آلاف التونسيات تواجهن البطالة والقوانين حبر على ورق
تتقاسم الكادحات في تونس المعاناة والمرارة نفسها، فهن تكافحن من أجل العيش وتعملن في قطاعات هشة لا تعترف بعملهن، وتكابدن العنف من صاحب العمل وجبروته واستغلاله، وضعف دور الحكومة في حمايتهن.
زهور المشرقي
تونس ـ بين دروب الشمس وأحلام المستقبل المحترقة، تواجه الكادحات في تونس تحديات جسيمة، لكن صمودهن ونضالهن من أجل حقوقهن يرسم لوحة مقاومة جديدة، فهن لم تتوقفن عن النضال لحظة، وتنظمن بشكل فردي دفاعاً عن حقوقهن.
على هامش المؤتمر السنوي السادس للحركات الاجتماعية الذي نظمه المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية على مدى يومين 6 و7 شباط/فبراير، جددت العاملات في الفلاحة وقطاع النسيج والمعطلات عن العمل ذات المطالب المشتركة التي تُطرح منذ عام 2011 ولم تلقَ بعد طريقها للتنفيذ، فلا تزال المعاناة نفسها، ولا تزال وجوههن تروي تعباً من الصعب تفسيره.
الخصاصة والجوع والحاجة الملحة لقبول العمل الفلاحي الذي بات عبئاً حقيقياً على أجسادهن الهزيلة، دوافع توضع يومياً أمامهن ليواصلن الكفاح، أما المعطلات عن العمل، فقانون تلو الآخر (القانون 38 والقانون 18) لضمان تشغيل من طالت بطالتهن، لكن ظلا حبراً على ورق ولم يرى النور، برغم سلسلة الاحتجاجات لهؤلاء الذين واللواتي يركضن ويركضون من أجل العمل الذي يحفظ كرامة ثورة 2011 من أجل "عمل، حرية، كرامة وطنية".
اللافت أن معاناة هؤلاء تمس أيضاً العاملات في قطاع النسيج اللواتي لا تعانين فقط من الطرد التعسفي والعنف الاقتصادي، بل حتى من المعاملة اللاإنسانية.
وضعيات هشة
قالت نادية حسني وهي عاملة في قطاع الفلاحة، إن العاملات يعشن اضطهاداً حقيقياً واستغلالاً مستمراً، ويعملن في وضعيات هشة دون التمتع بحقوقهن المشروعة، لكنهن ثرن على تلك الوضعية، ولم يعد الصمت جدياً، فكما تنظمن بشكل فردي وأسسن نقابتهن دفاعاً عن حقوقهن، ستواصلن المقاومة إلى حين تحقيق المطالب.
وأوضحت أنه نتيجة للتنظيم جاء المرسوم عدد 4 الذي أصدرته رئاسة الجمهورية منذ عامين، لكنه وفق رؤيتها كعاملة مطلعة على الظروف الحقيقية والعمل الميداني، لا يتناسب مع طموحاتهن، لأنه ينسف سنوات وعقوداً من العمل لآلاف النساء العاملات في هذا القطاع "يشترط المرسوم المذكور عمل عشر سنوات مسجلة ومعترف بها للتمتع بالتغطية الصحية والاجتماعية، كيف يمكن لنا نحن اللواتي تجاوزن الـ50 عاماً من العمر وأفنينا أعمارنا في هذا العمل إثبات تلك السنوات؟ هذا ليس عادلاً بحقنا".
واعتبرت أن ثورة الفلاحات كانت مفاجئة، فلا أحد، وفق تعبيرها، كان يتخيل أن تثور عاملة أمية كانت تخشى حتى الحديث عن وضعها، لافتةً إلى أنهن تنظمن وغيرن شكال النضال من الاحتجاج والاعتصام إلى تنظيم المؤتمرات بدعم من المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وغيره، وأصبحن قادرات دون خوف عن التعبير عن تلك المآسي وتصويرها، مما دفع بتحرك السلطة، لكن لا تزال التحركات "خجولة" لا ترتقي لانتظاراتهن.
