سارة وروجبين وروناهي... ثلاثة مسارات ومصير واحد
اليوم، وبعد أكثر من عقد على اغتيال ساكينة جانسيز، فيدان دوغان، وليلى شايلمز، اللواتي عرفن بـ"أسطورة صاحبات الشعر الأحمر" بين النساء الكرديات اللائي يخرجن للساحات تطالبن بكشف الحقيقة، رافعات صورهن كأنهن ما زلن يمشين بينهن.
آخين بهار
مركز الأخبار ـ عند حلول التاسع من كانون الثاني/يناير 2013، تناقلت الأنباء وقوع هجوم في العاصمة الفرنسية باريس استهدف مكتب معلومات كردستان، وقد أسفر عن اغتيال ساكينة جانسيز (سارة) إحدى المؤسسات البارزات لحزب العمال الكردستاني، وفيدان دوغان (روجبين) ممثلة المؤتمر الوطني الكردستاني في باريس، وليلى شايلمز (روناهي) العضوة في حركة الشبيبة الكردية.
جاء هذا الاغتيال في وقت كان فيه القائد عبد الله أوجلان يجري لقاءات في إمرالي عام 2013 بهدف الدفع نحو حلٍّ ديمقراطي للقضية الكردية، ما جعل الجريمة تُحدث صدى واسعاً وتثير موجة غضب في تركيا والعالم. كانت اللقاءات الرسمية بين القائد أوجلان والوفد الحكومي، إلى جانب وفد إمرالي المكوّن من نواب حزب السلام والديمقراطية (BDP)، قد بدأت قبل وقوع الهجوم بأيام لفتح الطريق أمام مسار تفاوضي لحل القضية الكردية.
وبعد وقوع الجريمة، أظهر موقف فرنسا بُعدها الدولي، إذ أعلن وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس أن الهجوم سيُكشف من جميع جوانبه، إلا أن السلطات فرضت السرية على ملف التحقيق، ورغم رفع هذا القرار في عام 2014، أعيد العمل به بعد فترة وجيزة.
علاقة المجزرة بالاستخبارات التركية (MİT)
بعد ثمانية أيام من وقوع المجزرة، أُلقي القبض على عمر غوناي وتم توقيفه، حيث خضع للاستجواب بتهمة "ارتكاب جريمة قتل بالتعاون مع منظمة إرهابية"، وخلال التحقيقات، بدأت تتكشف معلومات تشير إلى وجود صلة بين عمر غوناي وجهاز الاستخبارات التركية (MİT).
وقد تبين أن عمر غوناي وصل إلى أنقرة في 22 آب/أغسطس 2012، وتقدّم في اليوم التالي بطلب للحصول على جواز سفر إلكتروني من مديرية أمن أنقرة. وبعد يومين حصل على جوازه الجديد، كما أظهرت التحقيقات أنه دخل وخرج من تركيا 13 مرة خلال عام واحد، وكشفت سجلات الطيران أنه قبل المجزرة بـ 19 يوماً، سافر من باريس إلى أنقرة عبر إسطنبول، وبقي ثلاثة أيام قبل أن يعود بالطريقة نفسها.
وتعززت الشبهات حول علاقته بالاستخبارات التركية بعد ظهور شخص على إحدى القنوات التلفزيونية قال إنه عمل مع MİT، مؤكداً وجود صلة بين الجهاز وعمر غوناي، كما سربت تسجيلات صوتية تُظهر تواصله مع عناصر من MİT، إضافة إلى تأكيد شركة الاتصالات أن الخط الهاتفي المستخدم يعود إلى رئاسة الاستخبارات، ما زاد من قوة الاتهامات.
واستمرت التحقيقات في المجزرة حتى عام 2015، وجرى اتخاذ قرار بإحالة عمر غوناي إلى المحاكمة، وحددت الجلسة الأولى في 23 كانون الثاني/يناير 2017.
