من مواجهة العادات والتقاليد إلى تأسيس مشروع ثقافي يؤمن بقوة المرأة والمعرفة

من بين قيود المجتمع وصعوبات الواقع العراقي، صنعت دنيا نور الدين طريقها بالعلم والعمل، لتحول حلمها القديم بامتلاك مكتبة إلى مشروع ثقافي. قصتها تجسد إصرار امرأة عراقية تحدت الظروف وأثبتت أن الطموح لا تحده العوائق.

تمني السروي

بغداد ـ في المجتمعات التي تفرض على المرأة قيوداً اجتماعية وثقافية، لا تكون رحلة النجاح مرتبطة بالعلم والعمل فقط، بل تبدأ من اللحظة التي تقرر فيها المرأة أن تؤمن بنفسها وبحقها في الحلم.

تجربة دنيا نور الدين ليست قصة نجاح عادية، بل رحلة واجهت خلالها تحديات متعددة، من أحكام المجتمع وضغوط العادات والتقاليد، إلى الصعوبات الاقتصادية والظروف الصعبة التي مر بها العراق. لم يكن طريقها سهلاً، لكنها اختارت أن تواجه العقبات بالإصرار والتعليم والعمل، وأن تثبت أن طموح المرأة لا تحدده نظرة الآخرين، بل قدرتها على الاستمرار وصناعة الفرص.

 

البدايات... بين المدينة والريف

دنيا نور الدين، شابة عراقية تبلغ من العمر 28 عاماً، حولت تجربتها الشخصية إلى مشروع ثقافي يحمل اسم "عالم كتبي"، ليكون ثمرة سنوات من السعي والإيمان بأن المعرفة قادرة على تغيير حياة الإنسان.

نشأت بين بيئتين مختلفتين تماماً، تركت كل واحدة منهما أثراً واضحاً في تشكيل شخصيتها ونظرتها للحياة. ففي سنوات طفولتها الأولى، وحتى سن الخامسة، عاشت في بيئة مدنية منحتها مساحة واسعة للحلم، حيث كانت تسمع كلمات التشجيع التي دفعتها إلى التفكير بمستقبل مليء بالخيارات.

لكن انتقالها لاحقاً إلى بيئة ريفية مختلفة في عاداتها وتقاليدها غيّر الكثير من تفاصيل حياتها. هناك بدأت تواجه نظرة اجتماعية أكثر تحفظاً تجاه الفتيات، وسمعت عبارات كانت تحدد للمرأة مكاناً ودوراً معيناً، مثل أن مكان الفتاة هو البيت أو أن بعض الخيارات لا تناسبها.


         


        

التعليم... طريق إثبات الذات

وجدت دنيا نور الدين في الدراسة المساحة التي استطاعت من خلالها التعبير عن قدراتها وتحقيق طموحها، بعدما شعرت أن المجتمع يضع حدوداً أمام أحلامها. وتقول "عندما شعرت بأن بعض أحلامي تواجه الرفض لمجرد أنني فتاة، جعلت من التعليم طريق لإثبات نفسي. كنت أؤمن بأن العلم هو الشيء الذي لا يستطيع أحد أن ينتزعه مني". وترى أن تلك المرحلة، رغم صعوبتها، ساهمت في بناء شخصيتها، إذ تعلمت منها الانضباط، وتحمل المسؤولية، والإصرار على الاستمرار مهما كانت التحديات.

كانت تلك السنوات البداية الأولى في رحلة طويلة اختارت فيها أن تجعل من التعليم والعمل أدوات لتحقيق استقلالها وبناء مستقبلها. تقول "وصلت إلى المرحلة الإعدادية في واحدة من أصعب الفترات التي مر بها العراق، حين كانت البلاد تعيش تحت وطأة الإرهاب، وكانت سيطرة داعش تلقي بظلالها الثقيلة على تفاصيل الحياة اليومية".

وتضيف "في تلك السنوات، لم يعد الخوف مرتبطاً بنتائج الامتحانات أو بصعوبة المناهج الدراسية، بل أصبح الخوف جزءاً من الحياة نفسها"، مشيرة إلى أنه "كان مجرد الخروج من المنزل يحمل قدراً من القلق، وكانت الأخبار اليومية مليئة بالعنف والاضطرابات والتهديدات. كنا نعيش واقعاً يجعل المستقبل يبدو غامضاً، ويجعل كثيراً من الأحلام مؤجلة إلى أجل غير معلوم. ورغم ذلك كله، كنت أرفض أن أسمح للخوف بأن ينتصر على أحلامي".

"أنا معك... وستحققين حلمك مهما كانت الصعوبات"، قد تبدو هذه الكلمات بسيطة لمن يسمعها، لكنها بالنسبة لـ دنيا نور الدين كانت مصدر قوة لا ينضب حيث تقول "كلما شعرت بأن الطريق أصبح أطول من قدرتي على الاحتمال، كانت والدتي تعيد إليّ الثقة. وكلما سمعت من يقلل من أحلامي، كانت تذكرني بأن قيمة الإنسان لا يحددها الآخرون، بل ما يؤمن به عن نفسه".

 

حلمان يسيران معاً

لم يكن حلم دنيا نور الدين مرتبطاً بمسار واحد فقط، فقد كانت تحمل منذ سنوات طويلة حلماً خاصاً بها؛ أن تمتلك مكتبة تكون مساحة للكتب والمعرفة والتواصل مع الآخرين. وبعد نجاحها في المرحلة الإعدادية، بدأت رحلتها الجامعية، حيث اختارت دراسة اللغة الإنجليزية، وهو تخصص فتح أمامها آفاقاً جديدة، وعزز علاقتها بالقراءة والتعلم والتواصل مع العالم. كانت تتخيل نفسها في المستقبل داخل مكتبتها الخاصة، بين رفوف الكتب، تقرأ وتناقش الآخرين وتشاركهم المعرفة.

