"أصوات نساء" تطلق دليلاً إجرائياً لدعم ضحايا العنف الجنسي في تونس

يمثل الدليل الذي أطلقته جمعية أصوات نساء التونسية أداة إجرائية وعملية متكاملة تتجاوز المقاربات النظرية لتقديم آليات تدخل واضحة لفائدة النساء والأطفال ضحايا العنف الجنسي.

تونس ـ أعلنت جمعية "أصوات نساء" التونسية اليوم الأربعاء 17حزيران/يونيو عن إطلاق مسار استراتيجي متكامل لمكافحة العنف الجنسي ودعم الضحايا في تونس، يرتكز على تمكين الخطوط الأمامية وتوفير آليات رعاية متخصصة وسريعة.

المشروع يستند إلى ثلاثة محاور استراتيجية رئيسية، وتأتي في مقدمة هذه المحاور جهود بناء وتطوير قدرات المهنيين والعاملين في خطوط المواجهة الأولى.

وأكدت أريج الأسود، المكلفة بمشروع العنف الجنسي في الجمعية، أن هذه الجهود تكللت بوضع "الدليل النسوي الإجرائي للتعهد والتكفل بالنساء ضحايا العنف الجنسي"، الذي يعد "من أفضل الطرق للتعهد بالضحايا في تونس"، كونه يبين المسارات الأساسية المتبعة للتكفل بهنّ.

وأشارت إلى أن الدليل صِيغَ "وفق مقاربة نسوية حقوقية" ليكون أداة عمل عملية وشاملة لكافة المتدخلين؛ سواء من الفاعلين المباشرين، أو العاملين في مراكز الإيواء والمراكز النهارية، فضلاً عن المشرفين على خلايا الإنصات.

 

تدشين "مركز ناجية" وإطلاق خط ساخن

وفي خطوة تنفيذية لدعم هذا المسار، كانت الجمعية قد دشت "مركز ناجية" للتعهد بالنساء ضحايا العنف الجنسي، ويُعد هذا المركز التجربة الأولى من نوعها في تونس التي تُدار عبر منظومة المجتمع المدني بشكل متخصص بالكامل في هذا المجال، كما وضعت الجمعية خطاً هاتفياً مخصصاً للتبليغ على الرقم (54542500) لتسهيل وصول الضحايا إلى الدعم اللازم.

 

كسر "التابو" وأهمية التبليغ المبكر

وشددت أريج الأسود على خطورة العنف الجنسي باعتباره أحد أكثر أشكال العنف المسكوت عنه محلياً وعالمياً، رغم كونه يحتل المرتبة الثانية من حيث الانتشار بعد العنف المعنوي، وعزت ذلك إلى أن التبليغ لا يزال يُصنف كـ "تابو" أو محظور مجتمعي يسبب الحرج والضغط النفسي الممارس على النساء.

كما وجّهت رسالة حاسمة بضرورة التبليغ خلال "الساعات الأولى" من وقوع الاعتداء أو الاغتصاب؛ مؤكدةً أن التدخل السريع يحمي الحقوق القانونية والطبية للمرأة، وهو ما يوصي به ويؤكده الطب الشرعي لضمان نجاعة التعهد بالناجيات وملاحقة الجناة قانونياً.

 

المبادئ الموجهة وآلية حماية السرية

لمعرفة المزيد عن ذلك تحدثت وكالتنا إلى المختصة النفسية حياة الورتاني التي قالت أن إطلاق هذا الدليل الإجرائي يأتي في سياق عام يتسم بتفشي ظاهرة العنف الجنسي في الفضاءين العام والخاص على حد سواء، كما برز نمط جديد من الاعتداءات يتمثل في العنف الجنسي الرقمي أو ما يُعرف ب"العنف السيبراني".

وبينت أن الدليل يستند بالأساس إلى مرجعية حقوقية ونسوية تضع حقوق المرأة والناجيات من العنف الجنسي في صدارة أولوياتها، ويرتكز الدليل على جملة من المبادئ الأساسية، والتي تشمل نقطتين بحسب محدثتنا وهما:

احترام قرارات النساء: تبني خيارات الضحية دون فرض إملاءات عليها.

مبدأ السرية المطلقة للمعلومات: كآلية أمان ضرورية لتشجيع النساء على كسر حاجز الصمت، والتحدث عن تجاربهن، والتوجه نحو مراكز الاستماع لطلب الدعم.

وأكدت أن لجوء المرأة إلى مراكز الإنصات والاستماع لا يعني بالضرورة إلزامها بتقديم شكوى قانونية؛ حيث تلتزم المراكز باحترام رغبتها وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي لها في كل الأحوال، وفي حال اختيارها المسار القضائي، تتولى المراكز تقديم المرافقة القانونية بدءاً من التوجيه الاستشاري وصولاً إلى التمثيل والمواكبة داخل المحاكم.

