أرشفة تاريخ المرأة الكردية بين التهميش وهيمنة الخطاب السياسي
تخضع أرشفة تاريخ النساء لتأثير الخطاب السياسي والقومي، بحيث يتم الحفاظ فقط على الأصوات المنسجمة مع الرواية السائدة للسلطة والأحزاب.
هيلين أحمد
السليمانية ـ خلال العقود الماضية، أصبح الحديث عن تاريخ المرأة الكردية جزءاً مهماً من الخطاب الثقافي والأكاديمي الكردي فالنساء اللواتي غبن لسنوات طويلة عن السجلات والوثائق التاريخية، أو ذُكرن فقط بشكل هامشي، تجري اليوم محاولات لإعادة أصواتهن وآثارهن إلى قلب التاريخ.
المشكلة الأساسية في تاريخ المرأة الكردية لم تكن فقط عدم الكتابة عنها، بل غياب الأرشيف أيضاً، فمعظم حيوات النساء بقيت محفوظة في الذاكرة الشفوية، والأغاني، والحكايات، والصور العائلية، وليس في الوثائق الرسمية وأرشيف الدولة، وهذا ما جعل حضور النساء في التاريخ الرسمي الكردي ضعيفاً، لأن التاريخ غالباً لا يعترف إلا بما يتم توثيقه.
وبسبب هذا الفراغ، هناك اليوم جهود واضحة لجمع المقابلات، والرسائل، والصور، والتسجيلات الصوتية، وذكريات النساء، خصوصاً المناضلات، والنازحات، وضحايا الحروب والانتفاضات، وتُعد هذه الجهود مهمة لأنها للمرة الأولى تجعل المرأة نفسها مصدراً للتاريخ، لا مجرد موضوع فيه.
لكن كثيراً من عمليات الأرشفة لا تزال تركز على نمط محدد من النساء، مثل البطلة، أو الضحية، أو المناضلة، أما المرأة التي تعيش حياة عادية، تلك التي عاشت في قرية، وربّت أطفالها، وعملت، أو دافعت عن وجودها وهويتها في تفاصيل الحياة اليومية، فما تزال خارج الأرشيف.
وفي أحيان كثيرة، تخضع أرشفة تاريخ النساء لتأثير الخطاب السياسي والقومي، بحيث يتم الحفاظ فقط على الأصوات المنسجمة مع الرواية السائدة للسلطة والأحزاب، أما النساء اللواتي يقدمن خطاباً مختلفاً، أو ينتقدن مجتمعهن، أو يتحدثن عن تجاربهن مع العنف الأسري والاجتماعي، فغالباً لا يجدن مكاناً في الأرشيفات الرسمية. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس "أي تاريخ يُكتب؟"، بل "من يقرر ما الذي يجب توثيقه؟".
وإذا كان الهدف فعلاً هو حماية تاريخ المرأة الكردية، فمن الضروري أن تكون عملية الأرشفة متعددة الأصوات وحرة، بحيث تشمل نساء المدن والقرى، المتعلمات وغير المتعلمات، والمناضلات والعاديات على حد سواء، لأن تاريخ النساء ليس فقط تاريخ البطلات، بل أيضاً تاريخ تلك الحيوات التي عاشت بصمت ومن دون أسماء، وكانت جزءاً حقيقياً من نسيج المجتمع.
العقلية الذكورية سبب في طمس أسماء وهويات النساء
تعليقاً على ذلك قالت سميرة صالح، الكاتبة والروائية أن النساء لعبن منذ قرون طويلة دوراً أساسياً في دعم الشعب الكردي وتحقيق إنجازاته، إلا أن غياب التكنولوجيا والقيود المفروضة على النساء حالا دون توثيق تلك الإنجازات.
وبينت بأن المرأة خلال التاريخ والحاضر كانت شخصية مؤثرة ومنظمة في المجتمع والوطن، لكن بسبب الظروف السياسية وغياب وسائل التوثيق ضاعت أسماء النساء وهوياتهن.
وأضافت أن "الجغرافية الكردية ضمّت مناضلات كثيرات، لكن ضعف الوعي المجتمعي كان من أسباب اندثار أسمائهن، إلى جانب غياب الوعي وهيمنة العقلية الذكورية التي ساهمت في طمس هوية النساء، كما أن قلة الكاتبات وإخفاء أسمائهن شكّلتا مشكلة أخرى أدت إلى غياب التوثيق والأرشفة لتاريخ النساء وإبداعهن الأدبي".
وأوضحت أن بعض الشعراء الكرد تناولوا في قصائدهم المرأة وقدراتها، كما أن العديد من النساء أولين اهتماماً كبيراً بالحِكم والموروث الشعبي باعتباره وسيلة لاكتساب المعرفة وتطوير الذات، واعتمدن على نصائح الأجيال السابقة في بناء مسيرتهن وتطوير أعمالهن.
وأضافت أن كثيراً من الممثلين القدامى في المسرح كانوا رجالاً يرتدون ملابس نسائية لأداء أدوار النساء، لكن التاريخ يتغير باستمرار، والمرأة شهدت تحولات كثيرة من الماضي حتى اليوم، ومع ذلك، فإن هذه التغييرات لم تكن كافية لإنصافهن وتوثيق تاريخها بالشكل المطلوب.
القيود المفروضة على النساء
وأكدت أن النساء كنّ محاصرات ضمن القيود، حيث كان يُنظر إلى الأعمال المنزلية باعتبارها واجباً نسائياً حصراً، لكن النساء اللواتي يعشن اليوم في ظل مساحة أكبر من الحرية ويحملن فكراً متحرراً أصبحن يتمردن على تلك التقاليد، فهذا التمرد يمثل خطوة مهمة نحو توثيق إنجازات النساء والحفاظ عليها.
واختتمت الكاتبة سميرة صالح حديثها بالتأكيد على أن كتابة تاريخ النساء تتطلب إجراء بحوث ميدانية والاعتماد على النساء الكبيرات في السن كمصادر أساسية للمعلومات، مع تكثيف المقابلات مع الشخصيات السياسية والشعراء والكتاب من أجل بناء أرشيف نسائي يبقى للأجيال القادمة ويعرّفهم بقدرات النساء وإنجازاتهن، مؤكدةً أن التوثيق يجب أن يكون للمستقبل لا للحاضر فقط.