ورغم أن تحقيق هذا الحلم كان يبدو بعيداً في تلك المرحلة، فإنها لم تتخلَّ عنه، وظل حاضراً معها حتى تحول لاحقاً من فكرة في دفتر صغير إلى مشروع حقيقي يحمل اسم "عالم كتبي".

مع دخولها إلى الجامعة، بدأت مرحلة جديدة لم تكن الدراسة وحدها عنوانها، بل رافقتها مسؤوليات فرضتها ظروف الحياة. كانت ظروف عائلتها الاقتصادية صعبة، كما أن بُعد الكلية عن المنزل جعل تكاليف المواصلات والدراسة عبئاً إضافياً، لذلك قررت الاعتماد على نفسها والبحث عن مصدر يساعدها في تغطية جزء من احتياجاتها.

اختارت العمل في مجال التدريس الخصوصي، مستفيدة من خبرتها وتفوقها الدراسي، وتقول "كنت أقضي وقتي بين محاضرات الجامعة وإعطاء الدروس، ثم أعود لأكمل دراستي. لم تكن المرحلة سهلة، لكنها علمتني تحمل المسؤولية والاعتماد على نفسي".

وكان أكثر سؤال يؤلمها سماعه من بعض الطالبات "ما فائدة الدراسة إذا كان مصيرنا في النهاية أن نبقى في المنزل لأننا فتيات؟"، كانت تدرك عمق هذا السؤال لأنها عاشت الصراع نفسه بين الطموح والقيود الاجتماعية، لذلك كانت تؤكد لهن أن التعليم ليس مجرد شهادة، بل وسيلة لبناء الشخصية، واتخاذ القرارات، وامتلاك القدرة على اختيار الحياة التي يردنها.

 

حين تصبح المرأة أمام اختبار إضافي

بعد سنوات من الدراسة والعمل، حصلت دنيا نور الدين على فرصة للعمل في شركة متخصصة بتسجيل العلامات التجارية في العراق، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرتها المهنية. لم يكن التحدي الأكبر الذي واجهته هو طبيعة العمل أو صعوبته، بل كان أحياناً مرتبطاً بنظرة المجتمع إلى المرأة العاملة.

ومع ذلك، لم تسمح لهذه الأحكام بأن تحد من طموحها أو تؤثر في ثقتها بنفسها، بل تعلمت أن تركز على عملها وإنجازاتها. وتقول "بعد الاستقالة، وجدت نفسي أمام سؤال جديد: ماذا بعد؟. لم تكن لدي خطة واضحة، لكنني كنت أملك حلماً قديماً رافقني منذ سنوات، حلم إنشاء مكتبة خاصة بي".

وهكذا تأسست "عالم كتبي"، لم تكن مجرد مكتبة، بل كانت خلاصة سنوات من الأحلام والتعب والمحاولات والإصرار. وتوضح دنيا نور الدين "لا أتعامل مع المكتبة كمشروع فقط، بل أراها ابني الصغير، شيئاً نشأ معي، وكبر مع أحلامي، وكل جهد أبذله فيها أشعر أنه استثمار في حلم عشت معه سنوات".

مع مرور الوقت، أصبحت أكثر إيماناً بأن نجاح المرأة لا يكتمل فقط بما تحققه لنفسها، بل بما تفتحه من أبواب أمام نساء أخريات. فالإرادة الشخصية هي البداية، لكنها تحتاج أيضاً إلى بيئة داعمة تؤمن بقدرات المرأة وتمنحها فرصة التعبير عن ذاتها وتحقيق طموحاتها.

وترى أن نجاح امرأة لا يعني خسارة امرأة أخرى، بل هو إضافة للجميع، لأن كل امرأة تتجاوز حاجزاً أو تحقق إنجازاً تمهد الطريق أمام أخريات. ومن خلال تجربتها، أدركت أن تمكين المرأة لا يبدأ فقط من القوانين أو المؤسسات، بل يبدأ من داخل المرأة نفسها، عندما تؤمن بحقها في الحلم، والتعليم، والعمل، واتخاذ القرارات التي تصنع مستقبلها.

 

رسالة إلى كل فتاة

في الختام قالت دنيا نور الدين "رسالتي لكل فتاة هي أن تؤمن بنفسها أولاً، وألا تسمح للآخرين بأن يحددوا لها حدود أحلامها"، مضيفة "قد تواجهين من يقول إن حلمك صعب، أو إن بعض المجالات ليست مناسبة لكِ، لكن لا تجعلي نظرة المجتمع سبباً للتخلي عن طموحك. اختاري الطريق الذي يشبهك، وتمسكي بما تؤمنين به، لأن الطريق الذي تصنعينه بنفسك، رغم صعوبته، سيكون أكثر قيمة من الطريق الذي يختاره الآخرون لكِ".

هذه ليست مجرد سيرة شخصية، بل شهادة على قوة الإرادة، وقصة امرأة عراقية آمنت بأن الأحلام لا تُمنح، بل تُنتزع بالعلم والعمل والإصرار. في كل محطة من حياتها، كانت دنيا نور الدين تثبت أن المرأة ليست مطالبة بإثبات حقها في الحلم، بل بحقها في أن تعيش حياتها كاملةً وفق ما تؤمن به. إنها دعوة لكل فتاة ألا تسمح للخوف أو للعادات أو للأحكام المسبقة أن تحدد مستقبلها، بل أن تجعل من المعرفة والعمل طريقها نحو الحرية والإنجاز.