وعن المرسوم عدد 4، قالت نادية حسني "استبشرنا خيراً بإصداره، لكن بعد الاطلاع عليه وجدنا فصولاً فيها ضبابية، ليست مفهومة، وحين تقارنه مع الواقع من الصعب تطبيقه، حيث يجبر الفلاح على الانخراط في الضمان الاجتماعي، وهذا شرط صعب، إضافة إلى اشتراط عمل عشر سنوات لتتمتع العاملة بعد الستين عاماً بمنحة الشيخوخة وتكون مسجلة في الضمان الاجتماعي، وهذا لا يتوافق مع وضعنا نحن اللواتي تجاوزن 55 عاماً".
وأضافت أن "المرسوم في صورة تنفيذه قد تستفيد منه الأجيال المقبلة، أما الفئة التي أفنت عمراً من العمل دون اعتراف من الحكومة وصاحب العمل لا يخدمها، ومنحة العجز في الفصل 26 التي تشترط خمس سنوات عمل، كيف يمكن لامرأة عاجزة أن تعمل خمس سنوات باعتراف من الضمان الاجتماعي لتتمتع بها؟ شروط لا تتماشى مع الواقع بشكل قطعي".
وأوضحت أن المرسوم كان من الضروري أن تسبقه دراسة معمقة حول العاملة الفلاحية لفهم الأرضية والواقع حسب المناطق والظروف ليكون مراعياً للوضع ومتماشياً مع الحالة "مرسوم بهذا الشكل خارج السياق، وننتظر تعديله لإنصافنا".
قطاع النسيج "قطاع تعنف فيه المرأة وتضطهد"
تعتبر نزيهة ميغاو، العاملة في قطاع النسيج، أنهن كعاملات بأحد المصانع بالساحل التونسي لسن ضحايا للطرد التعسفي فقط، بل ضحايا منظومة كاملة لا تزال قوانينها لا تحمي العاملات في هذا القطاع الحيوي الذي كانت تونس من أول البلدان تميزاً فيه بمجهوداتهن، مشيرةً إلى أنهن مستمرات في المطالبة بحقوقهن وبتحسين الوضع وتحوير القوانين التي باتت متخلفة لا تناسب الظرفية الحالية.
وأفادت بأنها عملت سنوات على مختلف الآلات، ولم يراعي صاحب العمل وضعها وهي حامل أو مريضة، في صورة تبرز الاستغلال الفاحش للعاملات.
ويعتبر القانون 72 الصادر عام 1972 حجر الزاوية في تطوير قطاع النسيج في تونس، وهو الذي أعطى الضوء الأخضر للشركات المصدرة والأجنبية للإقامة في تونس والصنع بامتيازات جبائية وديوانية هامة، لكن هذه الأطراف جعلت القطاع مسرحاً لاستغلال النساء الأكثر وجوداً فيه واضطهادهن، بل تغيير المرونة المقدمة من الحكومة التونسية إلى وسيلة "قمع للعاملات وضرب لحقوقهن".
"نخشى أن نموت قبل أن نعمل"
وترى زينة السبوعي، وهي معطلة عن العمل، فاقت مدة بطالتها 20 عاماً، أنها تخشى أن تيأس من العمل وهي الباحثة عنه منذ عقدين، معتبرةً أنهن كنساء ضحايا لمنظومة لا تزال تهمش النساء الحاصلات على شهادات عليا، وهن ضحايا قوانين لم تلقَ طريقها للتطبيق.
وأكدت أن الحالة الاجتماعية لم تتغير ولم تتحسن بسبب خذلان مطالبهن، لقد تجاوزت الأربعين من العمر، ولا تزال تنتظر، وتحلم أن يشع الضوء.
ولفتت إلى القانون 38 وبعده القانون عدد 18، لا يزالا حبراً على ورق ولم يتم تطبيقهما لفرض تشغيل العاطلين عن العمل، وقد تكون وراء ذلك دوافع اقتصادية لاعتبارات الأزمة التي تعيشها البلاد منذ سنوات بسبب العشرية الماضية.
وأكدت زينة السبوعي أن القوانين التي تم سنّها جاءت نتيجة نضالات مستمرة ومقاومة واحتجاجات، وكثير من أشكال المقاومة السلمية التي تنادي بالكرامة والعمل، أبرز شعارات الثورة التونسية. مذكرة بأنهن منذ عام 2019 يتلقين الوهم دون حلول، وعشن المرارة دفاعاً عن الحق في العمل "القانون 18 جدد أملنا في العمل، لكن لا تزال تنتظر نشر الأوامر الترتيبية، نخشى أن نعيش نفس سيناريو القانون 38 ولا يتحقق شيء".