عراقية توظف الإعلام الرقمي لإحياء الحضارة الرافدينية وإبراز آثارها للعالم
تقدم جمان السامرائي نموذجاً لامرأة عراقية جمعت بين ترميم الآثار وصناعة المحتوى الثقافي، مستثمرة شغفها بالحضارة الرافدينية لإحياء الذاكرة التاريخية، ونقلها إلى الأجيال الحديثة برؤية علمية تجمع بين الأصالة والحداثة.
رجاء حميد رشيد
العراق ـ تعد جمان السامرائي، وهي شابة عراقية في العقد الثالث من عمرها، واحدة من الأسماء الشابة البارزة في مجال ترميم الآثار وصناعة المحتوى الثقافي الرافديني، إذ كرست جهودها للتعريف بالحضارة الرافدينية والآثار العراقية والأزياء التاريخية، عبر المزج بين العمل الأكاديمي والمحتوى الرقمي الحديث.
عن بداياتها في مجال ترميم الآثار، قالت جمان السامرائي إن دخولها هذا المجال جاء بعد قرارها ترك دراسة طب الأسنان والالتحاق بكلية الآثار، بدافع الحب والشغف بهذا العالم.
وأوضحت أن ترميم الآثار بالنسبة لها لا يعد مجرد مهنة، بل هو "طب للحضارة"، مبينة أن المرمم عندما يعيد الحياة إلى قطعة أثرية متضررة، فإنه لا يعيد ترميم لُقية أثرية فحسب، بل يرمم ذاكرة شعب بأكمله، مشيرة إلى أن العمل الميداني في مجال الترميم يسبقه عمل مختبري دقيق يعتمد على استخدام مواد كيميائية وأجهزة وتقنيات علمية متخصصة، بعضها شديد الخطورة.
وبينت أن المختصين يعملون على استخلاص الأملاح، ومعالجة التلف، وتقوية القطع الأثرية وحمايتها من الانهيار، مؤكدة أن هذا المجال يحتاج إلى دراسة علمية دقيقة، مهارة يدوية عالية، وصبر كبير، إلى جانب رجاحة الفكر والحس الفني.
تحديات العمل الأثري
وعن التحديات التي واجهتها، أشارت جمان السامرائي إلى أنها واجهت الكثير من الصعوبات، لا سيما أنها كانت في بعض الأحيان المرأة الوحيدة العاملة داخل مواقع الترميم أو المختبرات، موضحة أن هذا المجال يتطلب جهداً بدنياً كبيراً ودقة عالية، فضلاً عن التعامل مع مواد كيميائية قد تؤثر على الصحة.
وأضافت أن التحدي الأكبر بالنسبة للمرمم لا يتمثل فقط في الظروف المحيطة، بل في الخوف الدائم على الأثر نفسه، لأن أي أداة حادة أو مادة غير مناسبة قد تتسبب بضرر لا يمكن تعويضه، لافتةً إلى أن المرمم يعيش دائماً حالة من القلق والمسؤولية، ويتعامل مع اللُقية الأثرية وكأنها جزء من روحه. فضلاً عن التغيرات المناخية والإهمال والتجاوزات على المواقع الأثرية، ولا تنتهي عند آثار الحروب والصراعات التي ألحقت أضراراً هائلة بالإرث الحضاري العراقي.
المحتوى الرقمي والهوية
وعن توجهها نحو صناعة المحتوى الرقمي، أوضحت أنها اختارت هذا المجال لأنه الوسيلة الأسرع والأقرب للوصول إلى الناس، خاصة في ظل التحول الكبير الذي فرضته وسائل التواصل الافتراضي، مؤكدة أنها اتجهت إلى تقديم المحتوى الثقافي والرافديني عبر المنصات الرقمية بهدف إيصال الفكرة الحضارية العراقية إلى العالم.
وأضافت أنها قدمت محاضرات ومحتوى بصرياً وجولات ميدانية تعريفية بالحضارة الرافدينية، ولاحظت تفاعلاً واسعاً، خصوصاً من فئة الشباب، وهو ما أسعدها كثيراً، لأن الشباب بحسب وصفها متعطش لمعرفة جذوره وهويته عندما تُقدم له المعلومة بطريقة حديثة وقريبة منه.
وأكدت أن جميع جوانب تاريخ بلاد الرافدين تستحق إعادة تسليط الضوء عليها، لأنها الحضارة التي علمت العالم أبجديات العلوم والمعرفة والقانون والأدب، مشيرة إلى أن المطلوب اليوم هو تقديم هذا التاريخ برؤية علمية واضحة وحديثة، بعيداً عن الطرح السطحي والمعلومات غير الدقيقة "حضارتنا ليست مجرد ماضٍ، بل هي أساس حضاري ما زال يؤثر في العالم حتى اليوم".
