شهر من الاحتجاجات والاعتقالات وسط غموض حول عدد الضحايا
بعد مرور شهر على اندلاع الاحتجاجات في إيران وشرق كردستان، تتزايد التقارير الحقوقية والدولية حول القمع والاعتقالات الجماعية، وسط أزمة إنسانية وتناقض بين الروايات الرسمية والمستقلة.
مركز الأخبار ـ أعلنت شبكة حقوق الإنسان في شرق كردستان، اليوم الاثنين 26 كانون الثاني/يناير، أنها تمكنت رغم القيود الأمنية المشددة والتهديدات الموجهة للعائلات من توثيق هوية 126 مواطناً كردياً قضوا خلال قمع الاحتجاجات الشعبية في مدن مختلفة.
أوضحت شبكة حقوق الإنسان في شرق كردستان أن معظم الوفيات تركزت في كرماشان، إيلام، طهران، ألبرز، لورستان، خراسان رضوي، أصفهان، مركزي، هرمزجان، وخوزستان، مشيرة إلى أن الأوضاع الإنسانية ما تزال تتفاقم في ظل التستر الرسمي على حجم العنف.
بحسب الشبكة، فإن النتائج التي تم الحصول عليها من خلال مقابلات مع مصادر مطلعة وشهود عيان وأقارب الضحايا تُظهر أن القوات العسكرية والأمنية للنظام الإيراني استخدمت الأسلحة العسكرية على نطاق واسع في قمع الاحتجاجات، وفي حالات عديدة استهدفت المتظاهرين مباشرة في الرأس والقلب.
بحسب التقرير، طالبت الأجهزة الأمنية في عدد من الحالات بمبالغ طائلة من عائلات الضحايا لتسليم جثثهم، وفي حالات أخرى، أُجبرت العائلات على تسجيل أسباب وفاة كاذبة، منها "السقوط من مكان مرتفع". كما وردت تقارير تفيد بتعرض العائلات في حالات عديدة لضغوط وتهديدات لإلقاء اللوم على المتظاهرين أو الكشف عن هوية المتوفى كعضو في قوات الباسيج. وقد نُشرت أسماء وخصائص جميع المواطنين الكرد الذين قُتلوا، مصنفة حسب المحافظة والمدينة، على موقع شبكة حقوق الإنسان.
من جهة أخرى، أفادت وكالة حقوق الإنسان في (هرانا) باعتقال ما لا يقل عن 19 مواطناً في مدينة إيلام خلال الأيام الأخيرة. وقد نُشرت هوياتهم وتواريخ اعتقالهم في تقارير حقوق الإنسان، وهم من سكان مناطق دهلوران، ودارهشهر، وعبدنان، وبدره، وإيفان غرب، وشردافول، وسيرفان، والقرى المجاورة. ومن بين المعتقلين، أُلقي القبض على عدد من الأشخاص مصابين بجروح، كما اعتُقل طالب في إيلام.
وفي الوقت نفسه، أفادت قناة "الطلاب المتحدون" باعتقال باريسة حريري، وهي طالبة تبلغ من العمر 19 عاماً، خلال الاحتجاجات التي عمت البلاد في أورمية، والتي تم نقلها أيضاً إلى مكان غير معروف وحالتها غير معروفة.
من جهة أخرى، أفادت وكالة أنباء "تسنيم" التابعة للحرس الثوري الإيراني بأن مخابرات الحرس الثوري ألقت القبض على 27 شخصاً، بينهم أربع نساء، في محافظة إيلام. كما نُقل مواطن كردي من أوشناويه إلى السجن لقضاء عقوبة بالسجن لمدة عام، بينما أُودع مواطنان آخران من مريوان وإيفان غرب السجن لقضاء أحكام سابقة بحقهما.
إن مجمل هذه الاعتقالات، إلى جانب النقص التام في المعلومات حول وضع المحتجزين، يشير إلى تكثيف النهج الأمني في شرق كردستان واستمرار سياسة الترهيب والاعتقالات الجماعية والانتهاكات المنهجية لحقوق المواطنين والسجناء السياسيين.
