الملكية في المنفى... إعادة إنتاج "ساواك" وتهديد حرية الشعب الإيراني
.
مقال بقلم بسي شاماري عضوة المنصة الديمقراطية العابرة للحدود الوطنية للنساء
ما شهدته ميونيخ والتجمعات المماثلة ليس مجرد دعوة أو تجمع سياسي، بل يمثل ممارسة للسلطة وإعادة إنتاج للفاشية الملكية في المنفى. الشعارات والرموز والحركات المستخدمة في هذه الفعاليات ليست دعوة للحرية، بل محاولة للحد من الحركات الاجتماعية وتحويل احتجاجات الشعب الحقيقية إلى أداة لإضفاء الشرعية على التيار الملكي.
في كانون الأول/ديسمبر 2025، اندلعت في إيران احتجاجات واسعة وسقط خلالها آلاف القتلى. القمع العنيف، وانقطاع الإنترنت، وموجة الاعتقالات، وتقارير الأمم المتحدة التي وصفت ما جرى بـ "القمع غير المسبوق"، كشفت عن نية النظام الإيراني إخماد الحركة وإزالتها بالكامل.
كان من المتوقع أن يقف جميع المعارضين إلى جانب الشعب بلا قيد أو شرط، لكن الملكيين في المنفى أظهروا مرة أخرى أن هدفهم ليس الدفاع عن الناس أو إنقاذهم، بل السيطرة على الشعب واستغلال احتجاجاته. بدلاً من التركيز على التنظيم المستقل، والتضامن الاجتماعي، وتوسيع شبكات المقاومة المدنية، اعتمد هذا التيار نسخة أداتية ومدمرة من العمل السياسي، شملت الدعوة للتدخل الخارجي، وتهديد النشطاء، والضغط على وسائل الإعلام، وتمهيد الطريق لتركيز السلطة في يد شخص واحد.
على مدار السنوات الماضية، أعلن رضا بهلوي أن الحرس الثوري الإيراني سيكون الركيزة الأساسية للأمن والنظام المحتمل لحكمه في المستقبل، وهو موقف يعكس اعتقاده بضرورة تركيز السلطة والقمع واعتماده الكبير على الأجهزة العسكرية والأمنية. وتشير أوراقه السياسية حول الانتقال السياسي إلى خريطة تركيز السلطة المطلقة، مما يؤكد أن الهدف ليس تطوير الديمقراطية، بل تثبيت حكم فرد واحد.
تشمل أنشطة الملكيين المنفيين الأخيرة الاضطرابات، وتهديد النشطاء، واستهداف الأفراد المستقلين، واختراق وسائل الإعلام والقنوات الإخبارية الكردية، ونشر معلومات مضللة ضد هذه المنصات. هذه الممارسات ليست فقط غير قانونية، بل تتناقض مع مبادئ الحرية وأمن المواطنين، خصوصاً تهديد وحذف الأحزاب والحركات التابعة للمكونات المظلومة مثل البلوش والكرد، ما يظهر أن مشروع الملكيين دخل مرحلة التهديد المباشر للناشطين والمجموعات المستقلة.
السكون أو الانفعال السلبي أمام هذه السياسات يُعد قبولاً ضمنياً بمشروع الملكيين وتطبيعاً للسلطوية في المنفى. الطريق الوحيد لمواجهة هذا التهديد هو العمل الجماعي والتنظيم المستقل، فضح الأعمال غير القانونية، حماية الأحزاب والحركات الوطنية المستقلة، منع استيلاء الملكيين أو المشاريع الخارجية على الانتفاضات الشعبية، وتوثيق وملاحقة الانتهاكات لضمان مساحة نشاط حرة وآمنة.
تشير التجارب التاريخية والمقارنات مع "ساواك" وهو جهاز الأمن والاستخبارات الإيراني في عهد محمد رضا شاه بهلوي؛ إلى أن تركيز السلطة والقمع المنظم يؤدي دائماً إلى نمو الفاشية. الوقوف متحدين، التنظيم المستقل، والفضح المستمر هي الوسائل الوحيدة لمنع إعادة إنتاج المشروع الملكي الخطير وتحويل احتجاجات الشعب إلى أدوات للسلطة.
في النهاية، الملكيون في المنفى ليسوا حماة للحرية ولا مدافعين عن العدالة، بل يعيدون ظل ساواك إلى شوارع أوروبا، ويحاولون تحويل انتفاضات الشعب الإيراني إلى أداة للسلطة ومصدر شرعية لهم. مواجهة هذا التيار ليست خياراً، بل ضرورة سياسية وإنسانية للحفاظ على الحريات وضمان حق الشعب في تقرير مستقبله بحرية.