وبصفتها صانعة محتوى، أكدت جمان السامرائي حرصها الدائم على اختيار مواضيع رصينة تبرز الفكر الرافديني الخلّاق، سواء تعلق الأمر بالأزياء أو المرأة، الملوك، العلوم أو الأدب والشعر، من خلال اعتمادها بشكل أساسي على مصادر أكاديمية موثوقة، من بينها كتب كبار علماء الآثار، إضافة إلى المصادر الأجنبية التي تعمل على ترجمتها وتبسيطها للجمهور، انطلاقاً من إيمانها بأن المحتوى الثقافي يجب أن يكون ممتعاً ودقيقاً في الوقت ذاته.
وفيما يتعلق بالأزياء الرافدينية التاريخية، قالت إنها تصل إلى تفاصيلها الدقيقة من خلال دراسة النصوص المسمارية، المنحوتات، واللقى الأثرية، والكتب المتخصصة التي تناولت الأزياء والزينة في الحضارات السومرية والبابلية والآشورية، مضيفة أن لكل عصر هويته الخاصة في اللباس والألوان والزخارف، وهي تحرص على التمييز بينها بدقة علمية.
بين الأصالة والحداثة
وقالت إنها تحب المزج بين الطابع الرافديني القديم والذائقة المعاصرة، من خلال تصميم عباءات وأزياء تحمل رموزاً ولغة بصرية مستوحاة من الحضارة العراقية القديمة، بحيث تصبح جزءاً من الحياة اليومية والهوية الحديثة، لأنها تؤمن بإمكانية الجمع بين الأصالة والجمال المعاصر دون الإخلال بأي منهما، مشيرة إلى أن الأمر يعتمد على الوعي بالمصدر التاريخي، إلى جانب فهم الذائقة الحديثة وطريقة تقديمها بصرياً للجمهور.
الوعي المجتمعي وحماية الآثار
وشددت جمان السامرائي على أهمية تعزيز التوعية المجتمعية منذ المراحل الدراسية الأولى، لأن حماية الآثار تبدأ من بناء الوعي لا من بناء الأسوار فقط، داعية إلى دعم الإعلام الثقافي الحقيقي وإشراك الشباب في المشاريع التراثية، حتى يشعر المواطن بأن هذا الإرث جزء من هويته الشخصية وليس مجرد مواقع تاريخية بعيدة عنه.
وأكدت وجود فجوة واضحة بين المؤسسات الأكاديمية والإعلام الجديد، موضحة أن بعض صناع المحتوى يقدمون معلومات أثرية وتاريخية غير دقيقة سعياً وراء الانتشار السريع، في حين ترى الجهات الأكاديمية أن ذلك يشكل خطراً على الوعي التاريخي.
مشاريع مستقبلية بالذكاء الاصطناعي
وعن مشاريعها المستقبلية، كشفت جمان السامرائي عن عملها على عدد من المشاريع التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقديم الحضارة الرافدينية بصورة حديثة ومعاصرة تواكب العالم الرقمي.
وأوضحت أنها تعمل أيضاً على مشروع برنامج ثقافي مدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي يحمل عنوان "صوت من أور"، ويهدف إلى إعادة تقديم التاريخ العراقي بأسلوب بصري ومعرفي مختلف يجمع بين الأصالة والتكنولوجيا الحديثة.
وفي رسالة تشجيعية وجهتها إلى الشابات العراقيات الراغبات بدخول مجال التراث والآثار أو صناعة المحتوى الثقافي، أكدت جمان السامرائي إيمانها بقدرة المرأة العراقية على الإبداع في هذا المجال، لما تمتلكه من وعي ثقافي وحس حضاري مميز.
وأضافت أن هذا المجال يحتاج إلى مقومات حقيقية، في مقدمتها الثقافة والقراءة والانتماء الصادق للوطن، مؤكدة أن من يحب آثار بلده ويحافظ عليها، يمتلك انتماءً حقيقياً لهويته وتاريخه، معربة عن أمنيتها في رؤية المزيد من الفتيات يدخلن هذا المجال لتقديم محتوى ثقافي حقيقي يليق بتاريخ العراق.
واختتمت جمان السامرائي حديثها برسالة إلى صناع القرار والمجتمع، شددت فيها على أهمية الحضارة الرافدينية وضرورة النظر إليها بالعين نفسها التي ينظر بها العالم إلى العراق "العراق يمتلك كنوزاً حضارية وإنسانية لا تُقدّر بثمن، وعندما ندرك أن آثارنا تعادل الذهب والنفط في قيمتها، سنعرف حينها أن حماية التراث ليست رفاهية، بل مسؤولية وطنية وإنسانية كبرى".