الزواج المبكر تحت المجهر في السويداء... القانون والواقع الاجتماعي وسبل المعالجة

تناولت الجلسة الحوارية في السويداء واقع الزواج المبكر ضمن القانون السوري، مركزة على مخاطره الصحية والاجتماعية، وأهمية الوعي المجتمعي والتعليم وتمكين الفتيات للحد من انتشاره ومعالجة أسبابه المتعددة.

روشيل جونيور

السويداء ـ نظم مجلس المرأة السورية في مدينة السويداء السورية، اليوم الأحد 26 تموز/يوليو، بالتعاون مع منظمة التنمية السورية ومركز "أثنا"، جلسة حوارية توعوية حول ظاهرة الزواج المبكر، بمشاركة عدد من العاملين في الشأن القانوني والناشطين والمهتمين بالقضايا الاجتماعية، حيث ناقشت الجلسة مجموعة من المحاور القانونية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية المرتبطة بالزواج المبكر، وآثاره على المرأة والأسرة والمجتمع.

تناول المشاركين خلال الجلسة الحوارية التي نظمت في مدينة السويداء، موضوع الأهلية للزواج وفق القانون السوري، والاستثناءات التي يتيحها القانون للزواج في سن مبكرة، إضافة إلى التشديد على أهمية العقوبات المترتبة على الزواج الذي يتم خارج المحكمة، والبحث في السبل الممكنة للحد من ظاهرة الزواج المبكر ومعالجة أسبابها ونتائجها.

كما ناقش الحضور الآثار السلبية للزواج المبكر على المرأة والمجتمع، وتبادلوا الآراء حول الحلول الممكنة للحد من هذه الظاهرة، وكان من أبرزها رفع مستوى الوعي المجتمعي، وتعزيز دور التعليم، ونشر المعرفة القانونية والاجتماعية حول مخاطر الزواج المبكر.

وقالت المحامية ردينة الخطيب في لقاء خاص مع وكالتنا إن الجلسة جمعت عدداً من العاملين في الشأن القانوني والناشطين، وتركز النقاش على ظاهرة الزواج المبكر باعتبارها مشكلة متفشية في المجتمعات الشرقية، حيث جرى الحديث عن أسبابها، والنتائج المترتبة عليها، إضافة إلى بعض الحلول والإجراءات التي يمكن أن تسهم في الحد منها.

ورأت ردينة الخطيب أن المشكلة الأكبر تكمن في الزواج الذي يتم خارج المحكمة، ولا سيما عندما يكون أحد الطرفين دون سن الخامسة عشرة أو في هذه السن، معتبرة أن من الصعب تحميل طفلة في هذا العمر مسؤولية منزل وأطفال، إذ تصبح في هذه الحالة "طفلة تنجب طفلة وتربيها".

 

زواج القاصرات أحد أشكال العنف الجنسي

وأضافت أن الحالات الأكثر شيوعاً تتمثل في زواج القاصرات دون السن القانونية، معتبرة أن ذلك يمثل شكلاً من أشكال الجريمة، مشيرة إلى أن الزواج المبكر ينظر إليه في العرف الدولي والإنساني على أنه أحد أشكال العنف الجنسي، وقد يصل في بعض الحالات إلى اغتصاب الأطفال.

وأوضحت أن البعد الديني والاجتماعي والاقتصادي يمكن أن يلعب دوراً في استمرار هذه الظاهرة في المنطقة، وتحدثت ردينة الخطيب عن النتائج المترتبة على زواج القاصرات، مشيرة إلى أن الفتاة غالباً ما تكون الطرف القاصر في هذه الزيجات، رغم أن بعض الحالات في الفترة الأخيرة قد يكون فيها الزوجان من القاصرين.

وأشارت إلى أن الزواج في سن مبكرة يمكن أن يؤدي إلى تدهور الوضع الصحي والنفسي للطفلة، وزيادة مخاطر الإجهاضات والولادات المتكررة نتيجة الزواج والإنجاب في سن صغيرة، إضافة إلى ارتفاع نسب الطلاق، بسبب عدم امتلاك الأطفال المتزوجين القدرة أو المسؤولية الكافية لبناء أسرة مستقرة.

وفيما يتعلق بخصوصية الوضع في السويداء، ربطت ردينة الخطيب بين بعض أسباب تزايد الزواج المبكر في المنطقة وبين الظروف التي مرت بها السويداء، ولا سيما بعد المجازر وعمليات التهجير الواسعة التي أعقبت سقوط النظام في البلاد عام 2024، وفقدان الشعور بالأمان داخل المنزل في ظل الاعتداءات التي طالت فتيات ونساء المنطقة.