الوفاة المشبوهة للقاتل
وقبل 36 يوماً من موعد الجلسة الأولى لمحاكمته، أُعلن في 17 كانون الأول/ديسمبر 2016 أن عمر غوناي قد نُقل إلى المشفى بعد تدهور حالته الصحية، ثم فارق الحياة هناك، ومع إعلان وفاته بقيت القضية من دون متهم وسقطت الدعوى تلقائياً.
وبعد اعتراض محامي القضية، فُتح في نيسان/أبريل 2017 تحقيق تمهيدي جديد حول دور جهاز الاستخبارات التركية في المجزرة، كما تقدمت عائلات المناضلات الكرديات الثلاث في آذار/مارس 2018 بطلب لإدراج "الآمرين بالقتل والمتواطئين" ضمن التحقيق، ونتيجة لذلك تم تعيين قاضٍ مختص بقضايا مكافحة الإرهاب.
أما المدعي العام في أنقرة، الذي كان يشرف على التحقيق الموازي هناك، فقد أبدى رأياً مفاده أن الجرائم قد تكون "تصفية داخلية"، إلا أن الرأي العام يواصل، كل شهر كانون الثاني/يناير، تنظيم فعاليات احتجاجية تشير إلى المسؤولين الحقيقيين وتطالب بكشف الحقيقة.
ويبقى السؤال، من هن النساء اللواتي استهدفن في مجزرة 9 كانون الثاني/يناير 2013؟ سارة، روجبين، وروناهي… وما الأسباب التي جعلت كل واحدة منهن هدفاً بحد ذاتها؟
سارة وهبت قلبها لتلك المعركة
حين قالت "أنا عاشقة لهذه المعركة"، كانت معركتها إيماناً، وثورة، ومقاومة تقود إلى نهاية عظيمة. ساكينة جانسيز، التي أصرت على الحرية ووضعت حياتها في سبيل ما سمّته "الكفاح"، وُلدت في 12 شباط/فبراير 1958 في قرية "تخته خليل" التابعة لديرسم بشمال كردستان.
وبدأت العمل في المصانع كامرأة كادحة، لكنها لم تدافع عن حقها وحدها، بل شاركت في تنظيم العمال دفاعاً عن حقوق الجميع. ومع ذلك، لم تجد ما تبحث عنه داخل الحركات اليسارية في تركيا.
ومن ديرسم إلى أنقرة، شقت ساكينة جانسيز طريقها لتصبح واحدة من امرأتين فقط شاركتا في المؤتمر التأسيسي الأول لحزب العمال الكردستاني (PKK)، وكان وجودها داخل الحزب بداية رحلة جديدة للمرأة الكردية بأسرها.
السجن منبع يتفجر منه الصمود
في عام 1979، وقبيل انقلاب 1980، اعتُقلت ساكينة جانسيز في خاربيت (إيلازيغ)، حيث تعرضت لأبشع صنوف التعذيب، ورغم القسوة التي أحاطت بها، بدأت بتنظيم النساء اللواتي أُدخلن السجن بعد الانقلاب العسكري، لتصبح صوتهن وعمودهن الفقري داخل الزنازين، ومع تعيين عزت أوكتاي يلدران مسؤولاً للأمن الداخلي في سجن ديار بكر (آمد)، وبدء مرحلة التعذيب المنهجي، تحولت مقاومة ساكينة إلى "شعلة أمل" يستمد منها المعتقلون قوتهم.
وفي 26 كانون الأول/ديسمبر 1990، خرجت ساكينة جانسيز من سجن "جنق قلعة"، وما إن وصلت إلى إسطنبول حتى شاركت في تأسيس أول إطار نسائي هناك، فكتبت النظام الداخلي لجمعية المرأة الوطنية (YKD) وكانت من أبرز مؤسِّساتها، كما ساهمت مع نخبة من المثقفين والفنانين الكرد في تأسيس مركز موزوبوتاميا الثقافي (MKM)، وشاركت في نشاطات مجلة "الشعب الحر" وصحيفة "البلد الحر".
