حين تتحول الحرية إلى ثمن تدفعه الناشطات بأرواحهن
أكدت مديرة شبكة "8 آذار" بهار منذر، على أن اغتيال الناشطة ينار محمد رسالة واضحة على السعي لإسكات النساء، لكن ما لم يفهمه من خططوا لقتلها هو أن صوتها لم ينطفئ، بل أصبح أعلى.
هيلين أحمد
السليمانية ـ في بلدٍ تتقاطع فيه الأزمات السياسية مع البنى الاجتماعية المحافظة، وتتصاعد فيه حملات القمع ضد الأصوات النسوية، أصبحت المرأة التي ترفع صوتها دفاعاً عن حقوقها هدفاً مباشراً للعنف والتهديد والاغتيال.
وُلدت ينار محمد عام 1960 في بغداد داخل عائلة تقدمية آمنت بالعلم والحرية؛ فوالدتها كانت معلمة، ووالدها مهندساً، ما أتاح لها بيئة مشجعة على التعليم والانفتاح. أنهت دراستها الجامعية في الهندسة المعمارية بجامعة بغداد عام 1984، ثم حصلت على الماجستير عام 1993. وبعد انتقالها إلى كندا، انخرطت في صفوف الحزب الشيوعي العمالي العراقي قبل أن تغادره عام 2018. وفي عام 1995 انتقلت عائلتها إلى كندا.
من الدفاع عن النساء إلى تأسيس حركة نسوية راسخة
أسست ينار محمد في عام 1998 منظمة "الدفاع عن حقوق نساء العراق"، امتداداً لتجربة "رابطة حرية المرأة"، وكان زواج شقيقتها وهي في الرابعة عشرة من عمرها أحد أهم الأسباب التي دفعتها إلى تبني قضية المرأة كقضية شخصية ووطنية.
بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، عادت ينار محمد إلى بغداد لتبدأ مرحلة جديدة من النضال. أسست "رابطة حرية المرأة في العراق"، وأنشأت ملاجئ وبيوتاً آمنة للنساء المهددات بالعنف الأسري وجرائم الشرف، وقادت حملات ضد الاتجار بالفتيات، وقدمت تدريبات للناشطات على مواجهة العنف والدفاع عن المساواة. كما ظهرت في برامج إذاعية وتلفزيونية لنشر الوعي بقضايا المرأة.
شبكة ملاجئ وحضور دولي لافت
أسست ينار محمد شبكة من الملاجئ النسائية في أربع مدن عراقية، وقدمت خلال 16 عاماً خدمات لأكثر من 870 امرأة. ونالت تقديراً دولياً واسعاً، من بينها جائزة حقوق المرأة من مؤسسة غروبر عام 2008، وجائزة رافتو النرويجية عام 2016.
كما أنها التقت بـ 30 معتقلة وقدمت لهن الدعم، وأسهمت في إنقاذ إحداهن من حكم الإعدام، ومنعت إعادة أخريات إلى شبكات الاتجار الجنسي، وأصبحت رئيسة تحرير صحيفة "فيمينستي مساواتي". وفي عام 2018 اختيرت ضمن "قائمة 100 امرأة في BBC". وواصلت دراستها في جامعة تورونتو، حيث كتبت أطروحتها بعنوان "تنظير النضال النسوي في عراق ما بعد حرب 2003 ـ 2018".
صوت ثابت في ساحة التحرير
كانت ينار محمد من أبرز الوجوه النسوية في ساحة التحرير ببغداد عام 2020. ومع تصاعد تهديدات بالاعتقال، اضطرت للعودة إلى كندا. انتقدت بشدة القوانين العراقية، معتبرة أن "القانون الشيعي الفقهي أُلصق بقانون الأسرة، مانحاً الرجال وصاية تلقائية على الأطفال ومجيزاً الطلاق دون موافقة المرأة"، كما رفضت تخفيف القيود على زواج القاصرات، ما جعلها هدفاً مباشراً للتيارات المتشددة.
اغتيال في وضح النهار
في الساعة التاسعة من صباح الثاني من آذار/مارس الجاري، اغتيلت ينار محمد أمام منزلها في بغداد على يد مسلحين يستقلان دراجة نارية. كانت ينار رمزاً للحركة النسوية العراقية، وصوتاً شجاعاً في مواجهة العنف والتمييز، وقيادية بارزة في منظمة حرية المرأة والحزب الشيوعي العمالي البديل.
وتعقيباً على استهداف القياديات والمناضلات والمدافعات عن قضايا المرأة، قالت مديرة شبكة "8 آذار" بهار منذر إن "ينار كانت تعمل من أجل النساء الإيزيديات والمستضعفات. النساء اللواتي يناضلن من أجل حرية المرأة يُغتَلن".
ولفتت إلى أن ينار محمد رغم جنسيتها الكندية، اختارت العودة إلى بلد تقتل فيه النساء ويقمع أصواتهن، لتعمل على ملفات الاتجار، تزويج القاصرات، العنف، والاستغلال. كما لعبت دوراً محورياً في مواجهة "قانون الأحوال الشخصية الجعفري".
وأشارت إلى أنها كانت لفعاليات يوم المرأة العالمي لكن اغتيالها كان رسالة تهديد للناشطات "قبل يوم واحد من اغتيالها، تحدثت في مؤتمر صحفي عن قضايا حساسة تتعلق بفعاليات 8 آذار ووضع النساء في العراق، ويبدو أنها كانت تحت المراقبة. اغتيلت أمام منزلها بهدف ترهيب الناشطات ودفعهن للتراجع، لكن الحركة النسوية ازدادت قوة وإصراراً على المطالبة بحقوق النساء. أصبحت ينار رمزاً ليوم 8 آذار، وتُقام فعاليات خاصة تخليداً لذكراها".
علاقة نضالية تمتد لعقود
وعن علاقتها بـ ينار محمد، أوضحت بهار منذر أنها التقت بها لأول مرة في النرويج عام 2003، حيث عملتا معاً لأكثر من 22 عاماً، ورغم منع السلطات العراقية للمنظمة من العمل لسنوات، واصلتا التعاون وعقدتا مؤتمرات ولقاءات مشتركة "كانت ينار فخورة بهذا الدعم، ونالت بفضله جائزة رافتو النرويجية".
وأكدت بهار منذر أن اغتيال ينار محمد لن يوقف الاحتجاجات النسوية في بغداد، وأنه من الضروري توحيد صوت النساء لمنع أي محاولات لإسكاتهن أو الحد من حقوقهن.
واختتمت بهار منذ حديثها بالقول "خسرنا امرأة امتلأت بالحرية والشجاعة. نحن الناشطات سنواصل المطالبة بمحاسبة قتلتها. هؤلاء أصحاب عقلية متخلفة يقفون ضد حرية النساء وضد أصواتهن. يغتالون الناشطات والصحفيات، لكننا سنواصل نضالنا من أجل المساواة والحرية. لن يستطيعوا إسكات صوت المرأة الشجاع".