فلسطينيات يناقشن سبل إنقاذ القطاع الصحي في غزة

دعت مشاركات في جلسة حوارية إلى وضع خطة استراتيجية لإعادة إعمار القطاع الصحي في غزة، تشمل تأهيل المستشفيات وتوفير الأدوية والمعدات الطبية، وإشراك الصحفيات الفلسطينيات في جهود التوعية والمناصرة.

نغم كراجة

فلسطين- سلطت جلسة حوارية عُقدت في قطاع غزة الضوء على أن تعافي المنظومة الصحية وإعادة إعمارها في ظل الاحتياجات المتفاقمة، يتطلب رؤية شاملة تتجاوز توفير التمويل والمستلزمات الطبية لتضع الإنسان في قلب العملية، بدءاً من المرضى والكوادر الطبية وصولاً إلى التوثيق الصحفي لأوضاع الحرب.

ناقش مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC)، خلال جلسة حوارية نظمت اليوم الخميس 29 تشرين الأول/أكتوبر، حول إعادة إعمار القطاع الصحي في قطاع غزة، أولويات التعافي من انهيار المنظومة الصحية، وسبل إعادة تأهيل المرافق الطبية والكوادر العاملة فيها، مع التأكيد على أهمية الدعم النفسي للعاملين في الخطوط الأمامية، وإشراك الصحفيات الفلسطينيات في جهود التوعية والمناصرة المتعلقة بإعادة الإعمار.

وشددت المشاركات في الجلسة على أن إعادة بناء القطاع الصحي لا تقتصر على ترميم المستشفيات وتوفير الأدوية والأجهزة الطبية بل تتطلب أيضاً الاهتمام بالصحة النفسية للأطباء والصحفيين، وتأهيل الكوادر التي تعرضت لضغوط وصدمات خلال الحرب، ووضع خطط طويلة الأمد تضمن استدامة الخدمات الصحية وقدرتها على الاستجابة للأزمات المستقبلية.

وتأتي هذه النقاشات في ظل دمار واسع أصاب القطاع الصحي، ووفق تقرير منظمة الصحة العالمية عن استجابتها في الأرض الفلسطينية التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية خلال عام 2025، تعرضت المستشفيات الـ 36 في قطاع غزة لأضرار بحلول أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، ولم يكن يعمل منها سوى نحو النصف بصورة جزئية، فيما بقيت 48 بالمائة فقط من مراكز الرعاية الصحية الأولية عاملة.

كما وثقت المنظمة أكثر من 930 هجوماً على الرعاية الصحية بين تشرين الأول/أكتوبر2023 وكانون الأول ديسمبر 2025، في وقت عانت فيه المرافق من نقص حاد في الكوادر والإمدادات الطبية.

 

الصحة النفسية جزء من التعافي

وخلال الجلسة الحوارية أكدت مستشارة مؤسسة جذور لبرامج الدعم النفسي ميساء البسيوني، أن الصحة النفسية لا تنفصل عن الصحة الجسدية، وأن إعادة إعمار القطاع الصحي تستدعي وضع احتياجات العاملين النفسية في صلب خطط التعافي، خصوصاً أولئك الذين عملوا في ظروف تجاوزت قدرتهم على التحمل.

وبينت أن الأطباء والكوادر الطبية والصحفيين واجهوا ظروفاً استثنائية خلال الحرب، سواء في المستشفيات أثناء التعامل مع أعداد كبيرة من المصابين والمرضى، أو في الميدان أثناء تغطية الأحداث وتوثيق آثار القصف والدمار.

وأضافت "أن هذه التجارب تركت آثاراً نفسية على العاملين، تمثلت في الضغوط والخوف والقلق والتعرض للصدمات، فضلاً عن الاستهداف والاعتقال اللذين تعرض لهما بعضهم".