 

الخصوصية الطبية ومخاطر الاغتصاب

المرافقة الطبية تمثل ركيزة حاسمة، لاسيما في حالات الاغتصاب التي تترتب عليها أضرار جسدية بليغة وتداعيات مباشرة على الصحة الجنسية والإنجابية للمرأة.

وعلى ذلك نبّهت حياة الورتاني إلى المخاطر الصحية الكبيرة المترتبة على هذه الاعتداءات، مثل احتمالية انتقال الأمراض المنقولة جنسياً (IST) أو حدوث حمل غير مرغوب فيه "هنالك أهمية كبيرة لتوعية كافة الأطراف المتدخلة في مسار الرعاية للتعامل بمهنية ودقة مع الخصوصيات الحرجة لهذه الحالات".

وأكدت على الأهمية البالغة لعنصر الوقت في المسارين الطبي والقانوني للناجيات من العنف الجنسي، وضرورة التوجه الفوري نحو الطب الشرعي "السرعة في هذا الإجراء تعد حاسمة لتوثيق القرائن والإثباتات الجنائية التي قد تختفي أو تتأثر بمرور الوقت".

 

بروتوكول حفظ الأدلة الجنائية

وفي إطار الإرشادات العملية الموجهة للمتدخلين، أشارت محدثتنا إلى ضرورة رفع وعي العاملين في مراكز الاستماع والضحايا أنفسهن ببروتوكولات حفظ الأدلة، ومن أهمها عدم غسل الملابس التي تم ارتداؤها أثناء الاعتداء والاحتفاظ بالملابس بالشكل الصحيح للحفاظ على الآثار البيولوجية (مثل السائل المنوي) التي تشكل دليلاً قاطعاً لإثبات واقعة الاعتداء أمام القضاء.

والدليل كما تقول يمثل أداة إجرائية وعملية لدعم المتدخلين وتوجيههم في كيفية التعهد بالناجيات، بما يضمن تمكينهن من تحصيل حقوقهن القانونية كاملة.

 

مفاهيم الصدمة والخصوصية الحرجة للأطفال

يتضمن الدليل تفكيكاً شاملاً للمفاهيم الأساسية المرتبطة بالعنف الجنسي، محدداً أشكاله ومخلفاته التي يجب على كل متدخل إدراكها بوضوح لضمان جودة التعامل مع الضحايا، ويرتكز الدليل على دراسة مفهوم الصدمة النفسية وكيفية إدارتها واحتوائها لدى الناجيات.

وبالإشارة إلى ضحايا العنف الجنسي من الأطفال أكدت حياة الورتاني على أن التعامل مع هذه الفئة يتطلب تخصصاً دقيقاً وخصوصية شديدة تختلف تماماً عن آليات التعامل مع النساء البالغات، ويتضمن الدليل تنبيهات ومسارات توجيهية واضحة للمتدخلين حول كيفية رعاية الطفل، والجهات المتخصصة التي يجب إرساله إليها، نظراً للتعقيد البالغ والحساسية التي تحيط بملفات الأطفال الضحايا.

وفي لفتة نوعية، ركّز الدليل على الرعاية النفسية للمتدخلين والمتدخلات في هذا المجال، "التعهد بالضحايا يتطلب جاهزية نفسية مستمرة للاستماع وتقديم الدعم الإنساني والطبي"، ونبّهت إلى أن الاستماع المتواصل لقصص العنف وتفاصيله يمثل عبئاً ثقيلاً قد يؤدي بالمتدخلين أنفسهم إلى الإصابة بـ"صدمات نفسية ثانوية" وإرهاق مهني؛ مما يجعل حماية الصحة النفسية للعاملين في الخطوط الأمامية شرطاً أساسياً لضمان استمرارية تقديم الخدمة بكفاءة.

 

العمل الشبكي والتنسيق المؤسساتي

كما شددت على أن مجابهة ظاهرة العنف الجنسي لا يمكن أن تقوم على جهود فردية أو معزولة، بل تستوجب عملاً شبكياً متكاملاً، داعيةً إلى ضرورة التنسيق المحكم وتضافر الجهود بين جمعيات المجتمع المدني ومراكز الاستماع، والمؤسسات والهياكل الحكومية ذات الصلة.

واختتمت حياة الورتاني بالإشارة إلى أن تفاقم ظاهرة العنف الجنسي باتت يهدد سلامة النساء وتهز استقرار المجتمع ككل، مؤكدةً أن هذا الدليل العملي جاء ليضع خارطة طريق واضحة لكيفية التدخل السريع، وحفظ الحقوق، وتوفير الإحاطة الشاملة للناجيات.