لكن وطأة القمع في تركيا لم تمنحها سوى خمسة أشهر من العمل العلني. وفي الأول من أيار/مايو 1991، غادرت البلاد عبر مطار أتاتورك على متن طائرة يونانية، وبعد فترة قصيرة في أوروبا، اتجهت مباشرة إلى دمشق لتواصل مسيرتها دون تردد أو تأخير.
"أسمع خفقات قلبي"
تصف ساكينة جانسيز رحلتها إلى دمشق "نحن نهبط في مطار دمشق. أسمع خفقات قلب. كأنني على وشك رؤية القائد في أي لحظة، حماسة غريبة. آخر مرة رأيته فيها كانت في مؤتمر التأسيسي. عدتُ إلى شقة "غونايدن" ثم غادرتُ بعد يوم واحد. مرّت ثلاثة عشر سنة. بعد سنوات السجن التي مزقت فيها الأكفان مزقاً، كنت أصل إلى أجمل جانب من حياتي. خلال تلك الفترة تغيّر الكثير، وكنت سأتعلم ذلك خطوة خطوة، متعثّرة أحياناً، مصارعةً التناقضات أحياناً أخرى، لكن القائد لم يتغيّر كثيراً. وعندما سألني "كيف وجدّتِني؟" أجبته "قائدي، ما زلت شاباً، بقيتَ قويّاً، وهذا أسعدني كثيراً".
"أنتِ تحبين الجبال… وستتحّدين بها"
مكثت ساكينة جانسيز ستة أشهر في أكاديمية "معصوم كوركماز"، وعندما حان وقت توجهها إلى الجبال، ودّعها القائد عبد الله أوجلان بكلمات لا تزال تتردد في الذاكرة "هيا ساكينة… أنتِ تحبين الجبال. ستتحّدين بها... أنتظر أخبار نجاحك".
بعد ذلك الوداع، مضت في طريقها، ونسجت حتى يوم اغتيالها، حكايةً أسطورية بقيت علامة في ذاكرة الحركة. واليوم، ما زالت آلاف النساء الكرديات يسرن على خطاها، يحملن رسالتها ويواصلن قضيتها.
رحلة روناهي
ولدت ليلى شايلمز، المعروفة باسم روناهي، في 1 كانون الثاني/يناير 1988 في منطقة يني شهير بمدينة مرسين، اختارت عائلتها لها اسم ليلى تيمّناً بليلى قاسم، إحدى الرموز البارزة في نضال المرأة الكردية، تعود جذور العائلة إلى ناحية ليجه في آمد، لكن الضغوط والممارسات القمعية دفعتها إلى مغادرة موطنها قسراً، كانت مرسين أولى محطات هذا النزوح، وهناك نشأت وترعرعت.
اضطر والد ليلى شايلمز للهجرة إلى ألمانيا، ومع حلول عام 1994 لحقت به ليلى مع إخوتها الخمسة. استقرت العائلة في مدينة هاله التابعة لولاية ساكسن أنهالت، حيث خاضت سنوات طويلة من الكفاح في ظروف معيشية قاسية.
كبرت ليلى شايلمز في هذا المناخ، محاطة بالثقافة الكردية التي بقيت حاضرة في بيتها وفي وجدانها. شاركت في فرق الفلكلور الكردي، ومع انتهاء تسع سنوات من التعليم وبدئها التحضير للجامعة، بدأت تتعرف تدريجياً إلى الحركة الكردية.
بدأت نشاطها في صفوف الشباب عام 2008، متنقلة بين عدة دول أوروبية. وفي عام 2010 انضمت إلى صفوف حزب العمال الكردستاني، غير أنها اضطرت بعد عامين للعودة إلى أوروبا بسبب وضعها الصحي، لتستأنف هناك عملها السياسي، وخلال فترة نشاطها في هانوفر المدينة التي تشهد حضوراً مكثفاً للاستخبارات التركية، كانت تحت مراقبة مستمرة من الشرطة الألمانية، الأمر الذي دفعها للانتقال إلى باريس لمتابعة عملها.
