الفضاءات الثقافية المستقلة في تونس تحت الضغط ومدافعون يطلقون حملات مساندة
أدان تونسيون التضييق على الحريات العامة والفكرية عبر استهداف الفضاءات الثقافية والفنية، خصوصاً تلك التي تحتضن تظاهرات المجتمع المدني وندواته.
نزيهة بوسعيدي
تونس ـ أطلق تونسيون وتونسيات من المدافعين عن حرية الفكر وحرية التعبير حملة تضامن واسعة دعماً للفضاءات الثقافية التي تعرضت خلال الفترة الأخيرة إلى ضغوطات وهرسلة، وفي مقدمتها الفضاء الثقافي الريو في العاصمة، الذي يستعد للاحتفال بمئويته العام المقبل، إضافة إلى جمعية "بنزرت" للسينما التي طالتها بدورها محاولات التضييق.
اعتبر الرافضون لما حدث أن المسألة لا تتعلق بالمؤسسات الثقافية في حد ذاتها، بل بالدور المجتمعي الحيوي الذي تنهض به هذه الفضاءات. فالمساحات الثقافية المستقلة لم تعد مجرد قاعات عروض أو مهرجانات سينمائية، بل تحولت إلى منصات للنقاش العام، وتبادل الأفكار، واحتضان المبادرات المدنية، وتنظيم الندوات الفكرية، والأنشطة الحقوقية، واللقاءات السياسية، بما يتيح المجال أمام أصوات يصعب عليها في كثير من الأحيان إيجاد منابر بديلة.
ويرى هؤلاء أن التضييق على هذه الفضاءات لا ينعكس على الحياة الثقافية فحسب، بل يطال المجال العام بأكمله، إذ يحدّ من مساحات الحوار، ويقوض التعددية، ويضعف قدرة المجتمع على إنتاج نقاش حر ومسؤول.
كما اعتبروا أن هذا الشكل من التضييق أكثر خطورة من المنع الصريح، لأنه ينتج الرقابة الذاتية. فحين يرى أصحاب الفضاءات الثقافية ما يحدث لغيرهم، يبدأون في حذف الندوات الحساسة، وتجنب بعض الشركاء، والابتعاد عن الملفات الحقوقية، والاقتصار على أنشطة "آمنة" لا تثير الانتباه. وهكذا يتحقق الهدف السياسي دون إصدار قرار واحد بالمنع. يصبح الخوف هو الرقيب، ويصبح الصمت سياسة عامة غير معلنة.
واعتبرت ضحى قلالي، الناشطة في منظمة مساواة، أن ما يحدث لا يستهدف فضاء الريو في حد ذاته، بل يندرج ضمن سياسة تضييق أوسع "فضاء الريو فضاء ثقافي محترم يتعرض اليوم إلى الهرسلة، وأتوجه برسالة دعم إليه وإلى كل الفضاءات الثقافية المستقلة التي تواجه الضغوطات نفسها في إطار سياسة عامة تقوم على خنق العباد والبلاد".
وتدين حرمان الفضاء من التمويلات العمومية، وإغلاق المقهى التابع له، واستبعاده من احتضان مهرجانات وفعاليات كبرى، إضافة إلى الزيارات التفقدية التي تستهدف علاقته بالمجتمع المدني، معتبرة أن هذه الممارسات "شديدة الخطورة" لأن الفضاء، كما تقول "كان دائماً مفتوحاً للجميع، يحتضن الأنشطة الثقافية والفنية المحترمة والملتزمة، ويستقبل تظاهرات المجتمع المدني، بما في ذلك التظاهرات ذات الطابع السياسي، وربما لهذا السبب يُعاقَب اليوم".
وأكدت أن أي ضغط يُمارس على فضاء الريو أو أي تضييق يستهدف القاعة يبقى مرفوضاً ومداناً، مشددة على رفض كل أشكال القمع المسلطة على الحريات العامة والحريات الفكرية، مضيفة أن المشهد الثقافي في تونس لا يمكن أن يزدهر أو يتطور ما لم تُرفع عنه يد الضغط والقمع التي تطال الجميع، معتبرة أن حماية الفضاءات الثقافية المستقلة هي شرط أساسي لصون التعددية وضمان استمرار الحياة الثقافية.
