النساء تلعبن دوراً مهماً في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

في عالمٍ تتغير فيه خريطة العمل والحياة بسرعة بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي (AI)، لم تعد النساء مجرد مستخدمات، بل يمكنهن أن تصبحن القوة الأساسية المحركة لهذه التغييرات.

هيڤي صلاح

السليمانية ـ يتجه العالم بسرعة غير مسبوقة نحو آفاق الذكاء الاصطناعي وعلوم الحاسوب، فلم يعد تمكين المرأة مجرد شعار اجتماعي، بل تحول إلى ضرورة تكنولوجية ومعرفية.

يُظهر تاريخ علوم الحاسوب أن النساء كان لهن دور أساسي منذ البداية، مثل آدا لوفلايس، التي كانت أول من أدرك أن الحاسوب يمكن أن يتجاوز مجرد الأرقام، وقد كتبت أول "خوارزمية" صُممت للتنفيذ على آلة، لكن خلال العقود الماضية، ظهرت فجوة جندرية في هذا المجال، أما اليوم، ومع ظهور الذكاء الاصطناعي والعمل عن بُعد، فقد نشأت بيئة جديدة تتيح للنساء تجاوز القيود الجغرافية والزمنية.

 

النساء كنّ دائماً خلف أعظم التحولات الرقمية

في تاريخ الابتكار التكنولوجي النساء كنّ دائماً وراء أعظم التحولات الرقمية، لكن ما يحدث اليوم يمثل مرحلة مختلفة؛ مرحلة إزالة الفجوة الجندرية أمام المعرفة، وفي كردستان أيضاً، حيث يمر المجتمع بمرحلة انتقال اقتصادي، تصبح التكنولوجيا ذلك الجسر الاستراتيجي الذي يربط الشابات ورائدات الأعمال بالعالم.

فعندما تكتسب امرأة في مدينة مثل السليمانية أو هولير أو دهوك مهارات في علوم الحاسوب ولغات البرمجة، فإنها لا تعود مقيدة بالحدود الجغرافية المحلية، بل تستطيع من خلال العمل عن بُعد والمنصات العالمية تحقيق استقلال مالي يعزز أيضاً أسس الأسرة والمجتمع.

تكمن قوة تأثير الذكاء الاصطناعي في كونه "قوة مضافة" لقدرات النساء؛ إذ يمكن للأدوات الذكية أن تساعد النساء في كل شيء، من إدارة المشاريع الصغيرة إلى تحليل البيانات المعقدة والتسويق الحديث، مما يمكنهن من تحقيق أكبر تأثير بأقل وقت وتكلفة، وفي كردستان، حيث قد تقل فرص دخول بعض النساء إلى سوق العمل التقليدي بسبب المسؤوليات الأسرية، يظهر علم الحاسوب والفضاء الرقمي كوسيلة تحرر، لأنه لا يعترف بالجنس أو الموقع، بل يعترف فقط بالإبداع والكفاءة.

 

"الذكاء الاصطناعي فتح طريقاً جديداً لمعرفة النساء لقدراتهن"

حول تطور التكنولوجيا قالت الأستاذة الجامعية في إقليم كردستان نهلة محمد سعيد، إن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي موضوعان عصريان ومهمان جداً لأفراد المجتمع "لأننا نواجه ثورة تُعرف بالثورة التكنولوجية لذلك يجب أن نمتلك معرفة كافية حول الذكاء الاصطناعي لكي نستفيد منه، وأن نفهم إلى أي مدى يمكن أن يكون مفيداً لنا، وبطبيعة الحال، أي موضوع جديد له جوانب إيجابية وسلبية، وغالباً ما يبدأ بجوانب سلبية بسبب نقص المعرفة والخبرة في كيفية استخدام هذه التكنولوجيا، وهذا يشكل تحدياً أساسياً أمام النساء، إذ قد يكون هناك خوف طبيعي لدى النساء من عدم القدرة على مواكبة هذا المجال الحديث".

لكن رغم ذلك تؤكد أن الذكاء الاصطناعي فتح طريقاً جديداً للنساء لاكتشاف قدراتهن والاستفادة منها، ولكي نستفيد من هذا المجال في مشاريعنا الصغيرة، نحتاج فقط إلى هاتف ذكي أو جهاز آيباد أو حاسوب محمول، ومن خلال هذه الأدوات يمكننا الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي".

وهنا كما تبين تبرز أهمية المشاريع الصغيرة التي يمكن للنساء أن تلعبن فيها دوراً، خاصة في إقليم كردستان، بما يتناسب مع ثقافتنا ويساهم في تطوير مجتمعنا، دون الالتفات إلى القيود.

