مجازر الساحل السوري... عام على إعدام العدالة

تمر الذكرى السنوية الأولى على ارتكاب جهاديي هيئة تحرير الشام مجازر الساحل السوري، وحتى اليوم لم يتم تحقيق العدالة للضحايا وعائلاتهم.

مركز الأخبار ـ 7 آذار/مارس 2025 تاريخ دموي سُجل في تاريخ الطائفة العلوية التي انتقم منها جهاديي هيئة تحرير الشام باسم المظلومية السنية في سوريا، وحتى اليوم يحمل الشعب السوري بأكمله وزر الآلام التي خلفتها تلك المجازر.

عام مر دون محاسبة أو حتى نية للمحاسبة، بل إن القتلة يستلمون مناصب قيادية مهمة في "جيش سوريا الجديد"، كما أنه بدلاً من محاسبة مرتكبيها بررت "لجنة التحقيق الوطنية" التي شكلها أحمد الشرع "الجولاني" على عُجالة، جراء الضغط الدولي بأنها "كانت واسعة إلا أنها لم تكن متعمدة"، وإن "الدوافع كانت ذات خلفية ثأرية وليست أيديولوجية" مع أنها اعترفت بأن المهاجمين استخدموا "عبارات طائفية".

لجان التحقيق في سوريا أيام النظام السابق وحتى الحالي ليست إلا محاولة لشراء الوقت، لينسى الشعب ألمه ومأساته، ولذلك لم تحقق اللجنة الهدف في محاسبة المجرمين الذين شاركوا بعد أشهر قليلة في مجازر السويداء.

بهذه المجزرة دق النظام الإخواني السلفي الجهادي الذي سلب السوريين ثورتهم ونصرهم، أول أسفين في نعش السلام الأهلي، قبل أن يستكمل تدمير ما تبقى من حلم سوريا الجديدة في جرمانا والسويداء ثم شمال وشرق سوريا.

 

ما بين اللجنة السورية والأممية

"لجنة التحقيق الوطنية" في أحداث الساحل السوري التي شكلتها الحكومة المؤقتة حددت هوية 298 متورطاً في ارتكاب المجازر التي أدت بحسب اللجنة لقتل 1426 مدنياً بينهم 90 امرأة، ورغم أنها "أوصت بملاحقة الفارّين من العدالة والمضي في إجراءات العدالة الانتقالية"، إلا أنه لم يتحقق أي شيء من ذلك حتى اليوم.

واعترفت هذه اللجنة بالجرائم التي تعرض لها المدنيون في 7 و8 و9 آذار/مارس الماضي، وقالت إنها شملت "القتل والقتل القصد والسلب وتخريب البيوت وحرقها والتعذيب والشتم بعبارات طائفية".

أما لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا فإن توصيفها كان أكثر شمولاً وقالت أن ما حدث "جرائم حرب"، وجاء تقريرها أن العنف شمل القتل والتعذيب والأفعال اللاإنسانية المتعلقة بمعاملة الموتى، والنهب على نطاق واسع وحرق المنازل، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين، وتم تصوير بعض هذه الأعمال المروعة ونشرها على وسائل التواصل الافتراضي، إلى جانب لقطات لمدنيين يتعرضون للإساءة والإذلال.

جاء في التقرير أيضاً أن الجهاديون قاموا أولاً بتحديد الرجال الذين ينتمون إلى الطائفة العلوية، ثم تم فصلهم عن النساء والأطفال قبل اقتيادهم إلى الخارج لإطلاق النار عليهم وقتلهم، وتُركت الجثث في الشوارع لأيام، ومُنعت العائلات من دفنها، بينما دُفن آخرون في مقابر جماعية دون توثيق سليم.


