28 يوماً من الاحتجاجات... إيران في دوامة من القمع والضغط الدولي

أدت الاحتجاجات التي اجتاحت إيران، وما رافقها من قمع واسع النطاق، إلى كشف عمق أزمة حقوق الإنسان في البلاد. وقد جاء اجتماع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ليضع النظام الإيراني تحت ضغط دولي متزايد.

مركز الأخبار ـ دخلت الاحتجاجات الشعبية في جميع أنحاء إيران يومها الثامن والعشرين، ومع استمرار الاحتجاجات، رسمت سلسلة من عمليات القمع المنظمة من قتل المتظاهرين والاعتقالات الجماعية إلى قطع الإنترنت لفترات طويلة، وبث اعترافات قسرية، والتهديد بعقوبة الإعدام للمعتقلين.

تشير تقارير منظمات مستقلة إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى، واعتقال عشرات الآلاف، في ظل سعي الأجهزة الأمنية لفرض رواية رسمية قائمة على اتهامات نمطية وسيناريو "العدو الخارجي". وقد امتد القمع إلى ما وراء المجال العام، ليطال المستشفيات عبر المداهمات، والعائلات عبر الضغوط المباشرة، وحتى الطقوس الجماعية من خلال منع مراسم الحداد، مما وسّع دائرة السيطرة لتشمل تفاصيل الحياة الخاصة والوجدان الجمعي.

في هذا السياق، وضعت الدورة الاستثنائية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف إيران تحت المجهر الدولي أكثر من أي وقت مضى، من خلال إدانتها الصريحة لحملة القمع التي شُنّت في كانون الثاني/يناير، وتمديد ولاية المقرر الخاص ولجنة تقصي الحقائق، إلى جانب تحذير المفوض السامي لحقوق الإنسان بشأن الانتهاكات واسعة النطاق للحقوق الأساسية. هذا الضغط الدولي يوضح أن الأزمة الراهنة لم تعد مجرد صراع داخلي، بل تحولت إلى قضية عالمية تتعلق بالمساءلة والعدالة والحق في الاحتجاج.

 

قمع دموي للاحتجاجات واستمرار سياسة الترهيب

واجهت الاحتجاجات الشعبية في شرق كردستان، وخاصة في مدينة شاباد (غرب إسلام آباد) بمحافظة كرماشان، قمعاً شديداً ومنظماً ودموياً من قبل القوات العسكرية والأمنية للنظام الإيراني على مدى الأسابيع والأيام الماضية. وبلغ هذا القمع ذروته مساء يوم الثامن من كانون الثاني/يناير الجاري، وهي الليلة التي قُتل فيها، وفقاً لتقارير عديدة، عشرات المتظاهرين بنيران مباشرة من الحرس الثوري، وأُصيب كثيرون آخرون. وفي الوقت نفسه، بدأت موجة اعتقالات واسعة النطاق في المدينة، لا تزال مستمرة حتى اليوم، مما فرض أجواءً أمنية مشددة على شاباد.

وسجلت شبكة حقوق الإنسان في شرق كردستان، بالتنسيق مع مصادر موثوقة، حتى الآن هويات وتفاصيل 11 مواطناً كردياً من مدينة شاباد، قُتلوا جميعاً على يد الحرس الثوري الإيراني خلال احتجاجات مساء الثامن من كانون الثاني. وكانت الشبكة قد نشرت سابقاً معلومات وتفاصيل عن 5 مواطنين آخرين فقدوا أرواحهم خلال الاحتجاجات في المدينة نفسها. إلا أن مصادر محلية تُشير إلى أن عدد القتلى يُرجح أن يكون أعلى، وأن التحقيقات لا تزال جارية لتأكيد الأسماء الجديدة.

بحسب مصدر مطلع، حاولت الأجهزة الأمنية الضغط على عائلات الضحايا لتحميل أحزاب المعارضة الكردية مسؤولية إطلاق النار، وهو ما يُعتبر متوافقاً مع سياسة الجمهورية الإسلامية الراسخة في إنكار أي دور مباشر للقوات في قتل المتظاهرين. في الوقت نفسه، حاولت القوات العسكرية والأمنية اعتقال أو اختطاف المتظاهرين المصابين وعزلهم عن عائلاتهم، وذلك بمداهمة مستشفى شاباد عدة مرات، لا سيما في 8 و9 كانون الثاني/يناير.

ورداً على هذا الإجراء، اضطرت العديد من العائلات إلى إخراج المصابين أو حتى جثث المتوفين من المستشفى سراً لمنع تسليمهم إلى قوات الأمن.

بحسب المعلومات المتوفرة، مُنعت عائلات المتوفين في معظم الحالات من دفن موتاهم في مقبرة مدينة شاباد، وأُجبرت على نقل جثامين ذويهم إلى القرى المجاورة لدفنها. وأُقيمت مراسم العزاء في قرى "زافارهكو" و"بان غانجاف" و"إمام زاده حسن" و"سيد أياز" و"فاناي" يومي 10 و11 كانون الثاني/يناير، مما يدل على استمرار سياسة السيطرة والترهيب ومنع أي إمكانية للحداد الجماعي في المدينة.