هندسة انتقال السلطة وأزمة المعارضة الإيرانية
ما يشهده الفضاء المعارض الإيراني في السنوات الأخيرة ليس مجرد تنافس سياسي، بل جزء من هندسة انتقال السلطة ضمن مصالح النظام الرأسمالي العالمي. "البدائل" لا تنتج من المجتمع، بل تصنع عبر الإعلام والدبلوماسية وغرف التفكير، ويحدد نجاحها وفق ما هو قابل للإدارة دولياً، لا وفق شعبية حقيقية.
اجتماع ميونيخ كشف هذا التناقض بوضوح، فبينما أعلن بعض المسؤولين الغربيين عدم وجود بديل رسمي لإيران، برزت شخصيات معينة إعلامياً ورمزياً، ما يظهر أن عملية إنتاج البدائل مستمرة كأداة سياسية. التزامن بين التهديد العسكري والمفاوضات الدبلوماسية ليس صدفة، بل أسلوب لإعادة توزيع السلطة مع الحفاظ على مصالح النظام الرأسمالي العالمي.
جزء من المعارضة الملكية يسوق نفسه كخيار "مستقر"، مستنداً إلى الأمن وتركيز السلطة واستعادة هيبة الدولة، لكن التاريخ يظهر أن التركيز الشديد للسلطة يؤدي إلى انسداد سياسي وقمع منهجي، كما كان الحال مع جهاز الـ "ساواك" في عهد البهلوي.
الخطر الحالي ليس مجرد عودة اسم أو أسرة، بل إعادة إنتاج منطق التركيز السلطوي الذي يقيد المجتمع المتعدد داخل سردية واحدة، متجاهلاً التنوع اللغوي والعرقي والثقافي في إيران. أي مشروع سياسي لا يضمن حقوق الأقليات والمشاركة المتساوية وتوزيع السلطة بعدالة سيكرس الإقصاء والتهميش.
غياب هياكل جماعية وديمقراطية في المعارضة يجعل البدائل الفردية أكثر هشاشة ويزيد الانقسامات. الإعلام الخارجي يلعب دوراً مزدوجاً فهو يصنع الواقع السياسي ويؤثر على الرأي العام، ما يجعل الفصل بين التقارير والدعاية صعباً.
أي مشروع ربط تغيير السلطة بالضغط العسكري سيقع ثمنه على الشعب، لا على القوى الخارجية، ويهدد مستقبل البلاد بالاضطراب الطويل الأمد. البديل المستدام يقوم على التنظيم الاجتماعي من الأسفل، والمشاركة، وضمان الحقوق المتساوية، بعيداً عن التركيز الفردي أو السياسات الخارجية.
تعزيز المؤسسات المستقلة والتنظيم المدني
الخروج من هذه الدائرة لا يتحقق بالاعتماد على الفرد، بل من خلال تعزيز المؤسسات المدنية المستقلة، الشبكات الأفقية، والتحالفات المبنية على برامج واضحة. إذا كانت المعارضة الإيرانية تريد الخروج من حلقة الانقسامات، يجب أن تركز على الحد الأدنى المشترك من المبادئ: فصل الدين عن الدولة، توزيع السلطة، ضمان حقوق جميع القوميات، الانتخابات الحرة، ومساءلة الأجهزة الأمنية.
إن إنتاج البديل من الأعلى، دون جذور اجتماعية، يكون هشاً وغير مستدام. أي مشروع يعتمد على الإعلام والدبلوماسية، لكنه يفتقد إلى قاعدة منظمة داخل البلاد، ينهار عند أول أزمة. وتجارب الدول الأخرى تظهر أن نقل السلطة المستدام يتم فقط عندما تشارك القوى الاجتماعية، النقابات، المؤسسات المدنية، والتيارات المتعددة في العملية.
المسألة الأساسية في إيران اليوم ليست اختيار اسم أو شعار، بل اختيار نموذج للحكم، هل سيكون تركيز السلطة في فرد واحد أم ديمقراطية تشاركية؟ كلما اتجهت المعارضة نحو الفردية، زادت مخاطر إعادة إنتاج دائرة الاستبداد.
