"نساء الجزائر: الشقة المعثورة"… معرض يعيد للذاكرة صوتها وللمرأة حضورها
سلّط معرض "نساء الجزائر: الشقة المعثورة" الضوء على حضور المرأة الجزائرية في الذاكرة الجماعية، من خلال إعادة قراءة تراثها المادي واللامادي، وإبراز دورها في تشكيل الهوية الثقافية عبر الأزياء والطقوس والعادات اليومية.
نجوى راهم
الجزائر ـ أكدت المصممة فايزة عنتري بوزار أن المعرض لا يقتصر على سرد قصة شخصية، بل يهدف إلى إبراز الإرث الثقافي غير المادي للمرأة الجزائرية، بما يشمل الطرز والخياطة والملابس التقليدية والعادات اليومية المتوارثة عبر الأجيال.
يواصل معرض "نساء الجزائر: الشقة المعثورة" استقبال زواره في متحف باردو بالعاصمة، بعد انطلاقه في أواخر عام 2025، وقد تقرر تمديد فترة عرضه إلى نهاية كانون الثاني/يناير الجاري، مما يمنح الجمهور فرصة أوسع للتعرّف على هذا المشروع الفني والثقافي الذي يسعى إلى إعادة الاعتبار للمرأة الجزائرية، وتمكينها من استعادة صوتها وسرد حكايتها وترسيخ حضورها الرمزي في الذاكرة التاريخية والثقافية.
ونظم المعرض المصممة الجزائرية فايزة عنتري بوزار، التي أوضحت أن المعرض والمجموعة التشكيلية التي أطلقتها تحت أسم "قَدَر" هما ثمرة رحلة عادت فيها إلى الذاكرة العائلية والاجتماعية، مشيرة إلى إن الشرارة الأولى انطلقت من "كراكو عاصمي" وهو واحد من أعرق وأجمل الأزياء التقليدية في الجزائر، ويُعد رمزاً للهوية النسوية في العاصمة تحديداً، ورثته عن جدتها، لكنه لم يكن بالنسبة لها مجرد زي تقليدي، بل قطعة تنبض بروح صاحبتها وتحمل بين خيوطها حكاية كاملة.
وأشارت إلى أن هذا الكراكو ارتدته جدتها عام 1913، ثم ارتدته هي نفسها في عام 1986عند انتقالها من الابتدائية إلى المتوسطة "كان عمري أنداك ثلاثة عشر عاماً، نفس السن التي تزوجت فيه جدتي، هذه القطعة أصبحت حلقة وصل بين جيلين، ورمزاً لتطور وضع المرأة في المجتمع الجزائري".
وأضافت فايزة عنتري بوزار أن "المعرض لا يقتصر على سرد القصة الشخصية، بل يسلط الضوء على الإرث الغني للطرز، الخياطة، الملابس التقليدية، وسلوكيات المرأة الجزائرية، وهي موروثات ثقافية غير مادية تنتقل من الجدة إلى الأم، ثم إلى الابنة، فابنة الابنة هذه العناصر لا يجب أن تُنسى، فهي جزء من هويتنا وحياتنا اليومية".
وأكدت أن جانباً مهماً من إلهامها استند إلى لوحة الرسام العالمي أوجين دولاكروا "نساء الجزائر في شقتهن" وأضافت أن أوجين دولاكروا، الذي زار الجزائر لفترة وجيزة، رسم هذه اللوحة دون أن يكون من المؤكد أنه اطّلع على الصورة الحقيقية والكاملة للمرأة الجزائرية، ولهذا من حق النساء الجزائريات اليوم أن تقدمن صورتهن الأصلية وأن يروين حكاياتهن بأنفسهن من لباسهن إلى سلوكهن وطريقة تفكيرهن.
الملابس التقليدية فن يومي للمرأة الجزائرية
ويعكس المعرض أيضاً ثراء التراث الجزائري للملابس التقليدية وعادات المرأة في الحياة اليومية، فقد روجت بعض الصور التاريخية للمرأة في البلدان الإسلامية لعالم ساحر مليء بالحلي الفخمة والأزياء المزخرفة، حيث تظهر النساء في أبهى حللهن، مع الالتزام بالاحتشام المفروض أحياناً بالعادة أكثر من التعاليم، ورغم القيود الاجتماعية، كانت المرأة تتمتع بحرية كبيرة داخل منزلها، خصوصاً بين الأثرياء وكبار الشخصيات، حيث كانت معفاة من الأعمال المنزلية التي كانت تُوكَل للخدم والعبيد، بينما يقتصر دورها على تنظيم الأسرة والأشغال المتعلقة بالفناء الداخلي للبيت، أو ما يُعرف بـ "وسط الدار".
الحمام طقوس الطهارة والجمال
وقالت إن الحمام كان ولا يزال مقصداً للطهارة والنقاء، فضاءً للاستحمام والتعارف، وإضافة إلى دوره الصحي، فهو جزء من الحياة اليومية للمرأة الجزائرية، خاصة في البيوت الحضرية الثرية مثل قصر باردو، حيث كانت العائلات تحرص على توفير حمام داخل المنزل، وكان الحمام يحتوي على مستلزماته الخاصة.
وأشارت إلى أن المعرض يقدم تجربة حسية تجمع بين الموضة، الفن، والتاريخ الاجتماعي، حيث يتحول الكاراكو والمقتنيات العائلية إلى لغة تعبيرية وروحية تروي قصصاً عميقة عن الهوية والمجتمع، مؤكدة على أن كل قطعة تحمل حكاية، وكل موقف مؤرخ لشخصيات حقيقية وحياة مستمرة "قَدَر ليست مجرد مجموعة أو معرض أزياء؛ إنها رحلة في الذاكرة، وسرد حي، واحتفاء بالتراث والحداثة معاً".