وقالت ضحى قلالي إنها تدرك أن هذا الوضع لن يستمر، تماماً كما لم تستمر سابقاً الضغوطات التي مورست على فضاءات ثقافية أخرى وعلى أجيال من المثقفين والمناضلات والمناضلين في المسار الثقافين، مؤكدة أن ما يحدث اليوم سيأتي يوم وينتهي، وأن هذا اليقين هو ما يدفعهم إلى مواصلة الصمود والدفاع عن الحرية بكل أشكالها، وإدانة كل الممارسات القمعية ومحاولات الهرسلة التي يُعتقد أنها قد ترهب الناس أو تخيفهم، لكنها في الواقع، كما تقول، تزيدهم إصراراً على مواصلة مسيرتهم.
قالت الإعلامية رباب السرايري إن فضاء الريو كان عبر عقود طويلة نقطة التقاء للفنانين والمثقفين، شباباً وكهولاً، وظل دائماً بمثابة "الدار الكبرى" التي تستقبل الجميع مهما اختلفت انتماءاتهم الثقافية أو الفكرية أو السياسية أو الأيديولوجية، مشيرة إلى أن هذا الفضاء لعب دوراً محورياً في ترسيخ روح التعددية وفتح المجال أمام الإبداع الحر.
وأضافت أنه "من المؤسف حقاً أن يصبح فضاء عريق ذو تاريخ طويل مهدداً في سياق التضييق على الفضاءات الثقافية الخاصة، تلك التي كانت ولا تزال سنداً أساسياً لحرية الفكر والإبداع في تونس". وترى أن المساس بهذه الفضاءات يمسّ مباشرة قدرة المجتمع على إنتاج ثقافة حرة ومتنوعة، ويضعف أحد أهم أعمدة الحياة الثقافية المستقلة.
مساندة وتضامن
ما يحدث من تضييقات على الفضاءات الثقافية وجد استنكاراً واسعاً من المجتمع المدني وبعض الهياكل الثقافية وعبروا عن المساندة المطلقة عبر إصدار بيانات ومن هذه الهياكل نجد دار خريف للنشر التي عبرت في بيانها عن تضامنها الكامل ومساندتها لفضاء الريو الثقافي الذي يواجه اليوم صعوبات تهدد استمرارية نشاطه ودوره الثقافي.
ودعت إلى مساندة الفضاءات الثقافية المستقلة في تونس وحمايتها باعتبارها رصيداً جماعياً ووثيقة تاريخية وركيزة أساسية للحياة الثقافية.
وعبرت جمعية "اكتيف"، جمعية ثقافية تونسية، في بيان لها عن تضامنها الكامل مع جمعية "بنزرت" للسينما، مضيفة أن مهرجان "بنزرت" للسينما يمثل موعداً ثقافياً وفنياً مهماً، ساهم على مر دوراته في إثراء المشهد السينمائي الوطني، وفتح المجال أمام المبدعين والشباب لعرض أعمالهم وتبادل الخبرات، كما شكل فضاء للقاء الجمهور بالسينما في أبهى تجلياتها. وما بذلته جمعية "بنزرت" للسينما من جهد وعمل دؤوب لإنجاح هذا الموعد، يستحق كل التقدير والإشادة.
وقالت "ندرك جيداً حجم التحديات التي تواجه الجمعيات الثقافية في عملها اليومي من أجل الحفاظ على استمرارية مثل هذه التظاهرات، ونعبر عن كامل تضامننا مع فريق الجمعية في هذه الظرفية، مع تقديرنا الكبير لصبرهم وإصرارهم على مواصلة الرسالة رغم الصعوبات".
وعموماً الفضاءات الثقافية المستقلة هي متنفس للتعبير الحر والتضييق عليها أو إغلاقها هو تضييق على كل كلمة حرة أو نفس حر وتطبيع مع سياسة الأمر الواقع.