موجة من الاعتقالات والاعترافات القسرية والتستر الأمني
بحسب أحدث البيانات المجمعة من وكالة أنباء (هرانا)، التابعة لجمعية نشطاء حقوق الإنسان في إيران، بلغ إجمالي عدد القتلى المؤكدين خلال الاحتجاجات 5848 شخصاً، منهم 5520 من المتظاهرين، و77 طفلاً دون سن 18 عاماً، و209 من قوات الأمن، و42 من المدنيين. ويبلغ عدد الوفيات قيد التحقيق 17091. وبلغ إجمالي عدد الموقوفين 41283، وعدد المصابين بجروح خطيرة 7804، وعدد الاعترافات المنتزعة بالإكراه 240. كما بلغ عدد الأشخاص الذين تم استدعاؤهم إلى المؤسسات الأمنية 11023. ووصل إجمالي عدد حوادث الاحتجاجات المسجلة إلى 645 حادثة في 197 مدينة و31 محافظة.
وفي محافظة يزد، أفادت هيئة الإذاعة الإيرانية (IRCC) أيضاً باعتقال 150 مواطناً، من بينهم عدد من المواطنين البهائيين، من قبل إدارة المخابرات؛ وهم أفراد تم تقديمهم في بيانات رسمية بألقاب مثل "قادة الاحتجاجات" و"مرتبطين بوسائل الإعلام الأجنبية".
الاعترافات القسرية
أفادت وكالة أنباء "فارس"، نقلاً عن معلومات من فيلق القدس، باعتقال 18 شخصاً ونشرت مقطع فيديو لاعترافاتهم، التي لا تزال ملابساتها غامضة. كما وردت أنباء عن حالات مماثلة لانتزاع اعترافات قسرية في محافظات قم وبراند وسمنان، ونُشر ما لا يقل عن 11 مقطع فيديو لاعترافات قسرية في وسائل إعلام تابعة للأجهزة الأمنية.
بحسب تقرير صادر عن "الطلاب المتحدون"، أُلقي القبض على طالب مع والده ووالدته وشقيقه في مدينة أراك، ثم أُفرج عن والدته وشقيقه بكفالة بعد أيام. كما أفادت نشرة "أمير كبير" باعتقال ثلاثة طلاب على الأقل في طهران وتبريز ومراكز تابعة لوزارة الاستخبارات.
تزايد المخاوف بشأن الخسائر البشرية
تُظهر مقاطع الفيديو التي تم نشرها من مركز "كهريزك" للطب الشرعي ومشرحة مستشفى "خرم آباد" البدوي أكواماً من جثث أولئك الذين لقوا حتفهم في الاحتجاجات؛ وهي صور كشفت مرة أخرى عن أبعاد العنف المستخدم لقمع الاحتجاجات.
في هذا السياق، توفيت بهاران طاهرخاني، وهي طالبة طب تبلغ من العمر 23 عاماً في جامعة قزوين للعلوم الطبية، متأثرة بجروح ناجمة عن طلق ناري. وبحسب التقارير، فقد تعرضت عائلتها لضغوط لتسليم الجثة وواجهت قيودًا شديدة على إقامة جنازة.
من جهة أخرى، أعلن مدير مستشفى "فارابي" لطب العيون في طهران أنه حتى العاشر من كانون الثاني/يناير، استقبل المشفى نحو ألف شخص مصابين بجروح خطيرة في العين جراء الرصاص والمقذوفات عالية السرعة. ووفقاً للطاقم الطبي، أدى ارتفاع عدد المصابين إلى نقص في الأسرة واضطرارهم لاستخدام الممرات لاستيعاب المرضى.
بينما تتجمع عائلات المحتجزين في مدن مثل كرج أمام مكاتب المدعين العامين منذ أسابيع لمعرفة وضع أبنائهم، يواصل المسؤولون الحكوميون رفض تقديم إحصاءات دقيقة وشفافة حول عدد المحتجزين ومكان وجودهم وحالتهم.