وفي الوقت الحالي، هناك نقطتان أساسيتان تعيقان تقدم النساء بحسب رأي محدثتنا وهما "نقص الوعي بكيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وعدم إعطاء هذا المجال حقه الكافي حتى الآن"، لذلك تشدد أنه على الجهات المعنية العمل على تنظيم دورات تدريبية وورش عمل، أو إنشاء مراكز خاصة، لا سيما للنساء، من أجل تعليمهن والتعريف بأدوات الذكاء الاصطناعي، وتمكينهن من استخدامها كمصدر للدخل".

وأضافت "بدأت بعض المعاهد بتنظيم دورات تدريبية ونشر المعرفة، لكن بحسب ما لاحظته، فإن مشاركة الشباب والنساء خاصة لا تزال محدودة إلى حدٍ ما، وغالبية المشاركين هم من طلاب تخصص تكنولوجيا المعلومات أو ممن لديهم اهتمام ورغبة مسبقة في التعلم، ومن وجهة نظري، فإن الأهم في هذا الموضوع هو أن نبدأ من داخل الأسرة؛ فإذا بدأنا من أفراد الأسرة ومن المدارس بنشر الوعي، يمكننا بناء قاعدة قوية جداً للمجتمع دون تمييز بين النساء والرجال".

وأوضحت "لقد كانت لدي تجارب عديدة، خاصة مع المدارس، حيث قمت بزيارات كثيرة لمختلف المراحل الدراسية الابتدائية والمتوسطة، وما لاحظته خلال هذه الجولات هو أن بعض المعلمين حتى الآن لا يمتلكون المعرفة الكافية حول أدوات الذكاء الاصطناعي، وهذه مشكلة في كيفية تعاملهم مع طلابهم، وخاصة الطالبات".

لذلك لا بد من تنظيم ندوات ودورات تدريبية لهؤلاء المعلمين، حول كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مجالاتهم، وفي الوقت نفسه رفع وعيهم بالاستخدام الصحيح لها، بحيث يدركون أن سوء استخدامها قد يؤدي إلى العديد من المشكلات في المجتمع، كما تقول.

 

"ندوات وجلسات حوارية حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي"

وأكدت نهلة محمد حديثها على أن التكنولوجيا أصبحت اليوم، وخاصة الذكاء الاصطناعي، جزءاً من جميع المهن، ويجب مواكبة الثورة والاستفادة منها "من الأمور المهمة بالنسبة لي، كامرأة بدأت هذا المسار، أنني قدمت أكثر من 200 ندوة وجلسة حوارية حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وأؤكد دائماً على عدة نقاط أساسية، من أبرزها أن تعلم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لا يرتبط بالعمر، ولا يمكن للعمر أن يكون عائقاً أمام تعلم أشياء جديدة، وكامرأة، أستطيع استخدام هذه التقنيات بسهولة والاستفادة منها، فالتكنولوجيا ليست لخدمة الرجال فقط، بل لخدمة الإنسانية دون تمييز".

وأشارت إلى أنه "تخصصي ليس في تكنولوجيا المعلومات أو الحاسوب، لكن رغم ذلك قدمت العديد من الندوات والجلسات في مجال الذكاء الاصطناعي، أما عمل النساء في إقليم كردستان في المجال التقني وتكنولوجيا المعلومات، فيرتكز على جانبين الأول هو الشركات، والثاني هو مهارات وكفاءة النساء أنفسهن، واليوم لدينا العديد من الشركات المرتبطة مباشرة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتلعب النساء فيها دوراً مهماً وبارزاً".

 

"وعي النساء مهم لتقدم المجتمع"

وفي ختام حديثها، وجهت البروفيسورة نهلة محمد رسالتين الأولى إلى الجهات المعنية، وخاصة وزارة الثقافة ووزارة التعليم العالي، وهي أن "الذكاء الاصطناعي موضوع عصري، وعلينا مواكبة هذه الثورة، ومن الضروري إعداد جيل يمتلك معرفة كاملة بتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، لتطوير أعمالنا، وخلق فرص عمل جديدة، ومساعدة شبابنا على التقدم في مسيرتهم المهنية".

ووجهت رسالة للنساء قالت فيها "لا تخفن لأن الخوف يمنع المرأة من تحقيق أي شيء. لقد تعاملت مع العديد من النساء، ولدينا نساء قويات جداً، لكن بعضهن ما زلن خلف الكواليس، وتمنعهن العوائق من إظهار قدراتهن، وأقول لهن وجودكن ووعيكن أمران في غاية الأهمية لتقدم المجتمع".