جدائل لا تُقطع… ذاكرة كوباني وهزيمة الطغاة
لم تكن كوباني مدينةً محاصَرة فحسب، بل رمزاً لإرادة المرأة الكردية التي حوّلت جدائلها إلى رايات مقاومة، ففي مواجهة الطغيان، أصبحت الجديلة شاهداً على الكرامة وهزيمة الظلام.
سيلفا الإبراهيم
كوباني ـ تُعيد كوباني اليوم إحياء نصرها، مستحضرةً جدائل المقاتلات اللواتي حوّلن التضحية إلى ذاكرة لا تموت، في مكان كُسر فيه الطغيان، تبقى الجديلة شاهداً حيّاً على إرادة المرأة الكردية وانتصارها الذي يتجدّد مع كل جيل.
في عام 2014 سطّرت مدينة كوباني واحدة من أعظم ملاحم المقاومة في وجه مرتزقة داعش، الذين كانوا قد بسطوا سيطرتهم على مساحات واسعة من سوريا، وحاولوا اقتحام المدينة ظنّاً منهم أنها ستسقط، إلا أن كوباني واجهتهم بإرادة لا تُكسر، تجسّدت في مقاومة بطولية قادتها مقاتلات وحدات حماية المرأة إلى جانب مقاتلي وحدات حماية الشعب.
استمرت معركة كوباني 134 يوماً، وكانت خلالها المرأة الكردية في الصفوف الأمامية، تدافع عن الأرض والكرامة والوجود. قدّمت عشرات المقاتلات أرواحهن فداءً للمدينة، ولم يشهدن إعلان النصر في 26 كانون الثاني/يناير 2015، لكن جدائلهن كانت حاضرة في ذلك اليوم، شاهدة على الانتصار الذي صُنع بدمائهن.
بعد تحرير كوباني، شُيّد نصب تذكاري يعلوه شعار "هنا بين جدائل مقاتلات الشمس والنار تمجد المقاومة" ضمّ جدائل المقاتلات الشهيدات، لتبقى على الأرض رمزاً حيّاً لهزيمة داعش، ودليلاً على أن المرأة لم تكن ضحية في هذه الحرب، بل صانعة نصر، فالجديلة لم تكن يوماً مجرد خصلات شعر، بل راية مقاومة، وذاكرة كرامة، وتاريخاً مكتوباً بالتضحية.
واليوم، وبعد مرور عقدٍ على ذلك النصر، يعود أصحاب الرايات السوداء لمحاصرة كوباني من جديد، ويحاولون قطع جدائل المقاتلات في فعلٍ يائس لكسر إرادة المرأة، إلا أن ردّ النساء من مختلف أجزاء كردستان الأربعة جاء حاسماً، حيث أكدن أن الاعتداء على الشعر هو اعتداء على الكرامة، وأن الجديلة ليست للزينة، بل عنوان للهوية والمقاومة.
وفي مشهدٍ بالغ التأثير ومع حلول ذكرة تحرير مدينة كوباني من داعش، رصدت مراسلتنا خلال تغطيتها لمقاومة أهالي كوباني مجموعةً من الأطفال وهم يجدلون خصلات شعرهم إلى جانب النصب التذكاري. رسالة صامتة لكنها عميقة، تقول إن الجديلة ليست مجرد خصلة شعر، بل تاريخ من النضال، وشاهد لا يموت على انتصار الإرادة الحرة، ودحر الطغاة مهما تغيّرت وجوههم.