وشددت على ضرورة توفير برامج دعم نفسي متخصصة لهذه الفئات، ومتابعة احتياجاتها بما يساعدها على استعادة قدرتها على العمل بكفاءة، موضحة أن الاستجابات النفسية تختلف من شخص إلى آخر، وأن القدرة على التحمل لا تعني غياب التأثر بالمشاهد القاسية والتجارب الصادمة.

 

الصحفيات شريكات في إعادة الإعمار

أما الناشطة إنعام قينص أكدت على أهمية مشاركة الصحفيين والصحفيات في النقاشات المتعلقة بإعادة إعمار القطاع الصحي، معتبرة أن دورهم لا يقتصر على نقل الأخبار، بل يشمل التوعية بمراحل الإعمار، وإيصال احتياجات المجتمع إلى الجهات والمؤسسات المعنية، والمساهمة في صياغة التوصيات.

وأضافت أن الإعلام يستطيع المساهمة في إطلاق الحملات الإعلامية وحملات الضغط على الجهات المسؤولة، بهدف حشد الموارد اللازمة للنهوض بالقطاع الصحي، وتسليط الضوء على ما تبقى من مرافقه وإمكانات إعادة تشغيلها "إن التواصل عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي يشكل أداة مهمة لتعريف المجتمع باحتياجات القطاع الصحي، وتعزيز المشاركة المجتمعية في جهود إعادة بنائه، بما يضمن بقاء هذه القضية ضمن أولويات النقاش العام".

 

ثلاث مراحل لإعادة بناء القطاع الصحي

بدورها، أفادت الصحفية منى بكر بأن الصحفيات اللواتي غطين الحرب وثّقن جانباً كبيراً من الانهيار الصحي، بما في ذلك أوضاع الأطفال الخدج، وتدمير المستشفيات وأجهزة الأشعة وغرف العمليات، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية.

وأوضحت أن المرحلة الأولى تتطلب توفير المستشفيات الميدانية والعيادات المتنقلة، وتأمين وصول الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب البدء بتأهيل الكوادر والمرافق القابلة للتشغيل، أما المرحلة الثانية، فتشمل إعادة بناء البنية التحتية الصحية، بما فيها شبكات المياه والصرف الصحي، وترميم المستشفيات والمراكز الصحية المتضررة.

وأضافت "أن المرحلة الثالثة تركز على استدامة الخدمات الصحية، من خلال توفير التمويل اللازم، وتحديث الأجهزة والمعدات الطبية، وتعزيز قدرة المستشفيات على مواصلة العمل خلال الأزمات والنزاعات، إلى جانب تأهيل كوادر جديدة لتعويض النقص الناتج عن فقدان العاملين أو هجرتهم".

ولفتت إلى أن إعادة التأهيل يجب أن تشمل أيضاً معالجة الضغوط النفسية التي تعرض لها الأطباء والعاملون الصحيون، بما يساعدهم على مواصلة تقديم الخدمات في بيئة عمل أكثر أماناً وقدرة على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

 

إعادة الإعمار تتجاوز المباني

وتعكس مداخلات المشاركات اتساع مفهوم إعادة الإعمار، الذي لا يقتصر على إعادة بناء المنشآت المتضررة بل يشمل استعادة قدرة النظام الصحي على تقديم الخدمات، وحماية العاملين فيه، وتعزيز جاهزية المؤسسات لمواجهة الطوارئ.

وتبرز الحاجة إلى إدماج الصحة النفسية ضمن خطط التعافي، بالتوازي مع تأمين الأدوية والمعدات وإعادة تأهيل المستشفيات، فضلاً عن إشراك الإعلاميات في تحديد الأولويات ونقل احتياجات السكان ومساءلة الجهات المعنية عن تنفيذ خطط الإعمار.

وفي ظل استمرار الاحتياجات الصحية الكبيرة في قطاع غزة، تظل إعادة بناء المنظومة الصحية مرهونة بتوفير التمويل والموارد البشرية والمستلزمات الطبية، وضمان وصولها إلى المرافق الصحية، إلى جانب وضع آليات متابعة ومساءلة تضمن توجيه الدعم نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.