مقاومة حلب... إرادة لا تنكسر وصمود أقوى من أي سلاح

مقال بقلم الصحفية آفاشين هيلين

تحولت المعركة في أحياء حلب خلال ستة أيام إلى دفاع عن الكرامة والحرية والوجود الإنساني، ورغم المجازر والهجمات الوحشية وصمت القوى الدولية، جسّد المقاتلون والمقاتلات والأهالي إرادة لا تنكسر وصموداً خالداً أقوى من أي سلاح.

لكل إنسان، ثمة مشاعر وأفكار وتجارب يعجز اللسان عن حملها أو وصفها، إذ يظل الجرح العميق أثقل من الكلمات، أنين القلب المكسور، والدموع، وصمت الأغنية مع نسيم الفجر، كلها تصرخ بالألم، الغيوم والرياح تزدحم في الأفق، والسماء تضيق بأحزانها في صمتٍ كونيٍ ثقيل، تنعكس كآبة الإنسانية أمام العيون، كظلٍ يلاحق الروح حيثما مضت.

أغوص في الكتابة عن الألم وكشف الحقيقة حتى تتشقق أناملي ويرتجف قلبي، فأزداد صمتاً وجموداً مع مرور الأيام، أولئك المقاتلين والمقاتلات ارتشفوا مرارة الحرب وسكروا بعذوبة الكرامة في كل لحظة من حياتهم، واليوم، مع صمودهم وكرامتهم في زمن الانتصار، أجد نفسي غارقاً في لحن الأوتار المرهفة.

على الصفحة البيضاء، ينبغي أن تُسطر الكلمات بمدادٍ أحمر، كلمات النصر، ودعاء الرسل ببشارة الصمود، لكن وجع القلب ووعي التاريخ يفتت الحروف ويبعثر أنغام الروح، كيف لي أن أجد ذاتي في أصداء المقاومة ومعاناة الإنسانية؟ لو كان الأمر يسيراً، لكنت قد أضعت هذه الكتابة أمام وجهي ببعض العبارات الجافة والقصيرة، أما الآن، فإن عبء الحياة والتاريخ قد استقر على كتفي، كما هو على كاهل الإنسانية جمعاء، يثقل الروح ويوقظ الذاكرة، ليبقى الصمود هو النشيد الوحيد الممكن.

كيف يمكننا أن نصف مقاتلين ومقاتلات "الآسايش" في حلب الذين جعلوا خطواتهم أنشودةً للفن المقاوم وروح الثورة؟ وكيف نروي عن القائد العسكري زياد حلب، عن ملامحه الصلبة القاسية، وعن كلماته التي كانت مفاتيح الذاكرة والرجاء؟ هل نترك للمؤرخين وعلماء الاجتماع والشعراء أن يحوّلوا هذه اللحظات إلى بيتٍ في التاريخ؟ لا أظن أن سبع دقائق تكفي لتجسيد حضورهم ومكانتهم.

فلنجعلها سبع دقائق من الحرية، من الانتصار، من الألم، من الكرامة، من الإرث، ومن العهد الذي تركوه لنا، سبع دقائق لطفل جائع لم يتذوق بعد طعم الحياة، يراقب بعينيه الصغيرتين المدافع القنابل من حوله، أو لشابٍ ما زال يتعلم معنى الصداقة في ألعاب الطفولة مع أبناء الجيران.

ولا ينبغي أن ننسى الكبار، أصحاب التجربة والخبرة، الذين صاروا معلمين لنا بما عاشوه وما عرفوه، فوجودهم ذاكرة حيّة لا يجوز أن تُمحى، فإذا استطعنا أن نمنحهم سبع دقائق فقط، فستكون تلك الدقائق حياةً كاملة تختصر وجع التاريخ، وتُجسّد حقيقة الإنسان، وتُبقي الصمود نشيداً خالداً لا ينطفئ.

وكلما استحضرت أولئك الذين امتلكوا السكينة والصبر والمعرفة، وحملوا العزم والقوة والإرادة، لقد جعلوا من موتهم قراراً وصموداً، فصار الموت عندهم تحوّلاً إلى حياة ومعنى جديد للوجود، وحين نفكر فيهم، ندرك أن معنى الحياة يتجسد في أسمائهم، في ذكراهم، وفيما تركوه من أثر خالد.

سحر الكلام يتلاشى أمام هذه اللحظات الحيّة، ستة أيام متواصلة من الحرب والمقاومة، مئة وأربع وأربعون ساعة كُتبت فيها صفحات من التاريخ والكرامة، وعندما يتأمل الإنسان الرقم "ستة"، يكتشف أنه يحمل في طياته رموز المسؤولية، المحبة، الخدمة، الانسجام، والحماية، وربما أيضاً نداءً للخروج، للعون، وللتكاتف.

وإذا كانت المعاني تتكاثر بهذا الشكل، فلماذا إذن تُسحق الكلمات والتعريفات أمام حقيقة الحياة والنضال؟ لأن الحقيقة أوسع من أن تُحاصر في تعريف، وأعمق من أن تُختزل في لفظ، فهي تنبض في التجربة، وتُكتب بالدم والكرامة، وتبقى شاهدة على إنسانية لا تنطفئ.

في السادس من كانون الثاني/يناير الجاري، شنّت المجموعات المسلحة هجماتها الجوية، مستهدفة حيين احتضنا مختلف الأديان والمعتقدات، وغنى المجتمعات، لتكونا نموذجاً للتعايش الديمقراطي، ولهذا تحوّلتا إلى هدف مباشر لتلك الهجمات.

لم تكن مجرد عملية عسكرية كما يُراد تصويرها، بل كانت مجزرة مكتملة الأركان، وأمراً بالإبادة ضد المجتمع الكردي والإنسانية جمعاء، امتدادًا لمآسي كوباني وشنكال، آلاف المسلحين شاركوا في الهجوم مستخدمين أسلحة ثقيلة متنوعة، من الطائرات المسيّرة والدبابات إلى المدافع، فقصفوا المستشفيات والمناطق المدنية بلا رحمة، وارتكبوا انتهاكات وجرائم حرب بحق الأسرى والجثامين.

ومع ذلك، أمام هذه الهجمات الوحشية، ظلّت القوى الدولية ومعظم منظمات حقوق الإنسان والصحة صامتة، ذلك الصمت لم يكن حياداً، بل تواطؤاً معلناً، إذ كما يُقال "الصمت شكل من أشكال المشاركة في الجريمة".

قوات الأمن الداخلي "الآسايش" وأهالي الحيّين رفضوا الخضوع والاستسلام، واختاروا طريق المقاومة بوعيٍ وإرادةٍ صلبة، جعلوا من تضحياتهم رسالةً تحمل بشائر الصمود، وإعلاناً لإرادة لا تنكسر، إن طريق المقاومة الذي انطلق من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية لم يكن مجرد دفاع عن حيين، بل كان دفاعاً عن كرامة الإنسان وإرادة الحرية، وتجسيداً لمعنى العيش بكرامة.

لقد كانت تلك المقاومة امتداداً لقوة وصلابة قوات سوريا الديمقراطية، حيث تحوّل الدفاع عن الأرض إلى دفاع عن القيم الإنسانية، وعن الحق في الحرية والوجود، وهكذا صار صوتهم صدىً يتردد في كل مكان، شاهداً على أن الإرادة الحرة أقوى من أي سلاح.