وحول سبل معالجة الظاهرة، أكدت أن الحل يبدأ أولاً وأخيراً من رفع الوعي داخل المجتمع، وخصوصاً لدى الآباء والأمهات، وتعزيز فكرة أن الفتاة تبقى طفلة حتى بلوغها سن الثامنة عشرة، معتبرة أن ترسيخ هذا المفهوم يعد أمراً أساسياً في الحد من الزواج المبكر.

كما شددت على أهمية تعليم الفتيات ورفع مستواهن العلمي، والسماح لهن بالعمل خارج المنزل بعد إتمام دراستهن، بما يساهم في تعزيز استقلالهن وقدرتهن على بناء حياتهن بعيداً عن فكرة الزواج باعتباره الخيار الوحيد المتاح أمامهن.

 

الربط بين القانون والعرف

من جانبها اعتبرت المحامية ناديا الحلبي أن طرح قضية الزواج المبكر في هذا التوقيت هو "طرح موفق"، مشيرة إلى أن الجلسة نجحت في تسليط الضوء على الموضوع بشكل جيد، وأن الحضور أظهر مستوى مرتفعاً من الوعي والاستيعاب، مع وجود تشاركية واضحة في النقاش.

وقالت إن النقاش حاول الربط بين القانون السوري والعرف الاجتماعي الذي كان أساساً في ظهور هذه المشكلة، متسائلة عن إمكانية معالجة الظاهرة والوصول إلى حلول لها.

ودعت إلى التوسع في عقد مثل هذه الجلسات، معتبرة أن التعليم هو أحد أهم الحلول لمعالجة مشكلة الزواج المبكر، إلى جانب نشر هذا النوع من الرسائل التوعوية في المدارس، موضحة أنه في حال تعذر الحديث عن الموضوع والوصول إلى جميع الفتيات والفتيان من خلال مادة تخصص لهم.

كما شددت ناديا الحلبي على أهمية التواصل مع المؤسسات الدينية لتجنب الإشكالات المرتبطة بالأعراف واختلاف الآراء، قائلة إن المجتمع المحلي هو مجتمع "عاطفي وديني ومسالم"، وفي الوقت نفسه يمتلك القدرة على فهم هذه القضايا والتعامل معها.

 

أضرار صحية ونفسية

بدورها قالت رجاء الشوفي منسقة في مجلس المرأة السورية بالسويداء، إن الجلسة جاءت في إطار التوعية القانونية والاجتماعية حول الزواج المبكر، موضحة أن هذه الظاهرة تعد قليلة ونادرة في مجتمع السويداء، إلا أن الظروف التي مرت بها المنطقة وما تزال تمر بها، إلى جانب الخوف من تزايد الظاهرة، دفعت إلى تنظيم حملات توعوية قانونية واجتماعية بهدف الحد منها وتعزيز ثقافة المجتمع حول مخاطرها وأضرارها على الأفراد والمجتمع.

ورأت أن الزواج المبكر يمكن أن يكون بمثابة "جريمة ترتكب بحق الأطفال"، لأن الطفل قد يصبح مسؤولاً عن إنجاب طفل وتربيته، سواء كان شاباً أو فتاة، ما يفرض أعباء مادية ومسؤوليات كبيرة لا يستطيع الزوجان في هذه السن تقدير تبعاتها المستقبلية.

وأوضحت أن الزواج ليس مجرد حياة مشتركة بين شخصين، بل تترتب عليه مسؤولية الإنجاب وتربية الأطفال، في وقت قد يكون فيه الزوجان غير قادرين على تحمل هذه المسؤولية، فضلاً عن الأضرار الصحية والنفسية التي يمكن أن تقع على الطرفين، ولا سيما الفتاة، التي تتحمل أعباء الحمل والإنجاب، إلى جانب المسؤوليات الاجتماعية والمنزلية.

وأضافت أن الزواج المبكر قد يحرم الفتاة من متابعة تعليمها وممارسة حياتها بصورة طبيعية، كما قد يجعلها غير قادرة على تأمين استقلالها الاقتصادي، مشيرة إلى أن هذه الظروف قد تؤدي في كثير من الحالات إلى الطلاق المبكر، أو إلى انفصال الزوجين مع وجود أطفال، وما قد ينتج عن ذلك من تشرد الأطفال وتفكك أسري واسع.