سيدار خلف: لن نسمح بتهميش النساء في سوريا الجديدة
بين الدفاع عن الأرض وبناء دور المرأة في المجتمع، تؤكد الإدارية العامة في قوى الأمن الداخلي ـ المرأة، سيدار خلف، أن النساء اللواتي قدمن التضحيات لن يقبلن بالعودة إلى الهامش، بل يطالبن بدور فاعل في رسم مستقبل سوريا الجديدة.
سوركل شيخو
تل تمر ـ تُمثّل روج آفا أكثر من مجرد أصغر جزءٍ من كردستان التي قُسّمت بفعل الحدود؛ فهي أرض ارتوت بدماء آلاف المقاتلين الذين قدموا من مختلف أجزاء كردستان، إلى جانب المقاتلين الأمميين الذين وقفوا معها في معركة الدفاع عنها.
منذ انطلاق ثورة 19تموز/يوليو 2012 في كوباني، دفعت أثماناً باهظة، حيث ارتقى عشرات الآلاف من المناضلين شهداءً، ليضعوا أسس مشروع سياسي واجتماعي يواصل مسيرته حتى اليوم، بينما حملت الأجيال اللاحقة مسؤولية حماية ما تحقق ومواصلة الطريق الذي بدأه الشهداء.
تُعد سيدار معصوم خلف، الإدارية العامة لقوات الأمن الداخلي ـ المرأة، واحدة من الوجوه التي عايشت مختلف مراحل الثورة. ففي عام 2016، وبعد تأثرها باستشهاد شقيقتها برفين، تركت مقاعد الدراسة والتحقت بقوات الأمن الداخلي لتبدأ مسيرة امتدت من جبهات الرقة ودير الزور ومخيم الهول، وصولاً إلى مرحلة إعادة هيكلة قوات الأمن الداخلي ضمن اتفاق 29 كانون الثاني/يناير بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة.
الثورة غيرت معنى الحياة ومسار المرأة
تقول سيدار خلف إن التحول من حياة المدرسة والمنزل إلى حمل السلاح لم يكن سهلاً، لكنه منحها معنى جديداً للحياة، موضحة أن الثورة كانت نقطة التحول التي جعلتها تدرك سبب نضالها وهويتها "بعد أن رأيت أقاربي وأصدقائي ينضمون إلى قوات الأمن الداخلي، تولد لدي أيضاً حب الانضمام إلى هذه القوات وأن أصبح جزءاً منها. قبل ذلك لم نكن نرى أو نشعر بوجود حياة أخرى غير الدراسة والمنزل. لكن عندما أصبحت جزءاً من هذه الثورة، عرفت لماذا أعيش، وفهمت كيف أتعرف إلى نفسي".
وأضافت أن الفارق بين الحياة التقليدية وحياة المرأة المنخرطة في الثورة يشبه الصراع بين وعيين وثقافتين مختلفتين، مؤكدة أن الثورة فتحت أمام المرأة باب معرفة تاريخها والدفاع عن ذاتها واستعادة هويتها "لا شك أن الحياة الأسرية والحياة داخل قوات الأمن الداخلي ـ المرأة مختلفتان تماماً؛ فهما أشبه بصراع بين وعيين، وعقلين، وثقافتين مختلفتين، ومن خلال الثورة تعلمنا كيف تحمي المرأة نفسها، وكيف تتعرف إلى تاريخها، وكيف تستعيد هويتها".
وتابعت "أن يجد الإنسان نفسه فجأة وقد غادر المنزل والكتب وحمل السلاح، وأصبح على عاتقه عبء حماية أمن وسلامة مجتمع بأكمله، لم يكن أمراً سهلاً. كانت هناك صعوبات، لكننا اكتسبنا أيضاً تجارب ثمينة جداً مكنتنا من بناء شخصياتنا".
وشددت على أن أبناء روج آفا لم ينتظروا من يأتي للدفاع عنهم، معتبرة أنه لم يكن من المنطقي أن يهب الغرباء لحماية المنطقة بينما يقف شبابها متفرجين. وقالت إنهم حملوا السلاح دفاعاً عن شعبهم، وواجهوا داعش والاحتلال التركي، وشاركوا في عشرات العمليات الأمنية لحماية المجتمع.
