مخرجة سينمائية تحول ذاكرة العراق إلى لوحة روائية ووثيقة حية

توج فيلم "جدارية المطر" للمخرجة والكاتبة العراقية إيمان خضير بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان "فيمتو" الدولي للأفلام القصيرة وهذا ليس فيلمها الوحيد ففي نفس السياق السياسي والحقوقي كتبت وانتجت فيلم "نريد وطن".

رجاء حميد رشيد

العراق ـ تتميز السينما الوثائقية والروائية للمخرجة العراقية إيمان خضير بهدفها الوطني الواضح في تدوين الذاكرة الجمعية والتاريخ العراقي المعاصر، محولةً القضايا السياسية إلى لوحات إنسانية.

توج فيلم "جدارية المطر" للمخرجة وكاتبة السيناريو العراقية إيمان خضير بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان "فيمتو" الدولي للأفلام القصيرة بدورته الرابعة، والتي أقيمت فعالياته في مدينة الإسكندرية بمصر.

 

"جدارية المطر" حكاية فنان وجد نفسه خلف القضبان

المخرجة السينمائية العراقية إيمان خضير أوضحت أن فكرة سيناريو "جدارية المطر" بُنيت على قصة حقيقية، لكنها لم تلتزم بالوقائع كاملة، إذ أدخلت عليها إضافات ومعالجات درامية من أجل تحويلها إلى عمل سينمائي متكامل.

وتمنت أن تُعرض الأفلام بطريقة أكاديمية لكي يستفيد الناس من أفكارها وتجاربها "لدي دائماً كراريس أدوّن فيها الحكايات والقصص، وأحياناً أحتفظ بمواقف أشاهدها في الشارع وأسجلها في دفاتر ملاحظات"، مشيرةً إلى أن مؤسسة السجناء السياسيين، التي أنتجت الفيلم، وجهت دعوة إلى مجموعة من المخرجين، وكانت من بينهم، للعمل على أفلام تتناول حكايات السجناء في السجون العراقية خلال عهد النظام السابق.


         


        

"نريد وطن"... توثيق لذاكرة تشرين

وتحدثت إيمان خضير كذلك عن فيلمها "نريد وطن"، مؤكدةً أن تجربته وطريقة العمل عليه تختلفان تماماً عن "جدارية المطر".

وقالت إن تاريخ العراق منذ عام 1921 وحتى عام 2003 لم يحظَ بأرشفة ذاتية كافية من قبل المصورين والمخرجين، بسبب القيود التي فرضت على حمل الكاميرات واستخدامها، إذ لم تكن الكاميرات متاحة في الأسواق إلا في حدود الكاميرات المنزلية البسيطة.

وأضافت "الأحداث المهمة التي مر بها العراق لم تؤرشف ذاتياً، وإنما كانت الدولة هي التي تقوم بالأرشفة، وبعض الأحداث فقط تم توثيقها تاريخياً"، مشيرةً إلى أن انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر 2019 شكلت تجربة مختلفة "لأول مرة رأيت في الساحة كثافة رهيبة من المصورين. كنت أتواجد معهم نحو خمسة أيام في الأسبوع طوال الأشهر السبعة التي امتدت خلالها الانتفاضة، وأصور رغم أنني لا أملك إمكانيات مادية ولا دعماً".

ولم تكن ترغب في تلقي الدعم من أي جهة، نظراً لـ "حساسية الموضوع"، لكنها استعانت بصديق يمتلك كاميرا وكان مبتدئاً في التصوير، ثم تعاونت مع عدد من المشاركين والمشاركات في الاحتجاجات الذين كانوا يصورون لها، خصوصاً في المناطق الأمامية من التظاهرات.

وبدأت العمل على الفيلم عام 2019، واستمرت طوال عامي 2020 و2021 في محاولة منتجته، لأنها لم تملك تكاليف المونتاج "تمكنت لاحقاً من تدبير مبلغ قليل ومنتجة الفيلم، لكن المونتاج لم يعجبني وفي عام 2025 أعدت النظر في الفيلم وأصررت على إنتاجه مرة ثانية، وتحملت تكاليف جديدة، وكنت مصرة حتى لو اضطررت إلى الاستدانة من أجل ذلك، لأن حراك تشرين يجب أن يأخذ حقه".

وأشارت إلى أنها أعادت مونتاج الفيلم للمرة الثالثة، مؤكدةً أن حراك تشرين هو أرشفة وحفظ للذاكرة العراقية، مبينة أنها كانت تتأمل قدرة المتظاهرين على خلق ما وصفته بجمهوريتهم داخل ساحة التحرير.

 

السينما العراقية بين أزمة السيناريو والتمويل

وصفت إيمان خضير واقع السينما العراقية بأنه مزري، منتقدة آليات التمويل واختيار الأعمال، ومعتبرةً أن هناك مجموعة محدودة تسيطر على عملية التمويل وتقسيم الأموال واختيار المشاريع، إن بعض أعضاء اللجان التي تقيم الأعمال والنصوص لم يسبق لهم تصوير فيلم واحد، معتبرةً أن هذه الآلية تمثل مشكلة حقيقية في صناعة السينما.

وأضافت أن المشكلة الثانية تتمثل في كتابة السيناريو، حتى لدى بعض الأكاديميين في أقسام السينما، مؤكدةً أن معظم الأفلام التي شاهدتها تعاني مشكلات في السيناريو "العمود الفقري للسينما هو السيناريو، وعليه تتوقف قوة الفيلم أو ضعفه".

أما المشكلة الثالثة، فهي التمويل، موضحةً أنه حتى عندما يتوافر التمويل، لا توجد جهات كافية لدعم المشاريع السينمائية، بينما يتطلب العمل المستقل تكاليف كبيرة تشمل التصوير والأجهزة والمعدات والمونتاج والغرافيك والموسيقى.

وترى أن العراق يعاني مشكلة حقيقية في كتابة السيناريو، سواء في المسلسلات أو الأفلام السينمائية أو حتى الأعمال الإذاعية، داعيةً إلى عرض الأفلام في الأكاديميات والمعاهد وصالات العرض، وفتح نقاشات متخصصة حول السيناريو وآليات كتابته واختيار أفكاره.

واختتمت المخرجة السينمائية العراقية إيمان خضير حديثها بالتأكيد على أن السينما يغرم بها الجميع، وهي متعة، لكنها في الوقت نفسه تحمل الكثير من التعب، وأن العمل كمخرجة، أو كمنتجة، يحتاج إلى الصبر والمال والدعم، وإن إنتاج الفيلم الواحد يمكن أن تشارك في دعمه جهات رسمية ومنظمات مجتمع مدني ووكالات أنباء وغيرها، "هذا النوع من التعاون غير متوفر بالقدر الكافي في العراق، كما أننا لا نملك هذه الثقافة بعد".