هجمات وحشية

منذ تبديل النظام من قبل قوى دولية وإقليمية في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 بدأت الانتهاكات التي استهدفت مكونات بعينها مرة بالقتل ومرة بالخطف أو بالتضييق ونال العلويين منها نصيب الأسد من حمص إلى اللاذقية وجبلة وطرطوس وليس انتهاءً بدمشق، وبررتها الحكومة المؤقتة ومن يؤيدها بـ "أعمال فردية"، حتى جاءت الطامة الكبرى.

بدأت القصة من جنود الجيش السوري وضباطه من مختلف الطوائف تقريباً، الذين سلموا أسلحتهم إلى السلطة التي استلمت البلاد وجرى تسوية أوضاعهم، ولكن لأن فكر ابن تيمية هو الذي يتبناه جهاديو هيئة تحرير الشام، فإن عقلية الدولة أو الثورة لم تحكم المرحلة، بل عقلية الانتقام والطائفية.

ولأن لكل جريمة ذريعة قالت الحكومة المؤقتة أن العلويين يسعون للتخريب وإعادة النظام السابق، ولأنه لم ولن تتمكن الحكومة المؤقتة من ضبط الجهاديين اتسعت رقعة الهجمات ووصلت المجازر حد الإبادة الجماعية بحق مكون سوري أصيل، عندما اقتحمت قوات الحكومة المؤقتة التي هي عناصر جهادية خدمت تحت لواء القاعدة وبناتها من داعش إلى النصرة ثم تحرير الشام، بلدة بيت عانا بريف مدينة جبلة في اللاذقية، بدعم من الطيران المروحي والقصف المدفعي في السادس من آذار/مارس العام الماضي.

الهجمة الشرسة قابلها مجموعة من الشبان حملوا السلاح للدفاع عن أنفسهم، وبدلاً من التهدئة والاحتواء هاجمت الحكومة المؤقتة بكل قواتها المناطق العلوية وكأنها انتظرت هذه الفرصة لإبادتهم، ترافق معها خطاب إعلامي محمل بالحقد والكراهية، يبرر قتل العلوي طفلاً رجلاً كهلاً كان أو امرأة، محملاً هذه الطائفة مسؤولية كل الجرائم التي ارتكبت على مدى 53 عاماً من حكم نظام البعث.

الإعلام العربي وكما حدث لاحقاً عند الهجوم على الكرد والمتمثل بأكثر قناتين إخباريتين في المنطقة شعبية "العربية الحدث والجزيرة" نفخ في نار الفتنة وتبنى رواية الدولة، حتى المساجد في مناطق سيطرة الحكومة المؤقتة صارت أدوات لنشر الفتنة عبر فتاوى القتل.


سنديانة الساحل

لم يترك الجهاديون حياً أو قرية علوية دون اقتحامها وارتكاب المجازر والانتهاكات فيها، وتصويرها، بل والتفاخر بها، أبرزها قتل شبان والوقوف على جثامينهم أمام والدتهم "زرقة سباهية" التي تحدتهم، الأم والجدة ذات الـ 86 وقفت مكلومة لكنها صامدة، تحبس دموعها، وهي تواجه الجهاديين الذين أمطروها بالشماتة والإهانات.

بينما المختطفات العلويات أصبحن سبايا منهن من نقل إلى إدلب عاصمة الجهادية السورية، حيث تعرضن لعنف مضاعف واستعباد جنسي، منهن من استطاعت العودة إلى عائلتها بعد دفع فدية ومنهن من لا تزال مجهولة المصير.


أين العدالة؟

لم تتحقق العدالة حتى اليوم بل تم تسويف المجازر وهو ما كشفت عنه مجازر السويداء حيث مورست نفس المجازر بحق المدنيين، وظهرت وجوه عدد من المجرمين الذين ارتكبوا جرائم الساحل، وفي حيي الشيخ مقصود والأشرفية تكررت المجازر إخراج القلوب والعيون والتمثيل بالجثث والرمي من الشرفات... ويبقى الشعب السوري يتساءل متى تتحقق العدالة للضحايا وعائلاتهم؟