كانت أكبر أمنيات ليلى شايلمز أن تشارك في نوروز آمد. وفي الوقت الذي كانت فيه تؤدي دوراً بارزاً في توجيه الشباب وإلهامهم، جرى استهدافها في باريس، حيث اغتيلت تاركة خلفها أثراً لا يُمحى.
روجبين... طفلة ولدت في قلب مجزرة مرش
ولدت فيدان دوغان، المعروفة باسم روجبين، في 17 كانون الثاني/يناير 1982 في قرية "مالي بوتان" الواقعة بين منطقتي إلبستان ونورحق في مرش، وكانت الثانية بين أربعة أطفال. بعد مجزرة مرش وما تبعها من موجات نزوح، استقرّت عائلتها في فرنسا. كان والداها قد غادرا إلى الخارج أولاً، فيما بقيت فيدان حتى سن التاسعة في القرية مع خالتها وجدها وجدتها. وبعد ذلك لحقت هي الأخرى بعائلتها في رحلة الهجرة، وهناك في فرنسا تعرفت إلى حركة الحرية الكردية.
عُرفت فيدان دوغان بأنها امرأة شديدة الحساسية تجاه ما يجري حولها، ذات حسّ عالٍ بالعدالة. ومن خلال نشاطها في أوروبا، أسهمت في جعل القضية الكردية ولا سيما نضال المرأة الكردية مرئية على المستوى الدولي.
كانت تتقن الفرنسية بشكل جيد، وتعمل في المجال البيروقراطي. وفي عام 2002 تولت مسؤولية ممثلية المؤتمر الوطني الكردستاني (KNK) في باريس، ثم أصبحت في عام 2011 مسؤولة عن مكتب المعلومات الكردستاني الذي اغتيلت فيه لاحقاً. وعلى مدى نحو عشر سنوات عرفت بعملها الدبلوماسي والبيروقراطي. كانت شخصية مسالمة، ونشطت في أوروبا، خصوصاً في باريس وستراسبورغ حيث المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وتواصلت مع العديد من السياسيين الأوروبيين.
عُرفت فيدان دوغان بعلاقاتها الإنسانية الجيدة، وصبرها، وروحها الكفاحية، ونظرتها الإيجابية، وتركت أثراً لدى كل من عرفها. وكانت والدتها فاطمة دوغان تصفها قائلة "كانت روجبين طفلة شديدة الصدق، واضحة في كل شيء، لا تحب الكذب. إذا بدأت عملاً قالت: لن أتركه ناقصاً. لدي خمسة أطفال؛: ولدان وثلاث بنات، وروجبين أصغر بناتي. كانت شديدة الارتباط بشعبها وقضيتها، وإذا تعلّق الأمر بقضيتها لم تكن تستمع لأحد. كانت في السادسة عشرة من عمرها حين بدأت تذهب مع صديقاتها إلى الجمعية. كانت دائماً تفكر: كيف أشارك في السياسة؟ كيف أكون مفيدة للقضية؟". واصلت فيدان دوغان نضالها من أجل وجود الشعب الكردي حتى يوم اغتيالها، تماماً مثل رفيقتيها الأخريين.
كبرت ساكينة جانسيز على قصص الفظائع التي عاشها شعبها في مجزرة ديرسم (1937ـ 1938)، وخاضت حرباً ضد العنصرية والتعصب الديني والتمييز الجنسي. أما فيدان دوغان، فقد كانت في الرابعة من عمرها خلال مجزرة مرش (1978)، وكرّست حياتها للديمقراطية والحرية والعدالة. أما ليلى شايلمز، فقد ولدت بعيداً جداً عن أرضها آمد بسبب تصاعد الضغط على الكرد، وقضت حياتها على طرقات الهجرة، لكنها ناضلت من أجل أرضها.
وفي استهداف هؤلاء النساء الثلاث، استهدفت المرأة الكردية برمتها. تطالب النساء اليوم بمحاسبة المسؤولين الحقيقيين. وفي تركيا وفرنسا على وجه الخصوص، تستعد النساء الكرديات هذا العام أيضاً للخروج إلى الشوارع في 9 و10 كانون الثاني/يناير للمطالبة بالعدالة.