ديبا كسكين: الإسلام الحقيقي غُيّب وحُوِّل إلى أداة سياسية بيد السلطات

تُظهر الأحداث الجاري في الشرق الأوسط عموماً وسوريا خصوصاً، كيف تحوّل الدين إلى أداة سياسية بيد القوى الإمبريالية، مع إبراز التناقض بين الإيمان الحقيقي والممارسات المفروضة على المجتمعات.

ديلان أيدن

آمد ـ مع بدء الهجمات على الأحياء الكردية في مدينة حلب السورية، تكشّف مجدداً الوجه المظلم للقوى العالمية، ففي ليلة واحدة، جرى حشد الآلاف من الجماعات المسلحة من مختلف الدول، مستخدمين الدبابات والمدفعية والطائرات المسيّرة التركية، وكانت النتيجة مئات القتلى والجرحى، إلى جانب تهجير الآلاف قسراً.

في تلك الأحياء، حيث تغيب المعلومات ويُحجب مصير السكان، لا أحد يعرف حقيقة ما يجري خلف هذا الحصار، لتبقى الصورة أشبه بكارثة إنسانية تُرتكب بصمت، بعيداً عن أي رقابة أو مساءلة.

ففي معرض حديثها عن الهجمات والمجازر التي وقعت في حلب، أكدت السكرتيرة في مبادرة الاتحاد، ديبا كسكين، أن جميع دول الشرق الأوسط لا تعيش الإسلام بروحه وجوهره الحقيقي، بل وفق مصالحها وأهوائها الخاصة، وأن هذا التناقض يفضح زيف الادعاءات الدينية حين تُستخدم كغطاء سياسي.

وأشارت إلى الموقف الذي اتخذه رجل الدين المدعو "ملا مزهر طاهر"، والذي وجّه انتقادات مباشرة ضد المقاتلات في قوات الأمن الداخلي "الأسايش" في حلب، معتبرة أن مثل هذه التصريحات تكشف الانحياز الواضح ضد المرأة المناضلة، وتفضح العقلية التي تحاول النيل من دورها في الدفاع عن المجتمع.

 

الإسلام بات شعائر شكلية

وأكدت أنه غُيّب الإسلام عن حياة المجتمع حين حُصر القرآن في إطار للزينة أو عُلّق على الجدران، بينما جرى إقصاء قيمه من الواقع، وهكذا بات الناس لا يعرفون الإسلام إلا من خلال الشعائر الشكلية كذكر الله والصلاة والصوم، دون أن يتجسد في حياتهم عبر الحق والعدل والإنصاف والإنسانية والتمييز بين الخير والشر، أو عبر العقل والبصيرة، وبغياب هذه القيم، يصبح الإسلام مجهولاً في جوهره، ويُختزل إلى طقوس فارغة لا تعكس رسالته الحقيقية.

وأشارت ديبا كسكين إلى أن كل دولة ترتكب أفعالاً باسم الإسلام، لكن لا أحد يجرؤ على رفع صوته ضدها، فيما يبتعد المؤمنون عن جوهر الدين الحقيقي "الذين يقتلون يرفعون شعار الله أكبر، والذين يكتفون بالمشاهدة يرفعون دعاء يا رب احفظني، لذلك علينا أن نسأل، أي إسلام هذا؟"، مبيّنةً أن الإسلام الذي يُسأل عنه اليوم لم يعد موجوداً في دول الشرق الأوسط؛ فالموجود هو إسلام السلطات والحكام، أما دين الإسلام الذي قام على العدل والرحمة فقد غاب عن الواقع.