ما حدث في شاباد ليس مجرد حملة قمع متفرقة، بل هو جزء من النمط الهيكلي للنظام الإيراني في التعامل مع الاحتجاجات في شرق كردستان، وهو مزيج من العنف الصريح، وتشويه الروايات، والضغط على العائلات، ومنع مراسم الحداد الجماعي. تُستخدم هذه السياسة ليس فقط لإسكات صوت الاحتجاج، بل أيضاً لكسر الروابط الاجتماعية وإعادة بث الخوف على مستوى المجتمع. ومع ذلك، فإن استمرار الاحتجاجات والكشف التدريجي عن معلومات حول الضحايا يُظهر أن دوامة العنف هذه قد عمّقت الفجوة بين المجتمع المحتج والنظام، بدلاً من توطيد سلطتها.

كما أعلنت وسائل إعلام مقربة من الأجهزة الأمنية عن اعتقال ثلاثة مواطنين كرد من مدينتي لومار في إيلام وجوانرو في كرماشان . في المقابل، نشرت وكالة أنباء "هرانا"، التابعة لنشطاء حقوق الإنسان في إيران، أسماء ثلاثة مواطنين كرد آخرين اعتُقلوا في مدينة عبدانان بإيلام خلال الأيام الماضية.

 

الأمن في ظل الاعتراف

في اليوم السابع والعشرين من الاحتجاجات التي عمت البلاد، وبحسب البيانات الإجمالية التي نشرتها وكالة أنباء "هرانا"، بلغ عدد القتلى المؤكدين 5137 قتيلاً، بينما لا يزال التحقيق جارياً في وفاة 12904 آخرين. كما أصيب 7402 شخصاً بجروح خطيرة خلال الاحتجاجات، وارتفع إجمالي عدد الموقوفين إلى 27 ألف و797 شخص.

يتم تسجيل هذه الإحصائيات في ظل وضع دخلت فيه انقطاعات الإنترنت والاضطرابات واسعة النطاق في جميع أنحاء إيران أسبوعها الرابع على التوالي، وأصبح وصول المواطنين إلى المعلومات المستقلة محدوداً للغاية.

وفي الوقت نفسه، نُشرت تقارير جديدة عن اعتقالات مستهدفة للناشطين والمتظاهرين، ونشر اعترافات قسرية في وسائل الإعلام، وتوسيع نطاق ولاية آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لتشمل إيران؛ وهي تطورات تشير مجتمعة إلى جهود النظام الحاكم للسيطرة على الروايات، وإخفاء أبعاد القمع، ومواصلة الضغط الأمني ​​على المجتمع المحتج.

إن الاعتقالات، بدلاً من أن تكون علامة على "السيطرة الأمنية"، تعكس الخوف الهيكلي للجمهورية الإسلامية من انتشار الاحتجاجات الشعبية.

أفادت التقارير باعتقال 22 مواطناً في مدن كرمان وطهران وسمنان ولومار بمحافظة إيلام. وفي الوقت نفسه، نُشر مقطع فيديو لاعترافات قسرية لخمسة من هؤلاء المعتقلين، ولا تزال ملابسات ذلك غامضة، مما يسلط الضوء مجدداً على الانتهاك الصارخ لحقوق المتهمين واستخدام اعترافات انتُزعت تحت الإكراه.

كما أُلقي القبض على ثلاثة مواطنين آخرين في مدينة نيسابور خلال الأيام الماضية. إضافةً إلى ذلك، زعمت منظمة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري الإيراني أنها ألقت القبض على 735 شخصاً أو استدعتهم؛ وهو رقم يُشير بحد ذاته إلى حجم القمع وفرض إجراءات أمنية مشددة على الفضاء العام في مواجهة الاحتجاجات.

قدمت وسائل الإعلام التابعة للدولة روايات متسقة، وإن كانت مبهمة في كثير من الأحيان. فقد أعلنت وكالة أنباء "مهر"، نقلاً عن الحرس الثوري، عن اعتقال مواطنين اثنين على خلفية احتجاجات كرمان، مدعيةً أن أحدهما كان "العامل الرئيسي في التعاون مع الموساد"، وهو ادعاء خطير صدر دون تقديم أي دليل مستقل وفي بيئة آمنة تماماً. كما أفادت قنوات مقربة من المؤسسات الأمنية باعتقال ثلاثة مواطنين في سمنان، جميعهم بتهمة "التعاون مع الموساد"، وهي تهمة باتت تُستخدم كذريعة لقمع المتظاهرين في السنوات الأخيرة.

من جهة أخرى، أعلنت وكالة الإذاعة الإيرانية أن ضباط المخابرات ألقوا القبض على 16 مواطناً في طهران بتهمة "تخريب الممتلكات العامة". كما زعمت وزارة المخابرات أنها عثرت بحوزة هؤلاء الأفراد على "40 قطعة سلاح، وعدد من القنابل محلية الصنع، وكمية كبيرة من الكحول"؛ وهي مزاعم لا يمكن التحقق منها في غياب جلسة استماع علنية وإمكانية الاستعانة بمحامٍ مستقل.

