صراع الهويات في الشارع الإيراني
الشعارات ليست مجرد كلمات، بل تكشف عن الأفق السياسية للحركات، وهي أدقّ الأدوات لفهم الهوية الجماعية ومستوى الوعي السياسي والاجتماعي والآفاق المحتملة.
شيلا قاسم خاني
مركز الأخبار ـ تشهد إيران احتجاجات كشفت عن فجوة واضحة بين القوات الملكية وبقية الحركات الاحتجاجية، لا على المستوى السياسي فقط بل أيضاً في الهوية والخطاب. وتبرز الشعارات والتنظيم كعناصر أساسية، إذ لا تُعد مجرد ردود فعل آنية، بل مؤشرات دقيقة على الهوية الجماعية والوعي الاجتماعي، ورسمٌ لحدود التضامن والإقصاء، بما يشكّل ملامح مستقبل هذه الاحتجاجات.
تُعدّ الشعارات من أدقّ الأدوات لفهم الهوية الجماعية ومستوى الوعي السياسي والاجتماعي والآفاق المحتملة لحركة احتجاجية، فهي تُظهر المرحلة التي يمرّ بها المجتمع من الوعي الذاتي وما يعتبره حرية وأشكال التمييز التي يتحسّسها، والحدود التي يرسمها بين "الذات" و"الآخر"، إنّ مفاهيم كالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وحرية التعبير لا تتجسّد في البيانات الرسمية، بل في المقام الأول في لغة الشعارات.
تلعب الشعارات دوراً محورياً في بناء التضامن والتعبئة الاجتماعية، فالشعارات المشتركة تحوّل الأفراد والجماعات المتفرقة إلى كيان سياسي واحد، وتُمكّن من العمل المنسق، وقد أظهرت تجربة شعار Jin Jiyan Azadî في انتفاضة 2022 كيف يمكن للغة إيجابية وغير إقصائية أن تتجاوز الحدود الوطنية والعرقية والجنسية والطبقية، لتصبح محوراً للوحدة، محوراً لا يقوم على نفي الآخر بل على كرامة الإنسان.
في كثير من الأحيان لا تنبع الشعارات من أعلى بل من صميم الشارع وتُفرض أحياناً على القادة والحركات الرسمية، كانت لحظة خروج نساء سقز إلى الشوارع رداً على قتل السلطات لجينا أميني، وهنّ يخلعن حجابهنّ ويهتفن Jin Jiyan Azadî نقطة تحول في مسار الاحتجاجات، هذا الشعار الذي تجاوز كونه مطلباً مؤقتاً، تحوّل إلى فلسفة سياسية استهدفت في آنٍ واحد التمييز على أساس الجنس والعرق والاقتصاد والمجتمع، وحدّدت مسار الحركة.
تتجلى أمثلة ملموسة للمظاهرات الأخيرة في الخارج، ففي مسيرة باريس في 17 كانون الثاني/ يناير، التي شهدت مشاركة واسعة من جماعات إيرانية وكردية ونسوية ومثلية ويسارية ونقابات ومنظمات حقوقية، أوضحت الشعارات ليس فقط المطالب المشتركة للمحتجين، بل أيضاً أهدافهم التكتيكية قصيرة المدى وآفاقهم الاستراتيجية طويلة المدى، وأظهر حضور ما بين 5000 و7000 شخص بشعارات إيجابية وتقدمية كيف يمكن للغة الشارع أن تكون وسيلة للتكاتف لا للانقسام، كما رسّخت مظاهرة برلين صلتها بالاحتجاجات داخل إيران من خلال الحفاظ على شعار Jin Jiyan Azadî.
إعادة إنتاج منطق الاستبداد نفسه
في نهاية المطاف، تُعدّ الشعارات أدواتٍ لنقد السلطة ووثائق تاريخية للحركات، فهي تتحدى السياسات السائدة وتُسجّل في الذاكرة الجماعية ليتم استحضارها في مراحل لاحقة، لذا فإنّ دراسة الشعارات ليست مجرد تحليل للغة، بل هي قراءة مُكثّفة لعلاقات القوة والقوى المهيمنة والآفاق المستقبلية المُحتملة.
إن الاستماع إلى لغة الشارع يكشف على الفور عن الانقسامات الحقيقية، ففي الاحتجاجات الأخيرة كشفت بعض القوى الملكية، من خلال التخلي عن شعار Jin Jiyan Azadîواستبداله بشعارات سلبية واستبدادية، عن ابتعادها عن حركة شاملة وديمقراطية، حركة كان من الممكن أن تشكل أساساً لاستمرار الاحتجاجات وتعميقها.
إن شعارات مثل "الموت للكرد" ليست زلات عابرة بل هي تعبير مكثف عن أفق فكري محدد، أفق إقصائي، قائم على تقسيم المجتمع هذا الشعار وحده كافٍ لإسقاط ادعاء هذه الحركة بالديمقراطية، هذا الشعار ليس تعبيراً عن غضب عابر بل هو إنكار صريح للمساواة والكرامة الإنسانية، شعار يعمّق الهوة بين الشعوب المضطهدة في إيران ويدمر ثقة الأقليات وفي الوقت نفسه يوفر مادة دعائية للجمهورية الإسلامية.
