كيف لشعب منهك أن ينتقل من الاقتصاد الاشتراكي إلى الليبرالي... سوريا كواقع
.
مقال بقلم الصحفية سناء العلي
بخطوات متسارعة يتم تحويل النظام الاقتصادي الاشتراكي الذي يدعم جميع القطاعات من كهرباء، وصحة، وتعليم، إلى نظام الاقتصاد الليبرالي، الذي يعتمد الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والمبادرة الحرة، مع تدخل محدود للدولة، ليواجه السوريون اليوم مشافي تطالب بالمال قبل إسعاف الفقير، وفاتورة كهرباء قيمتها أكثر من راتب موظف، والنفط يسير نحو الخصخصة وإذا استمر العمل بهذا المنوال ستصبح الدراسة التي هي حق كل طفل للمقتدرين مالياً فقط.
الانهيار الاقتصادي خلال عقد ونصف من الأزمة
بعد أن كانت سوريا مكتفية ذاتياً، وليس لديها أي ديون للبنك الدولي، بدأ الاقتصاد يتراجع تدريجياً، وجراء السياسات الاقتصادية الخاطئة أضعف النظام السوري السابق الإنتاج المحلي بعد أن انتقل إلى السوق الحرة، ونوعاً ما أخذ الاقتصاد شكل "رأسمالية الدولة"، متبعاً نموذج نيوليبرالي.
تعقد المشهد السياسي وتعقدت معه الأزمة الاقتصادية، مع اندلاع الثورة وعسكرتها، وما لحق بالاقتصاد من خسارات جراء استهداف البنى التحتية من قبل جبهة النصرة وسرقة تجهيزات المعامل وبيعها بـ أبخس الأثمان لتركيا، دفعت الحرب والعقوبات، أبرزها قانون قيصر، إلى عزلة اقتصادية، وبالمقابل لم يجد النظام السابق بدٌ من التوجه نحو اقتصاد يعتمد على الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية والخصخصة، أي التحول إلى القطاع الخاص، ورُفع الدعم عن السلع الأساسية، و تحول الاقتصاد لاستهلاكي منخفض الإنتاجية، الاقتصاد السوري حينها يمكن تسميته بـ "رأسمالية دولة فاسدة".
مع ذلك وحتى آخر يوم لحكم النظام، بقي الاقتصاد مركزياً وموجهاً نوعاً ما، خصوصاً لجهة التحكّم في الأسعار، ودعم السلع، التي شحت في سنوات ما بعد العقوبات الدولية، وبقي التعليم والصحة مجانيتان والمحروقات والكهرباء والخبز مدعومة، وهو ما خفف نوعاً ما من حدة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد على نسبة كبيرة من الأسر.
فواتير الكهرباء تفجر الغضب الشعبي
مظاهرات شبه يومية تعيشها العاصمة دمشق التي صدم أهلها بفواتير الكهرباء التي تخطت الـ 100 دولار، وهو ما يقارب مرتب الموظف السوري في مناطق سيطرة الحكومة المؤقتة، وعجت مواقع التواصل الافتراضي برفض هذه الأسعار التي تترك العائلات بين ناري تأمين ثمن الطعام ودفع فاتورة الكهرباء، باختصار لقد رفع الدعم عن الكهرباء وقبل ذلك ارتفع سعر ربطة الخبز إلى الضعف.
والمستشفيات لم تعد تقدم العلاج المجاني، ويجبر أهالي المرضى على شراء حتى أبسط الأدوية والمستلزمات الطبية على حسابهم، بعد أن كانت دمشق وجهة كل السوريين لجودة الخدمة الطبية والأسعار المناسبة، أما قطاع النفط فبعد أن خرج من يدي قوات سوريا الديمقراطية قالت الحكومة المؤقتة أن الآبار تحتاج ثلاث سنوات لإمكانية الإنتاج.
اعلنت الحكومة المؤقتة بهذه السياسات أن زمن الاشتراكية الاقتصادية في سوريا قد انتهى، وتم الانتقال إلى الاقتصاد الحر، ما يبرر الارتفاع المتسارع لأسعار السلع، ارتفعت كلفة النقل خاصة أن سوريا اليوم بلد مستورد وليس مصدر.
سياسة الدعم لحماية الأسرة السورية
يعد استمرار سياسة الدعم مع إجراء إصلاحات اقتصادية كبيرة لتعويض الخسائر ركائز لدعم الأسرة السورية، التي في أغلبها تعيلها نساء وهي السياسة الأنجع لخفض الأسعار، وهذه مسؤولية الدولة لدعم الشعب وليست منة عليه، وبخط متوازي يجب رفع الرواتب إلى الضعف لاحتواء الأزمة والمساندة، ولكن رغم الوعود برفع الأجور بنسبة 400 بالمئة إلا أنه في الحقيقة لم يزد شيء، والفصل الوظيفي والسياسات التي تستهدف النساء العلويات خصوصاً من تضييق ونقل ينذر بأزمة خانقة إن لم تتحرك الدولة الجديدة بجدية لدرئها، لأن ترك الاقتصاد رهيناً بالقطاع الخاص ينطوي على مخاطر التركّز والبحث عن الربح بمعزل عن الحاجات الفعلية للمجتمع، ويؤدي لاتساع رقعة الفقر.
يزداد الفقراء فقراً
هذا الانتقال الصادم في الاقتصاد السوري يوسع الطبقة الفقيرة، فإذا كان 90 بالمئة من الشعب السوري تحت خط الفقر بحسب الأمم المتحدة فستسحق الطبقة الوسطى أكثر، ويتحول المجتمع السوري لأشخاص أغنياء وفقراء يصارعون لتحصيل لقمة العيش، وهذه الأزمة خلقتها الرأسمالية العالمية والتي تزيد من الضغط على البلاد التي عاشت أو ما تزال تعيش صراعات.
الخلاصة أن المرحلة الاقتصادية التي تعيشها سوريا خطرة على الأسرة السورية، وعلى العدالة المجتمعية، وخاصة على النساء اللواتي تتحملن عبء الأسرة بنسبة كبيرة.