أفادت وكالة أنباء "تسنيم" الحكومية، نقلاً عن جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني، باعتقال واستدعاء ما لا يقل عن 735 شخصاً بتهم "عناصر مرتبطة بشبكات معادية للأمن" و"أعضاء شبكات متعاونة مع أجهزة استخبارات أجنبية". وزعم الجهاز أن 46 من المعتقلين "أعضاء في أجهزة استخبارات أجنبية"، وأنه تم ضبط 743 قطعة سلاح غير مرخصة وبندقية صيد بحوزتهم؛ وهي مزاعم، من حيث حجمها ونطاقها، تبدو أقرب إلى سيناريوهات إعلامية تهدف إلى تبرير القمع منها إلى المصداقية. ويكشف نشر مقاطع فيديو لاعترافات قسرية لخمسة من المعتقلين مجدداً عن استخدام السلطات الممنهج للاعترافات القسرية كأداة دعائية.

بشكل عام، يشير نمط الاعتقالات، وتقديم اتهامات نمطية مثل "التعاون مع الموساد"، ونشر الاعترافات القسرية، إلى محاولة النظام الإيراني تحويل الاحتجاجات الاجتماعية إلى "تهديد أمني خارجي".

لا تتعارض هذه الاستراتيجية مع مبادئ المحاكمة العادلة والحقوق الأساسية للمواطنين فحسب، بل تُعدّ أيضاً دليلاً واضحاً على عجز النظام عن الاستجابة سياسياً واجتماعياً لمطالب المتظاهرين. إن القمع الصارخ للاحتجاجات وتسييسها أمنياً يُعمّق في نهاية المطاف فجوة انعدام الثقة بين المجتمع والنظام، بدلاً من ترسيخ السلطة.

 

الإنترنت رهينة للقمع والهندسة الخادعة للاتصالات

أصدرت منظمة "نت بلوكس" تقريراً جديداً يفيد بأن انقطاع الإنترنت المتعمد على مستوى البلاد في إيران قد دخل أسبوعه الثالث على التوالي، واستمر لأكثر من 348 ساعة، في خطوة تندرج بوضوح ضمن حملة قمع الجمهورية الإسلامية للاحتجاجات الشعبية. ورغم أن التقرير يشير إلى زيادة طفيفة ومحدودة في الاتصال بالإنترنت، إلا أن الأدلة التقنية توحي بأن النظام يحاول خلق حركة مرور وهمية والتلاعب بالبيانات لإظهار عودة الإنترنت على نطاق واسع. وهذا ليس دليلاً على تحسن الاتصال، بل محاولة متعمدة لخداع الرأي العام، وإخفاء حجم حملة القمع، وقطع وصول المواطنين إلى حرية تدفق المعلومات وسط الاحتجاجات التي تعمّ البلاد.

 

إيران تحت المجهر في جنيف

عُقدت جلسة خاصة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يوم الخميس الموافق 23 كانون الثاني/يناير الجاري في المقر الأوروبي للمؤسسة في جنيف؛ وهي جلسة خُصصت على وجه التحديد لدراسة وضع حقوق الإنسان في النظام الإيراني والقمع الواسع النطاق للاحتجاجات على مستوى البلاد في كانون الثاني/يناير.

وفي نهاية هذا الاجتماع، تمت الموافقة على القرار المقترح بأغلبية 25 صوتاً، وبناءً عليه، تم تمديد مهمة المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان في إيران لمدة عام واحد، ومهمة لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق لمدة عامين آخرين.

كانت هذه الجلسة هي الدورة الاستثنائية الثالثة لمجلس حقوق الإنسان بشأن إيران خلال ثلاث سنوات، وقد عُقدت بناءً على طلب منظمات المجتمع المدني وبدعم من 23 دولة عضواً في المجلس، مما يعكس القلق الدولي المتزايد إزاء تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان في إيران.

وحذرت ماي ساتو، المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في إيران، في كلمتها من أن استخدام الجمهورية الإسلامية لأوصاف مثل "إرهابيين" و"مثيري شغب" و"مرتزقة" لوصف المتظاهرين السلميين يضفي شرعية على القمع العنيف وينكر الطابع الشعبي والوطني للاحتجاجات.

وأكدت أن استخدام القوة المميتة يجب أن يكون الملاذ الأخير لحماية الأرواح، وفي إطار مبادئ الضرورة والتناسب والشرعية فقط، وهي مبادئ قالت إنها انتُهكت على نطاق واسع خلال حملة القمع التي شُنّت على احتجاجات كانون الثاني.

بشكل عام، يُعد إقرار هذا القرار وتمديد بعثات المراقبة التابعة للأمم المتحدة دليلاً واضحاً على استمرار الضغط الدولي على الجمهورية الإسلامية وتزايد التكاليف السياسية لقمع الاحتجاجات الشعبية؛ وهو اتجاه يُظهر أن أزمة حقوق الإنسان في إيران لم تعد قضية داخلية، بل أصبحت قضية خطيرة على جدول أعمال المؤسسات الدولية.