من حلم الطب إلى درب النضال
وأكدت أن المرأة الكردية، رفضت الخضوع أو القبول بحياة التبعية والعبودية التي حاولت التنظيمات المتطرفة فرضها عليها. وأضافت أن النضال لم يكن دفاعاً عن الأرض فحسب، بل عن الكرامة والهوية وحق المرأة في إدارة حياتها ومجتمعها، مشيرة إلى أن المرأة تجاوزت الأدوار التقليدية، واختارت طريق النضال والمعرفة والبحث في التاريخ.
وكشفت سيدار خليف أن حلم طفولتها كان أن تصبح طبيبة قلب، إلا أن الظروف التي عاشها الكرد في سوريا، وحرمانهم من الحقوق والهوية، ثم اندلاع الثورة، غيّرت مسار حياتها بالكامل، لافتةً إلى أن أكثر ما كان يمنحهم القوة هو كلمات النساء المحررات اللواتي كن يقلن إنهن تخلصن من "ثوب العبودية" واستعدن حريتهن، معتبرة أن أعظم إنجاز تحقق هو استعادة الكرد لهويتهم وتحرير النساء من الاستعباد.
"لدينا حقوق يجب أن يُعترف بها"
وفي حديثها عن مستقبل سوريا، انتقدت سيدار خليف تجاهل إرادة المرأة في المرحلة الانتقالية، وأكدت أن حقوق النساء ليست منحة من أي سلطة، بل حقوق أصيلة يجب أن تُكرس في الدستور، سواء شاركت النساء في القتال أم لم يشاركن "بعد خمسة عشر عاماً من الحرب ضد الإرهاب والمحتلين، ومع تغيير الحكومة في سوريا، فإن عدم الاعتراف بإرادة المرأة هو سياسة متعمدة. سنواصل نضالنا حتى تُثبت حقوقنا في الدستور. لكننا لن ننتظر ولن نرهن أنفسنا للحكومة المؤقتة كي تعترف بحقوقنا الدستورية، لأن هذه الحقوق هي حقوقنا الأساسية أصلاً".
واعتبرت أن أي حكومة لا تعترف بحق المرأة في المشاركة وصنع القرار، لا تعترف في جوهرها بالأم والأخت والابنة داخل المجتمع "الحكومة التي لا تقبل بوجود المرأة في مواقع صنع القرار، هي في واقع وعيها لا تعترف أيضاً بالأم، ولا بالأخت، ولا ببنات مجتمعها".
وأضافت أن المرأة التي قاتلت وقدمت التضحيات لن تعود إلى "ثوب العبودية"، مشددة على أن الإسلام الحقيقي يدعو إلى العدالة والمساواة، بينما تستخدم الجماعات المتشددة تفسيراً متطرفاً للدين لتقييد المرأة وإقصائها عن الحياة العامة.
وأكدت أن سوريا تدخل اليوم مرحلة جديدة، ولا يمكن بناء دولة جديدة بعقلية قديمة تستبعد النساء. وقالت إن المساواة بين المرأة والرجل، وسيادة العدالة، وضمان حقوق المرأة في الدستور، يجب أن تكون من ركائز سوريا المستقبل، لأن النساء كن شريكات أساسيات في النضال، ويجب أن يكن شريكات في بناء الدولة أيضاً.
وحذرت من تكرار الخطأ التاريخي الذي أعقب الحربين العالميتين الأولى والثانية، حين شاركت النساء في القتال ثم أُقصين عن طاولات المفاوضات وصناعة السلام. وأكدت أن نساء روج آفا لن يقبلن بتكرار هذا السيناريو، ولن يسمحن بأن تختزل تضحيات خمسة عشر عاماً في قرارات يتخذها الرجال وحدهم.
واختتمت سيدار معصوم خيف الإدارية العامة لقوات الأمن الداخلي ـ المرأة، حديثها بالتأكيد على أن النساء لن يقفن متفرجات على طاولات المفاوضات، بل سيطالبن بأن يكن شريكات كاملات في رسم مستقبل سوريا، وصنع القرار، وتحديد مصير النساء والشعوب باعتبار أن التضحيات التي قُدمت خلال سنوات الثورة تمنحهن هذا الحق، ولا يمكن تجاهله أو مصادرته.