المرأة الكردية بين العنف البنيوي وإرادة المقاومة

تواجه المرأة الكردية واقعاً معقداً يتقاطع فيه الاحتلال والعنف البنيوي مع نضالٍ طويل لحماية الهوية والحقوق، فيما تبرز إرادتها المتجذرة تاريخياً كقوة محركة للمقاومة والتغيير في مختلف أجزاء كردستان.

هيلين أحمد

السليمانية ـ حين يظهر مجتمع قادر على التنفس بحرية، تكون في قلبه نساء أحرار يبعثن الحياة فيه، فالتراث والثقافة الكردية تشكلان عبر التاريخ فضاءً لنساء قويات ومناضلات، غير أن الهجمات الفكرية والعسكرية التي تمارسها الدول الإقليمية، إلى جانب تقسيم كردستان على يد القوى المتسلطة، أدت إلى فرض ثقافات دخيلة على المرأة الكردية، بهدف إضعاف إرادتها وإبعادها عن دورها الطبيعي في المجتمع.

هذه الضغوط لا تستهدف النساء فقط بوصفهن أفراداً، بل تستهدف حضورهن التاريخي في المقاومة وصناعة الحياة، محاولةً تحويل مسارهن من الفاعلية إلى التقييد، ومن المشاركة إلى التهميش.

دفعت هذه السياسات النساء إلى حدود المنزل وأبعدتهن عن فضاءات العمل والمشاركة العامة، عبر فرض عقليات قبلية وغريبة لا تمت لواقعهن بصلة. فالدول السلطوية تخشى صوت المرأة، وتخشى ثورتها وقدرتها على المقاومة، وتخشى جسدها الذي يحمل معنى الحياة، رغم كل ما قدمته النساء من تضحيات في سبيل الأرض والحقوق. وبرغم القتل والسجن والقمع الذي مارسه المحتلون، استطاعت النساء عبر نضالهن وثوراتهن أن يخترقن جدار القمع ويعدن إلى الساحة بقوة، مؤكدات أن إرادتهن لا يمكن كسرها.

وكانت آخر هذه الثورات هي ثورة "Jin Jiyan Azadî" التي جعلت النساء يرفعن مستوى مقاومتهن أكثر من أي وقت مضى.

 

"قوة وإرادة المرأة الكردية زلزلت كيان الدولة المحتلة"

توضح الباحثة وعالمة الاجتماع كوردە أحمد أن تقسيم كردستان على يد القوى الدولية وضع الأرض والإنسان في حالة تهديد دائم، ما جعل المجتمع بأكمله عرضة لأشكال مستمرة من العنف الجسدي والنفسي. وفي ظل هذا الواقع المضطرب، تتحمل النساء العبء الأكبر، إذ يجدن أنفسهن في قلب أزمة اجتماعية عميقة ناتجة عن سعيهن لاستعادة دورهن وحقوقهن الطبيعية، بينما يواجهن في المقابل مزيداً من العنف والضغط، مؤكدة أن المرأة الكردية تقف اليوم أمام تحديات مركبة، تجمع بين آثار الاحتلال ومحاولات طمس الهوية، وبين نضالها المستمر لاستعادة مكانتها داخل المجتمع.

وتشير إلى أن مظاهر العنف ضد النساء تتجلى في الزواج القسري، وغياب فرص العمل، والتعذيب النفسي والجسدي، وهي ظواهر موجودة في معظم المجتمعات، لكنها أشد قسوة في الشرق الأوسط بسبب الثقافة التي فرضها المحتلون والدول المتسلطة، ما يجعل النساء الكرديات أكثر عرضة للقتل والعنف.

وتشدد على أن التحولات الاجتماعية الأخيرة تكشف عن قوة إرادة المرأة الكردية، فمقاومتها أصبحت عنصراً أساسياً في حماية هوية المرأة في المنطقة. وعلى مستوى اللغة والثقافة والتراث، تمكنت النساء من الحفاظ على وجودهن رغم كل محاولات الطمس.

وتؤكد أن ثمار مقاومة النساء وشجاعتهن وريادتهن أصبحت مصدر إلهام للمجتمع بأكمله، فالحياة مرتبطة بالمرأة، ولا يمكن لأي مجتمع أن ينال حريته ما لم تكن نساؤه أحرار، مضيفة أن المرأة الكردية، مقارنة بالمرأة العراقية التي ما زالت تعاني من العقلية الذكورية والتقاليد المتشددة، تتمتع بوعي أعلى يجعل من غير المقبول في الثقافة الكردية فرض الزواج على الفتيات القاصرات، لأن مستوى الوعي الاجتماعي أكثر تقدماً.

 

"المرأة الكردية استطاعت عبر التاريخ أن تواصل نضالها وثوراتها"

وفي خضم هذا الواقع، تجد المرأة نفسها أمام قرارات صعبة ومواجهة مباشرة مع العنف والقيود المفروضة عليها. وتوضح كورده أحمد أن انتشار ما يسمى بـ "جرائم الشرف" هو نتيجة لثقافة دخيلة تبحث عن محو هوية المرأة، بينما أثبتت النساء الكرديات عبر التاريخ قدرتهن على الاستمرار في النضال جيلاً بعد جيل.

وتؤكد أن المجتمع الكردي، في مختلف أجزاء كردستان، يختلف جذرياً عن ثقافة الدول المحتلة، إذ لا توجد في الثقافة الكردية تفرقة جوهرية بين الجنسين، فالنساء شاركن في ميادين القتال وحملن السلاح دفاعاً عن الأرض والهوية، ولهذا تعمل الأنظمة المحتلة على خلق مشكلات اجتماعية داخل الأسر الكردية بهدف إبعاد النساء عن النضال، لأنها تخشى قوة وإرادة المرأة الكردية التي تهز أركانها وتكشف ضعفها.

وتضيف أن هذه الأنظمة تحاول حصر النساء داخل إطار الأسرة ومنعهن من العمل أو المشاركة في الحياة العامة، لأنها تدرك جيداً قدرة المرأة الكردية على القيادة والعمل السياسي والدفاع عن الأرض، وهي قدرات تُقلق الدول المحتلة.

وفي ختام حديثها، تقول كوردە أحمد "نحن النساء، رغم كل القيود والعقبات المفروضة علينا، مستمرات في المقاومة. إرادتنا تجعل كل يوم هو الثامن من آذار، يوم نضال المرأة. كلما وُضعت صخرة في طريقنا، نضع فوقها صخرة أخرى ونواصل الصعود. سنستمر في إظهار قوة النساء في الشرق الأوسط. لقد كان للمرأة دور في كل ثورات الشعب الكردي. أستذكر بكل احترام الشهيدات اللواتي قدمن حياتهن من أجل حرية المرأة والأرض. لقد أصبحت جدائلهن رمزاً لوحدة النساء ومقاومتهن. نضال المرأة سيستمر، ويوم المرأة هذا العام سيُظهر مقاومة النساء في كل أجزاء كردستان بشكل أوضح من أي وقت مضى".