لم يقتصر خطاب الإقصاء هذا على مجرد شعارات، بل تجسد أيضاً في تحركات ميدانية، ففي مظاهرة تورنتو، كان تمزيق العلم الأذربيجاني من قبل الملكيين دليلاً ملموساً على منطق إنكار الهويات غير الفارسية وغير المركزية، ووفقاً لشهادات شهود عيان ومقاطع فيديو منشورة طُرد منتقدو الملكيين من الساحة في العديد من المسيرات بالشتائم والتهديدات بل وحتى بالعنف الجسدي، وفي لوس أنجلوس يُعدّ الاعتداء على مواطن كردي كتب على سيارته "لا نريد شاهاً ولا شيخاً" مثالاً واضحاً على التعصب ضد أي صوت معارض.

في هذا السياق، تتجلى الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع على أرض الواقع بوضوح، فبينما يتحدث رضا بهلوي عن الحرية والديمقراطية فإن تركيزه الدائم على القومية المركزية، و"السلامة الإقليمية"، و"إيران الموحدة" ينعكس مباشرةً في شعارات وسلوكيات أنصاره، هذا الخطاب يُهمّش مطالب شعوبٍ كالكرد، التي تتجاوز مجرد تغيير النظام، وتُشدد على الحقوق والكرامة واللغة والمساواة الهيكلية؛ وهي مطالب تتعارض جوهرياً مع مفهوم "إيران الموحدة، المركزية، التي تتمحور حول الشاه".
إن ما يتبلور في نهاية المطاف من هذه الشعارات والسلوكيات هو إعادة إنتاج منطق الاستبداد نفسه، ولكن في ثوب جديد، تشكل علاقة الملك بالرعية ومنطق "إما معنا أو ضدنا"، ونفي التعددية أساس هذا النهج، لا يؤدي هذا المنطق لا إلى الحرية ولا إلى المساواة، بل يؤدي في نهاية المطاف إلى العنف وإقصاء وقمع أي صوت ناقد.
يتغذى هذا النهج على النزعة القومية الوسطية والفارسية، وعلى الخوف الدائم من "تفكك إيران" وهو نفس الخطاب الأمني المألوف للجمهورية الإسلامية، ولكن هذه المرة في صورة المعارضة، يكمن التناقض المرير في أن خطاباً يدّعي "حرية إيران" يُعيد إنتاج نفس لغة الكراهية والإقصاء والإنكار ضد الشعوب، من هذا المنطلق، لا يولد بديل للجمهورية الإسلامية بل نسخة أخرى من نفس المنطق الاستبدادي.
من أي لغة سيولد المستقبل؟
إن ما نراه في الشعارات وسلوكيات الشارع اليوم ليس مجرد خلاف سياسي أو تنافس بين أحزاب المعارضة، بل هو بالأحرى دليل على المواجهة بين أفقين أساسيين لمستقبل إيران، هذان الأفقان لا يتجليان في البرامج المكتوبة أو المقابلات الرسمية، بل في لغة الشارع ومنطق العمل الجماعي.
تُنظَّم التجمعات الملكية في الغالب حول عودة الشاه، والحنين إلى ما قبل عام ١٩٧٩، والمعارضة المتزامنة للجمهورية الإسلامية، والقوى اليسارية، والجماعات العرقية، والنقابات، وما إلى ذلك غالباً ما تكون شعارات هذه الحركة سلبية وإقصائية، وتستند إلى إعادة تعريف مركز واحد للسلطة، مركز يُفترض أن يفرض "الوحدة" من الأعلى مرة أخرى، في هذا الإطار يُفترض أن "الأمة" ليست مجموعة متعددة من الأفراد المتساوين بل كتلة متجانسة يجب جمعها تحت راية سردية رسمية، ويُعتبر أي صوت مختلف سواءً كان عرقياً أو سياسياً أو أيديولوجياً، تهديداً محتملاً.
في المقابل، ترسم حركة Jin Jiyan Azadî صورةً مختلفة، فهي لم تُبنَ حول قائدٍ واحد بل حول لغةٍ مشتركة لغةٍ إيجابية تُؤكد على الكرامة والمساواة والحق في الحياة، بدلاً من نفي بعضها بعضاً، كانت شعاراتها سياسية واجتماعية وهوياتية في آنٍ واحد، مما يُشير إلى أن القضية لم تكن مجرد تغيير في شكل الحكومة، بل إعادة تعريف للعلاقة بين السلطة والمواطنة والحياة الجماعية، من هذا المنظور الحرية بدون مساواة لا معنى لها، و"إيران" ليست هويةً واحدة مفروضة، بل شبكة من الأمم واللغات والتجارب المعيشية المتنوعة.
من هذا المنظور فإن العودة إلى الشعارات الإقصائية ومنطق "إما معنا أو ضدنا" ليست خطأً تكتيكياً بل انتكاسة تاريخية، فالمجتمع الذي أمضى أكثر من قرن في الحد من السلطة المطلقة، والاعتراف بحقوق المواطنين، وتجاوز منطق الحاكم والمحكوم، لا يمكنه بناء مستقبله على خطاب يُعيد إنتاج الكراهية العرقية، وإنكار التعددية، والمركزية الاستبدادية، لقد أظهرت التجربة التاريخية لإيران، منذ عهد الدستور وحتى يومنا هذا، مراراً وتكراراً أن الاستبداد حتى وإن قُدِّمَ بوعد النظام والأمن والخلاص الوطني يؤدي في نهاية المطاف إلى القمع والإبادة وإعادة إنتاج العنف.