وأوضحت ديبا كسكين أن السؤال حول "الإسلام الحقيقي" لا يرتبط فقط بتدخل القوى المهيمنة التي فرضت نفسها كحضارة مركزية على الشرق الأوسط، بل إن المشكلة كانت قائمة منذ زمن بعيد. فقد روت أن إحدى الأمهات سألتها مؤخراً "لماذا لا يلتقي الدين والإيمان والمجتمع معاً؟ أي إسلام هذا؟

واستحضرت مثالاً من عهد عمر بن الخطاب، حين سأله أحد الصحابة عن كيفية تربية الأبناء، فأجاب: علموهم السباحة، الرماية، ركوب الخيل، وأدب الحديث والفهم، هذا النموذج يعكس رؤية متكاملة للحياة، حيث يُربى الإنسان ليكون قادراً على حماية نفسه، وفي الوقت ذاته صاحب عقل وفكر وبصيرة، قادر على إدارة حياته وإيمانه وسياسته "لكن مع مرور الزمن، تغيّر هذا النهج؛ ففي عهد العباسيين، قال هارون الرشيد علموا أبناءكم القرآن، الله، والنبي فقط، وهكذا تحوّل الإسلام إلى شعارات شكلية، بينما غابت قيم العدل والرحمة والإنسانية عن حياة الناس".

وبيّنت أن "هذا التحول جعل السلطة تستخدم الدين كسلاح في يد الحكام، ومع القرن الحادي عشر جرى إبعاد الإنسان عن طبيعته، وأصبح الأطفال يتعلمون فقط قراءة القرآن دون ارتباط بالحياة والمجتمع، ومن هنا تحوّل الدين إلى أداة بيد السلطات، وما زال حتى اليوم يُستخدم كسلاح لإخضاع الشعوب وقتلها".

وحول من يقف خلف هذه الجماعات وما هو هدفها، أوضحت أن القوى الإمبريالية العالمية هي التي تقف وراءها، وغايتها تقسيم الشرق الأوسط وتحويله إلى ساحة دائمة لحروبها، هذه القوى لا تخوض معاركها في دولهم، بل تنقلها إلى دول أخرى، حيث يُسمع صدى الصراخ والبكاء، وتدخل رائحة البارود والموت إلى المنازل لتجعلها قيامتهم اليومية.

وأضافت أنه "عندما يُقتل جندي أمريكي أو إسرائيلي يُعتبر الأمر كارثة كبرى، لكن حين يُقتل الآلاف من شبابنا وأمهاتنا، وتُدمَّر بيوتنا وتُنهب، لا يُنظر إليه على أنه مأساة. الشرق الأوسط اليوم هو ميدان صراع القوى الإمبريالية، أما نحن فنعيش في مناطقنا وبيوتنا، لكن القنابل تُلقى فوق رؤوسنا وتُفرض علينا هذه الحرب التي ليست حربنا، بل حربهم هم".

وترى ديبا كسكين أنه جرى تسييس الإيمان وتحويل الإسلام إلى أداة في يد القوى السياسية"، مؤكدة أنه لو لم تكن هناك حروب، لما وُجدت هذه الفوضى، ولما تمكنت تلك القوى من تحقيق أهدافها، ولهذا السبب، في الشرق الأوسط، حيث الإيمان هو القضية الأكثر حساسية، تُشن الحروب باسم الدين ضد الشعوب "عندما نتأمل مشروع "الحزام الأخضر"، ندرك من خلال دراسة خطط الولايات المتحدة وروسيا والقوى الإمبريالية كيف جرى إدخال الإسلام السياسي إلى المنطقة، لنكتشف أن المشكلة ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج خطط طويلة الأمد تنفذها القوى الكبرى عبر أدوات مختلفة".

وفي ختام حديثها، أوضحت ديبا كسكين أن القوى اليمينية في العالم تعمل بشكل علني، بينما تراجعت القوى اليسارية التي كانت في الماضي تحمل قيماً إنسانية واجتماعية، وتوازن بين مصالحها ومبادئها "القوى التي تتحكم بالعالم حالياً تفعل كل شيء بشكل مكشوف، وغايتها الوحيدة هي مصالحها الخاصة، وقد وضعت أقدامها على أرض كردستان لتجعلها ساحة جديدة لمشاريعها".