توسيع الحيز الأمني وعسكرة المدن
بالتزامن مع موجة الاعتقالات، تشير التقارير إلى انتشار واسع النطاق للقوات العسكرية والأمنية في مدن مختلفة. وتُظهر مقاطع فيديو نُشرت من زاهدان، بعد انقطاع خدمة الإنترنت، وجود مركبات مدرعة ووحدات خاصة ودوريات لدراجات نارية قمعية على الطرق الرئيسية في المدينة. وقد زادت هذه التحركات، لا سيما في المناطق الطرفية والنائية، من حدة حالة الخوف والقلق العام.
في الشمال، تُظهر الصور المنشورة من مسيرات الاحتجاج في لاهيجان، على الرغم من القيود الصارمة المفروضة على الإنترنت، أن الاحتجاجات مستمرة وأن الضوابط الأمنية لم تمنع المواطنين من الخروج إلى الشوارع.
وذكرت منظمة حقوق الإنسان في إيران أن الأجهزة الأمنية اعتقلت أطباء وداهمت ملاجئ طبية مؤقتة بهدف بث الخوف ومنع المصابين من تلقي العلاج.
وبحسب هذا التقرير، فقد تم اعتقال أمينة سليماني، وهي طبيبة ومديرة عيادة جلدية وشعر في أردبيل، بتهمة قبول وعلاج المصابين في احتجاجات المدينة، وكان الوضع في أردبيل "حرجاً للغاية". كما أفادت المنظمة، نقلاً عن مصدر آخر، بأنه تم اعتقال أربعة أطباء لمساعدتهم المصابين، ومصيرهم غير معروف.
ويذكر التقرير كذلك أن عامل إغاثة متطوعاً قام بتحويل منزله إلى مأوى للمتضررين قد تم اعتقاله وضربه.
قطع الإنترنت... أداة للتستر في إطار القمع المستمر
أعلنت منظمة "نتبلوكس" أنه بعد 17 يوماً من القطع الواسع النطاق للإنترنت في إيران، وهو إجراء قالت المنظمة إنه يهدف إلى إخفاء القمع الدموي للاحتجاجات، لا تزال هذه القيود سارية.
بحسب تقرير المنظمة، لا يستطيع بعض المستخدمين الوصول إلا إلى عدد محدود من الخدمات المعتمدة مسبقاً، وفي بعض الحالات، لا يمكن إرسال أو استقبال سوى بعض الرسائل عبر أدوات تجاوز التصفية، مؤكدة أن الزيادات المؤقتة والمتقطعة في الاتصال بالإنترنت تُعطي صورة مضللة عن عودة الأمور إلى طبيعتها، في حين أن الانقطاعات المنهجية والاضطرابات المتعمدة لا تزال مستمرة.
فجوة إحصائية مروعة
بحسب تقرير نشرته مجلة "تايم" البريطانية، أعلن مسؤولان كبيران من وزارة الصحة الإيرانية أنه في غضون يومين فقط، ربما يكون ما يصل إلى 30 ألف شخص قد فقدوا حياتهم خلال الاحتجاجات المناهضة للسلطة.
وأفاد مسؤولون بأن عدد الوفيات خلال هذه الفترة كان مرتفعاً للغاية لدرجة أن بعض المرافق الطبية نفدت لديها أكياس الجثث، ما اضطرها إلى نقل الجثث بالشاحنات بدلاً من سيارات الإسعاف. وأضاف تقرير مجلة "تايم" أن هذا التقدير يتوافق مع إحصاءات سرية جمعها أطباء وفرق طوارئ في المستشفيات الإيرانية استناداً إلى الوفيات المسجلة.
وأكدت المجلة أنه بسبب القيود الإعلامية المشددة وانقطاع الإنترنت على نطاق واسع في إيران، لم تتمكن المجلة من التحقق بشكل مستقل من هذه البيانات، مما يزيد من حالة عدم اليقين والمخاوف بشأن الحجم الحقيقي للخسائر.