب بسيط كون أهالي غزة يفتقدون للحياة التي كانوا يعيشونها قبل الهجوم، فيعتبرون القدوم للمعرض حدث جميل واستثنائي خاصة أنه يقدم منتجات متنوعة وتلبي الكثير من احتياجاته، موجهة رسالتها للعالم أن قطاع غزة وسكانه يستحقون فرص معطاءة لإثبات براعتهم على الإنتاج والإبداع معاً.

 

مطبخ متنقل صديق للبيئة

في زاوية المهندسة منور الفرا، المشاركة في مشروع إعادة تدوير للأخشاب عبر صنع مطابخ متنقلة وذكية، تقول إن الفكرة جاءت من حاجة النساء الشديدة والنزوح القسري من مكان لأخر، والواقع المفروض على المرأة الفلسطينية، فمطبخها المصنع عبارة عن صندوق بعجلات متحركة يمكن فتحه من اليسار واليمين والاستفادة منه لغسل الأواني، أو كطاولة عمل، أو مكان بدائي للتخزين.

وبينت أنه من كان من الصعب توفير المواد الخام لبناء المطبخ، فبدأت بأحواض الاستيل والحنفيات وحتى الاكسسوارات المتوفرة في السوق المحلي منطلقة في رحلة بحث من المدينة للوسط والجنوب، كي تجد شيء يساعدها على نجاح الفكرة وتحويلها لمنتج يمكن لمسه على أرض الواقع، فاستخدمت منتجات معاد تدويرها كخشب المشاطيح والأرجل التي تحركها مستخرجة إياها من تحت ركام البيوت المهدمة والمقصوفة.

وأشارت إلى أنه في السابق لم تكن تفكر بتلك المشاريع فقد كانت مهندسة معمارية مسؤولة عن الكثير من المشاريع والمراكز التجارية ليحولها الهجوم إلى نازحة من مكان لمكان جل اهتمامها النجاة بنفسها وتوفير احتياجاتها.


         


        

ملابس معاد تدويرها بالتطريز والرسم

في زاوية أخرى توضح عائدة حميد، أنها مشاركة في زاوية تسمى "نفس" المختصة بإعادة تدوير الملابس مع إدخال التطريز الفلسطيني لتعطي للقطعة روح جديدة، فالفكرة أي قطعة قديمة تخرج من تحت الركام أو لها قيمة معنوية وبها نوع من التلف ويعز على مالكتها التخلص منها، تأتي هي وترممها بطريقتها الخاصة لتصبح صالحة للاستعمال من جديد.

وتلك الطريقة ليست حكر على حالات معينة، فهناك بحسب ما تشير لنا، الكثير من النساء والفتيات لديهن ملابس ممزقة ولا يمتلكن القدرة على الشراء خاصة مع الغلاء الفاحش للملابس المستوردة وإغلاق المعابر والحصار.

وأكدت أن إضافة التطريز الفلسطيني لإخفاء التمزيق لا يصلح الخلل فقط بقطعة الملابس، بل يعيد للمرأة هويتها الوطنية التي فقدتها على مدار عامين من التشتت، مبينة أنها دمجت بين الملابس العصرية والتقليدية فأنتجت العديد من الأثواب المطرزة والسترات الواسعة التي ترتديها الفتيات بكثرة اليوم.

وعن الصعوبات أوضحت أنه اختفاء المواد الخام من الأسواق وبعض الألوان التي تحتاجها للرسم والتطريز يعتبر عائق أساسي، عدا عن انقطاع الكهرباء لساعات طويلة وعدم قدرة الطاقة البديلة على سد النقص، إضافة إلى غياب الأخشاب وعدم قدرتها على إنهاء الكثير من القطع التراثية، مبينة أن ارتفاع المواد الخام يزيد التكلفة على المستهلك بالتالي يقل الشراء والطلب على تلك المنتجات التي تتمنى أن تحولها لعلامة مسجلة دولية تحت اسم "نفس".


         


        

دمى من القماش صديقة للبيئة

في زاوية الدمى تتحدث مها عوض، أنها فكرت بالتوجه في صناعة الدمى بعد الهجوم على غزة وانعدام البضائع المستوردة وحاجة الأمهات المستمرة في توفير دمية بسيطة ليلعب بها طفلها وهي أبسط الحقوق التي سلبه الوضع الحالي من الصغار، لافتة إلى أنها تصنع دمى آمنة تماماً للطفل لا حديد بها أو بلاستيك فقط القماش وبعض المواد المعاد تدويرها كأزرار الملابس البالية والقطن المحشو في الوسائد المرغوب التخلص منها، والأقمشة التي ترغب المصانع التخلص منها.

وتبدع مها عوض في صناعة أشكال متنوعة من الدمى القماشية بحيث يمكن للأم إعطائها صورة الطفل وإنتاج دمية مطابقة له أو كتابة الاسم عليها، عدا عن الأشكال والألوان المتنوعة التي تزين الزاوية، مبينة أنها مشاركتها بالمعرض اليوم مهمة للتسويق لذاتها ومنتجاتها خاصة مع ردة الفعل الإيجابية التي تبديها الأمهات على المنتج وحصولها هي على مصدر دخل ليس بكبير لكنه يوفر لها بعض احتياجاتها الأساسية.

 

حلم شابة يتحقق بالطبخ

بينما تروي سالي البربري، في زاوية تحت مسمى "أكلاتنا غير" أن صنع العديد من أطباق المأكولات هو ما يساعد على تمكينها اقتصادياً كشابة ويوفر لها احتياجاتها الأساسية، مبينة أن تلك المشاركة مهمة لها فقد كانت دوماً ما تسمع من محيطها أنها فتاة والفتيات لا يستطعن خوض مشاريع وحدهن كونها صغيرة كي تصبح طاهية ويسعى الزبائن لطلب الأطباق منها.

وأوضحت أنها تفاجأت بردة الفعل التي أبداها الزائرين خاصة أن الكثير منهم طلب رقم تواصل للمشروع لتجربة المزيد من الأصناف حينها شعرت بفخر كبير كونها من خلال هوايتها ستتمكن من بدء مشروعها الخاص، مختتمة أنها كغيرها من نساء غزة ترى بتلك الفعاليات بارقة أمل لتنهض المدينة من جديد وتعود للتعافي بسواعد نسائها اللواتي ما زلن يحاولن بإمكانيات بسيطة للغاية.