التغيير الحقيقي ينبع من المجتمع ومن خلال التنظيم الجماعي، وليس عبر هندسة سياسية خلف الأبواب المغلقة. إذا أراد المجتمع بناء مستقبل مختلف، يجب نقد واستبدال منطق تركيز السلطة، سواء كان دينياً أو ملكياً، جذرياً.
البعد الجيوسياسي للانتقال السياسي
في إطار النظام الرأسمالي العالمي، انتقال السلطة ليس مجرد حدث داخلي، بل جزء من إعادة ترتيب جيوسياسية إقليمية ودولية. ففي لحظات الأزمات، تفكر القوى العالمية المسيطرة ليس في الديمقراطية كحق للشعب، بل في الثبات المتوقع وضمان تدفق الطاقة وحماية رأس المال والسيطرة على عدم الاستقرار الإقليمي.
من هذا المنظور، فإن التهديد العسكري بالتزامن مع المفاوضات ليس تناقضاً، بل هو أداة ضغط لتشكيل نظام يحقق أقل تكلفة للأسواق العالمية وأكبر تحكم في مسار الانتقال السياسي. في هذه الظروف، يصبح إنتاج البديل بدلاً من أن ينبع من التنظيم الاجتماعي المحلي، منتجاً دبلوماسياً، أي خياراً يمثل الضمانات الأمنية للقوى الخارجية أكثر مما يعكس تنوع المجتمع.
والخطر الرئيسي هو أن تُهمش قضايا الحرية، العدالة الاجتماعية، وحق تقرير مصير القوميات المختلفة في إيران لصالح الاعتبارات الجيوسياسية وصراعات القوى. أي مشروع يصمم دون مشاركة حقيقية للقوى الاجتماعية، أو ضمان توزيع السلطة، أو شفافية مؤسسية، حتى لو أُطلق عليه اسم "الانتقال"، سيعيد إنتاج منطق التركيز والإقصاء ذاته.
المسؤولية التاريخية للقوى السياسية والمدنية هي عدم السماح بأن يتحول مستقبل البلاد إلى صفقة عليا، بل تحويله إلى عملية واعية، جماعية، وجذرية في صميم المجتمع. حان الوقت الآن لننظر وراء الضجيج الناتج عن البدائل المصطنعة، لبناء قوة مستقلة وشعبية، وإطلاق ناقوس اليقظة الأخير للتحرر من حلقة تكرار الاستبداد.
أزمة الدولة المركزة وفرص البدائل
بعد قرن من تأسيس الدول المركزية في الشرق الأوسط وفق اتفاقيات مثل سايس ـ بيكو ولوزان، أصبح واضحاً أن تركيز السلطة لم يضمن التماسك، بل أصبح أداة لإدارة التعددية بالقوة. أزمات مثل ليبيا ولبنان والعراق أظهرت أن الدولة المركزية التقليدية غير قادرة على استيعاب التنوع وإنتاج شرعية مستدامة.
تجربة روج آفا أظهرت أن البديل غير المركزي والتشاركي ممكن: شبكات محلية قوية، مشاركة جماعية، ونظام شوراي حافظ على استقرار المجتمع حتى في أزمات كبيرة. هذه التجربة توضح أن العمق المؤسسي يعوض عن العمق الإقليمي عند الأزمات.
تجمعات الملكيين في أوروبا، وخاصة ميونيخ، لم تكن مجرد نشاط سياسي، بل محاولة لإعادة إنتاج تركيز السلطة في فرد واحد عبر الرمزية، الضغط الإعلامي، وتهديد الناشطين، وتحويل الاحتجاجات الاجتماعية إلى أداة للشرعية الشخصية. التاريخ الإيراني يوضح أن التركيز الشديد للسلطة يؤدي دائماً إلى انسداد سياسي وقمع منهجي، حتى لو بدأ خارج البلاد.
أي أن الخطر اليوم ليس مجرد عودة اسم، بل إعادة إنتاج نموذج السلطة المركزة. أي مشروع يتجاهل التنوع القومي والإثني سيؤدي حتماً إلى الإقصاء والتهميش. البدائل المصنوعة من الإعلام والدبلوماسية هشة عند الأزمات، بينما النماذج المبنية على قاعدة متينة مثل روج آفا، تظهر أن شبكات المشاركة والمجتمع المدني هي الطريق لمستقبل مستدام.
الخلاصة، مستقبل إيران والشرق الأوسط يعتمد على نموذج حكم جديد موزع ومشارك، يضع السلطة في شبكة من المشاركة المتساوية بدل قمة هرم مركزي، ويكسر دائرة الاستبداد التي كررتها الأنظمة المركزية.